حَربُ السودان لم تَعُد أهليَّة… بل صراعُ نفوذٍ إقليمي مَفتوح
كابي طبراني*
للَحظةٍ قصيرة، بدا في الصيف الماضي أنَّ الولايات المتحدة قد تكونُ وَجَدَت أخيرًا مَدخَلًا واقعيًا لإنهاء الحرب الأهلية المُدمِّرة في السودان. فبعدَ أكثر من عامين من القتال الذي أطاح الدولة وأنتجَ أسوأَ أزمةٍ إنسانية في العالم، جمعت واشنطن كُلًّا من مصر والسعودية والإمارات إلى جانبها في إطارٍ رُباعي غير مألوف، بهدفِ الضغطِ على طرفَي الصراع للتوصُّلِ إلى وقفٍ لإطلاقِ النار. كانت الفكرةُ بسيطةً ومُقنِعة: هذه الدول لا تلعبُ دورَ الوسيط المُحايد، بل تقفُ في موقع الرعاية الخارجية الأساسية للصراع. وإذا ما توحّد موقفها، فقد تَصمُت البنادق والمدافع أخيرًا.
لكن ذلك لم يحدث.
بل على العكس، ازدادت الحربُ وَحشيةً واتساعًا. ففي تشرين الأول (أكتوبر) الفائت، ومع تَعثُُّرِ الجهود الديبلوماسية، اجتاحت قوات “الدعم السريع” مدينة الفاشر في دارفور بعد حصارٍ وتجويع دام 18 شهرًا. قُتِلَ ما لا يقل عن سبعة آلاف شخص، واختفى عشرات الآلاف، فيما وَثّقَ المقاتلون أنفسهم وهم يُعذّبون المدنيين ويقتلونهم، وينشرونَ المقاطع كما لو كانت غنائم حرب. وبعد ثلاثة أشهر، لا تزالُ المعارك مُستمرّة، وتتعمّقُ الكارثة الإنسانية، فيما يقتربُ النزاعُ من التحوُّلِ إلى انفجارٍ إقليمي واسع.
ما يجري في السودان لم يَعُد حربًا أهلية بين جنرالين متنافسين فحسب، بل باتَ نموذجًا لنمطٍ جديدٍ من الصراعات: دولٌ تتفكَّك، وتتحوَّلُ أراضيها إلى إقطاعياتٍ عابرة للحدود، تُدارُ من قبل قادة مليشيات لا يخضعون لمجتمعاتهم، بل لرُعاةٍ خارجيين يمتلكون المال والسلاح والطموحات الجيوسياسية. ومن دونِ انخراطٍ أميركي حاسم على أعلى المستويات، يُواجِهُ السودان خطرَ أن يُصبحَ الشرارة التي تُشعِلُ القرن الإفريقي ووادي النيل ومنطقة الساحل–الصحراء.
جذور الأزمة السودانية معروفة. فمنذُ الاستقلال عام 1956، احتكرت النُخَبُ العسكرية السلطة في الخرطوم، بينما تُرِكَت الأطراف للفقر أو القمع. لهذا دَعمَ الكثيرون من السودانيين ثورة 2019 التي أطاحت عمر البشير، أملًا في إنهاءِ هذا الإرث وبناءِ دولةٍ مدنيّة ديموقراطية. لكن تلك الآمال سُحِقَت عندما أطاح الجنرال عبد الفتاح البرهان وشريكه آنذاك محمد حمدان دقلو (حميدتي) الحُكمَ المدني، قبل أن ينقلبا على بعضهما لاحقًا.
ما تَغَيَّرَ الآن هو البيئة الدولية التي تجري فيها هذه المأساة. ففي الحروب السابقة، كان الحل -مهما طال— شأنًا داخليًا في جوهره. أما اليوم، فقد باتت أطرافُ الصراع تعتمدُ على داعميها الخارجيين أكثر مما تعتمدُ على أيِّ شرعيةٍ داخلية. مصر والسعودية تدعمان الجيش السوداني بقيادة البرهان، باعتباره صمّامَ استقرار وسدًّا في وجه الإسلاميين. في المقابل، أصبحت الإمارات الداعم الأبرز لقوات “الدعم السريع”، رُغمَ نفيها العلني، حيث تُشيرُ تقارير مُتعدِّدة إلى تدفُّق السلاح والطائرات المُسَيَّرة والمرتزقة عبر شبكات إمداد مرتبطة بأبوظبي.
والنتيجة حربٌ لا تتأثر برأي السودانيين أنفسهم. فالغالبية الساحقة من الشعب تريد توقُّف القتال. نصفُ السكان بحاجةٍ إلى مساعدات غذائية عاجلة، وربعهم نزحوا من ديارهم، ومدن كاملة دُمِّرَت. ومع ذلك، يستمرُّ القتال لأنَّ خطوطَ الإمداد لا تمرُّ عبر الداخل، بل عبر الخارج. إنها حربٌ بلا حدود.
الدور الإماراتي يظلُّ الأكثر إشكالية. فرفضُ أبوظبي الاعتراف بتدخُّلها يُعقّدُ أيَّ مسارٍ تفاوضي جاد. وتتنوَّع التفسيرات: علاقةُ رعاية قديمة مع “حميدتي” تعودُ إلى حرب اليمن، عداءٌ للإسلاميين، مصالح اقتصادية في الذهب السوداني. لكنَّ العاملَ الأعمق هو التنافُس المُتصاعد بين الإمارات والسعودية على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي—تنافسٌ باتَ يُدارُ عبر حروب الآخرين.
يُسَجََّلُ لإدارة دونالد ترامب سعيُها إلى إعادةِ تحريك الملف السوداني، بعد سنواتٍ من الجمود. فقد أعاد وزير الخارجية ماركو روبيو الديبلوماسية رفيعة المستوى إلى مسارٍ غابت عنه طويلًا. غير أنَّ الديبلوماسية لا تقومُ على المبادرة وحدها، بل تتطلّبُ قدرًا مُماثلًا من الانضباط. ففي لحظةٍ مَفصليّة، كان من الممكن لضغطٍ أميركي هادئ وحازم على أبوظبي أن يفتحَ نافذةً لتسوية محتملة. إلّا أنَّ التصريحات العلنية أسهمت في تصلّب المواقف، ولم تمضِ ساعات حتى سقطت الفاشر في اليوم التالي.
اليوم، لم تَعُد تداعيات الحرب محصورة داخل السودان. تشاد، جنوب السودان، ليبيا، الصومال، إثيوبيا، وإريتريا جميعها متشابكة بدرجاتٍ مختلفة. وساحل السودان على البحر الأحمر، الذي كان هامشيًا في السابق، بات ساحةَ تنافُسٍ دولي، مع دخول الصين وتركيا وروسيا ودول الخليج، فيما تراقب إسرائيل بحذر طرق الملاحة والأمن البحري.
لهذا السبب، السودان مهم. ليس فقط بسبب حجم المأساة الإنسانية، بل لأنه يكشفُ كيف يمكن لدولةٍ مُنهارة أن تتحوَّلَ إلى ساحة صراع دولي مفتوح، حيث تصبح حياة المدنيين مجرد خسائر جانبية.
لا تُوجَدُ حلولٌ سهلة. أيُّ اتفاقِ سلام سيكونُ هشًّا. البرهان يواجه صعوبة في ضبط تحالفاته، وحميدتي يقود قوة تستفيد من الفوضى، فيما يبقى المدنيون الديموقراطيون—ورثة ثورة 2019—الأضعف صوتًا. ومع ذلك، فإنَّ البديلَ من ديبلوماسية جادة هو كارثة أكبر.
وقفُ إطلاق النار سيتطلّبُ ضغطًا متوازنًا على جميع الرعاة الخارجيين، لا طرفًا واحدًا فقط. وسيتطلّب إعادة إشراك الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وربما عودة قوات حفظ السلام لحماية المدنيين—وهو خيارٌ مُكلِف، لكنه أقل كلفة من ترك الحرب تستعرُ بلا نهاية.
لقد أصبح السودان نموذجًا لحربٍ دولية جديدة. والسؤال الآن ليس فقط إن كان مُمكنًا إيقافها، بل ما إذا كانَ العالم لا يزالُ قادرًا على صُنعِ السلام في زمنٍ تُدارُ فيه الحروب بالوكالة، وتُقايَضُ فيه الأرواح بالنفوذ.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



