التَطبيعُ المُؤجَّل: كيف ضاعَت اللحظة السعودية–الإسرائيلية؟
لم يَعُد التطبيع بين السعودية وإسرائيل مسارًا حتميًا كما بدا يومًا، بل فرصة هشّة تتآكل تحت وطأة الحرب، وتبدّل الأولويات، وضيق الوقت السياسي. وبين حسابات الرياض وتصلّب تل أبيب وتردّد واشنطن، تتلاشى لحظةٌ كان يُفتَرَضُ أن تُعيدَ رسم خرائط المنطقة.

دانيال بنعيم*
على مدى سنواتٍ قليلة مضت، بدا التطبيع بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل وكأنه مسارٌ لا مفرَّ منه، خطوة منطقية تكمّلُ “اتفاقيات أبراهام” وتسدُّ فجوةً أساسية في مشروعٍ إقليمي ترعاه الولايات المتحدة، ويخدم أولوياتها الجيوسياسية في الشرق الأوسط. لم يَكُن الجدل يدورُ حول إمكان حدوثه، بل حول توقيته فقط، وكأن المسألةَ مسألةُ وقتٍ لا أكثر.
غير أنّ هذا اليقين لم يَصمُد طويلًا. فقد تلقّى ضربةً قاسية في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، مع اندلاع الحرب المدمّرة التي أعادت خلط الأوراق. حينها، سارع مُحلِّلون إلى إعلان وفاةِ مشروع التطبيع، فيما تمسّك مسؤولون أميركيون بالأمل في إنعاشه، سعيًا إلى تحقيق اختراقٍ يُعيدُ الأمورَ إلى مسارها السابق. لكن ما يُميّزُ اللحظة الراهنة هو أنّ هديرَ السلاح في غزة خَفَتَ إلى حدٍّ كبير، بالتوازي مع خفوت الحديث عن التطبيع في واشنطن والرياض وتل أبيب. بل إنَّ المؤشِّرات، العلنية منها والضمنية، تُوحي بأنَّ المسارَ يسيرُ في الاتجاهِ المُعاكِس.
فالتطبيع السعودي–الإسرائيلي لا ينهارُ دفعةً واحدة، لكنه يتراجَعُ ببطء، ويدخُلُ حالةً من الجمود العميق، أقرب إلى ركودٍ طويل في مرحلةٍ انتقالية مفتوحة. ولم يَعُد هذا التقدير حكرًا على المراقبين، بل بات يُعَبَّرُ عنه رسميًا في الخطاب السعودي. ففي أعقاب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قادةً من “حماس” داخل قطر في 9 أيلول (سبتمبر) 2025، قال رئيس سابق لجهاز الاستخبارات السعودية (الأمير تركي الفيصل) إنَّ المملكة لن تُقدِم على التطبيع إلّا عندما تبدأ إسرائيل التصرُّفَ كدولةٍ “طبيعية”.
في الأسبوع الماضي، وعندما وُجِّهَ إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سؤالٌ مباشر عن آفاق التطبيع مع السعودية، جاءت إجابته غامضة بقدر ما كانت دالّة. قال إنَّ إسرائيل ستكون “سعيدة” إذا اختارت الرياض السلام مع “إسرائيل آمنة وقوية”، شرط الكفّ عن دعم الجهات التي “تقوّض شرعيتها”. صياغةٌ بدت أقرب إلى وَضعِ شروطٍ سياسية وأمنية منها إلى توجيه رسالة انفتاح، وكأنها تعكسُ حدودَ ما بات مُمكنًا أكثر مما تعكِسُ طموحًا حقيقيًا.
هذا المعنى عزّزته التطوُّرات الأخيرة في الديبلوماسية الأميركية–السعودية. فزيارةُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرفيعة المستوى إلى دول الخليج، وعودة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن للمرة الأولى منذ سبع سنوات، أفضتا إلى سلسلةِ إعلاناتٍ لافتة بين الجانبين، من التعاون في المجال النووي إلى صفقاتٍ مُحتملة لبيع طائرات مقاتلة مُتقدِّمة. غير أنَّ كلَّ ذلك جرى من دونِ أيِّ اختراقٍ فعلي على مسار التطبيع مع إسرائيل. بل إنَّ كثيرًا من الحوافز التي كان يُنظرُ إليها سابقًا بوصفها جُزءًا من صفقة ثلاثية، أُعيد تسويقها بهدوء على أنها إنجازاتٌ ثُنائية أميركية–سعودية مستقلة.
صحيح أنّ بعض الملفات شهد تقدُّمًا، لكن الملفَّ الأكثر حساسية ظلَّ عالقًا في مكانه. ومع انشغالِ كلِّ طرفٍ بأولوياتٍ مختلفة، لم يَعُد التطبيع هدفًا مركزيًا بحد ذاته، بل تحوّلَ إلى احتمالٍ مشروط بتوافر الظروف والتوقيت المناسبين. وبمعنى أدق، لم يَعُد مسارًا وشيكًا، بل فرصة ضائعة تُرِكَت مُعلّقة إلى أجلٍ غير مُسمّى.
تباعُد الرياض وتل أبيب
على الرُغم من التراجُعِ الملحوظ في حدّة التهديد الإقليمي الإيراني، فإنَّ كثيرًا من المكاسب الاستراتيجية التي طالما أُسندت إلى خيار التطبيع ما زالت قائمة. فمن وجهة نظر إسرائيل، يتيح لها اعتراف الدولة الأكثر ثقلًا في العالم العربي فرصةً لإعادة ترميم شرعيتها الدولية المتآكلة واستعادة زمام المبادرة الديبلوماسية، كما يمنحُ القادة الراغبين في ذلك ذريعةً لاعتماد قدر من الحكمة السياسية، أو على الأقل ضبط النفس، في ما يتصل بالضفة الغربية. أما بالنسبة إلى السعودية، فيُنظَرُ إلى التطبيع بوصفه أفضل مدخل لتثبيت الالتزامات الأمنية الأميركية في المدى الطويل، بما يتجاوز حسابات أي إدارة بعينها، ولإشراك إسرائيل علنًا كشريكٍ في مسارَي التحديث والدفاع عن النفس، فضلًا عن تقديم الحاكم المستقبلي للمملكة في صورة رجل دولة عالمي. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنَّ رعايةَ اتفاقٍ من هذا النوع تفتح آفاقًا أوسع لتعميق التعاون الإقليمي وتقاسم الأعباء، مع تكريس الدور الأميركي بوصفه القوة الخارجية المهيمنة في الشرق الأوسط لعقود مقبلة.
غير أنَّ الفجوات بين الأطراف آخذة في الاتساع. فقلقُ القادة السعوديين يتزايدُ إزاءَ مسارٍ إسرائيلي يبدو، في نظرهم، أبعد من أن تتمكّنَ المملكة من مجاراته. وقد فاقمت حرب غزة منسوب الغضب الشعبي، فيما تنزلق الأوضاع في الضفة الغربية بسرعة نحو مزيدٍ من التدهور. كما أثارت التحركات العسكرية الإسرائيلية خارج حدودها قلق عواصم الخليج، في وقتٍ يتعارض ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف، ورهانه على القوة العسكرية لإعادة رسم معالم المنطقة، مع التوجُّهات السعودية الممتدة من سوريا إلى شرق أفريقيا. وإذ نجحت إسرائيل إلى حدّ كبير في إضعاف إيران و”محور المقاومة”، تراجَعَ الشعورُ المشترك بالتهديد الذي كان يدفع دول الخليج إلى التقارب معها. وإضافةً إلى ذلك، وبينما رحّبت الرياض بالانتكاسات الأخيرة التي مُنيت بها طهران، فإنها تخشى أن يقودَ أيُّ تصعيدٍ إضافي إلى ردودٍ انتقامية تطالُ الخليج. والخلاصة أنَّ استمرارَ النظر إلى إسرائيل بوصفها عاملًا لزعزعة الاستقرار الإقليمي يجعل من التطبيع احتمالًا ضعيفًا.
في موازاة ذلك، تبدو السعودية وكأنها بدأت ترسم مسارًا خاصًا بها، بخطواتٍ أوّلية لكنها ذات دلالة، يصعب على إسرائيل اللحاق بها. فقد تصاعد التنافس المزمن بين الرياض وأبو ظبي، وفي عددٍ من الملفّات الخلافية بين الجانبين تقف إسرائيل إلى جانب الإمارات، ما جعلها هدفًا لتعليقاتٍ سعودية حادّة تربط بين أبو ظبي وتل أبيب. وهذا المسار، في جوهره، يُناقضُ أيَّ محاولة لتهيئة الرأي العام للتطبيع. ولا يزال من المبكر الجزم بما إذا كانت التحرُّكات السعودية الأخيرة لتعزيز علاقاتها مع باكستان، وربما مع تركيا، تعكس توجّهًا نحو أقصى درجات المرونة، أم تُمهّد لتشكيل محور إقليمي يوازن نفوذ إسرائيل والإمارات. لكنها، في كل الأحوال، تشير إلى استعداد الرياض لإبراز خلافاتها مع كل من أبو ظبي وتل أبيب، والإعلان عنها في مرحلة تتراجع فيها التهديدات الإقليمية الأخرى. وهذه المؤشرات، بدورها، تنذر بمسار مقلق، إذ إن بيئة إقليمية تتفاقم فيها التوترات السعودية–الإماراتية هي بيئة يستبعد فيها قيام تطبيع سعودي–إسرائيلي. وحتى الآن، لا تبدو الإدارة الأميركية راغبة أو مستعدة لإدارة هذا الانقسام المتنامي بين حلفائها.
ويزداد المشهد تعقيدًا إذا ما قورن المسار السعودي بمسارات دولٍ إقليمية أخرى اختارت نهجًا تدرّجيًا نحو التطبيع، عبر زياراتٍ غير مباشرة، أو افتتاح مكاتب ذات طابع شبه ديبلوماسي، وخطوات مماثلة رافقتها محاولات منهجية لتهيئة الرأي العام. في المقابل، يبدو أنَّ صانعي القرار في الرياض يفضّلون القفز مباشرة إلى خطوةٍ كبرى واحدة، لا سلسلة تنازلات صغيرة. هذا التفضيل، بحدِّ ذاته، يعمّق الانطباع بأنَّ مسار التطبيع لم يتوقف فحسب، بل يشهد تراجُعًا ملموسًا لا يزال مُستمرًّا.
فما الذي يتطلّبه أي اتفاق محتمل اليوم؟
حتى لو افترضنا أنَّ الاتجاهات السلبية الحالية قد انعكست، وأنَّ مسارَ التطبيع استعادَ زخمه، فإنَّ الطريق إلى اتفاقٍ ثُلاثي ما زال محفوفًا بعقبتين جوهريتين من العيار الثقيل.
العقبة الأولى هي المسألة الفلسطينية. ففي ظلِّ تصاعُد الغضب الشعبي والدولي إزاء الحرب في غزة، رسمت السعودية خطًا أحمر لا لبس فيه، مُتمسّكة بضرورة وجود مسار موثوق وذي صدقية نحو قيام دولة فلسطينية بوصفه شرطًا للاعتراف بإسرائيل. ولم يقتصر هذا الموقف على الخطاب السياسي، بل عزّزته الرياض عمليًا عبر دعم جهود الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، والاستثمار في بناء القدرات المؤسسية الفلسطينية. وخلال وقوفه إلى جانب الرئيس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي، أعاد ولي العهد السعودي التأكيد على هذا الموقف، بصيغةٍ ديبلوماسية لكنها حاسمة: الرغبة في أن تكون المملكة جُزءًا من “اتفاقيات أبراهام” لا تنفصل عن ضمانِ مسارٍ حقيقي لحلِّ الدولتين. غير أنَّ هذا الشرط يصطدم مباشرة بالسياسة الإسرائيلية الراهنة، ولا سيما في مرحلة ما بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر). وقبيل زيارة الزعيم السعودي إلى واشنطن، وجّه بنيامين نتنياهو ضربة استباقية لمحاولات ترامب الضغط على بن سلمان، بإعادة تأكيده العلني معارضته لأيِّ دولة فلسطينية مستقبلية، في مسعى واضح لطمأنة شركائه في الائتلاف اليميني المتطرف.
أما العقبة الثانية، فهي مرتبطة بالمستقبل وبحسابات الأمن الاستراتيجي. فإدراكًا منها لاحتمال التعرّض لردود فعل إقليمية نتيجة الاعتراف بإسرائيل، تسعى الرياض إلى انتزاع أقوى ضمان أمني أميركي ممكن ضمن حزمة أي اتفاق، وهو ما قد يرقى إلى التزام على مستوى معاهدة رسمية غير مسبوقة خارج أوروبا وشرق آسيا. غير أنَّ مثل هذا الالتزام يتطلّبُ مصادقة مجلس الشيوخ الأميركي، وهو حاجز سياسي لا يزال بالغ الصعوبة. فقد مضت عقودٌ منذ أن شهدت واشنطن تقدُّمًا فعليًا لمعاهدة أمنية بهذا الحجم، في وقتٍ تعمّق الشك حيال إسرائيل داخل الحزبين، وتزايد النفور العام من الانخراط في التزامات خارجية جديدة. كما لا يزال عدد وازن من الديموقراطيين وبعض الجمهوريين ينظرون إلى المملكة بحذر، فيما قد يتردّد ترامب نفسه في تقييد الولايات المتحدة بهذا الشكل. وفي ظل هذه المعطيات، لا يبدو أنَّ إيجادَ بديل أمني مُرضٍ لجميع الأطراف سيكون مهمة سهلة.
لا أولوية لأحد
تَعكِسُ هذه التحدّيات، مجتمعة، حقيقةً أعمق تتجاوز التفاصيل التقنية لأيِّ صفقة محتملة: فقد انتقلت نظرة الأطراف الثلاثة إلى التطبيع من كونه ضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل، إلى كونه نتيجة مرغوبة في أحسن الأحوال، وربما مُؤجَّلة إلى أجلٍ غير معلوم.
بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية الحالية، تتقدّمُ أولوية واحدة على ما عداها: الحؤول دون تكرار صدمة كارثية شبيهة بما جرى في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، مع تثبيت وتعزيز السيطرة في الضفة الغربية، حتى وإن جاء ذلك على حساب إغلاق الطريق نحو الرياض. وعندما قابل وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريش، المطالب السعودية بحقِّ الفلسطينيين في تقرير المصير بعباراتٍ مهينة، اضطرَّ لاحقًا إلى تقديم اعتذار عن الأسلوب لا عن المضمون. وقد كشفت هذه الواقعة، بوضوح، حدود القدرة السعودية على التأثير في خيارات السياسة الإسرائيلية الداخلية.
أما القيادة السعودية، فتُدرِكُ أنَّ مكاسب التطبيع حقيقية ومهمّة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الضرورات الوجودية. فالأولوية القصوى بالنسبة إلى الرياض تبقى الحفاظ على الاستقرار والأمن الداخليين، في مرحلةٍ حساسة تتقاطع فيها تحوُّلات اقتصادية عميقة مع استحقاقات خلافة الحكم. وأيُّ مسار تطبيع يُحتمل أن يُعرِّضَ هذه الأهداف لمخاطر جدّية يُرجّح أن يُستبعد بوصفه مقامرة غير محسوبة. وقد يتبيّن في نهاية المطاف أنَّ السعودية، رُغمَ وعيها لتطلُّعات واشنطن ورغبتها في تحقيق اختراقٍ سياسي كبير، قد حسمت أمرها عمليًا وقررت أنَّ تبرير التطبيع أمام الرأي العام المحلي ليس ممكنًا في المدى المنظور.
أما الولايات المتحدة، وترامب تحديدًا، فلا تزال تنظر إلى التطبيع السعودي–الإسرائيلي بوصفه إنجازًا تاريخيًا مُرَحَّبًا به. وقد حرصت الإدارة الأميركية على إبقاء الباب مواربًا، سواء عبر كبح محاولات الضم الكامل للضفة الغربية، أو من خلال الامتناع عن تقديم ضمانة أمنية رسمية خلال زيارة بن سلمان إلى الولايات المتحدة. غير أنَّ واشنطن، في الوقت نفسه، لم تربط سياساتها الإقليمية بهذا الهدف وحده، بل واصلت السعي وراء أولويات أخرى، مُكتفيةً بتعميق الشراكات الثنائية وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وأمنية كبرى، مع إدارة خلافاتها وأزماتها مع إسرائيل على مسارٍ موازٍ.
يجب أن تتضافر الجهود
صحيح أن وتيرة التطبيع قد تراجعت بوضوح، غير أنّ العقبات الجسيمة التي تعترضه لا تكفي، حتى الآن، لإعلان نهايته أو الجزم بتجميده طوال ما تبقّى من ولاية الرئيس دونالد ترامب. فالمسارُ لا يزالُ قابلًا للعودة إلى الواجهة، لا سيما في ظلِّ إصرارِ الرئيس الأميركي على هذا الملف، وما يمتلكه هذا الملف من رصيد سياسي ونفوذ عابر للحزبين. فمن خلال إعادة ترتيب الأولويات، وممارسة الضغط المنهجي، وخلق إحساسٍ بالإلحاح، يمكن أحيانًا ابتكار مخارج لقضايا تبدو مستعصية. غير أنَّ نجاحَ أيِّ اتفاق ثلاثي يفترض تلاقي ثلاث ديناميكيات سياسية على الأقل، لكلٍّ منها إيقاعها الخاص وصعوبة مزامنتها: السعودية، والإسرائيلية، والأميركية. وإلى جانبها، يبرز عامل رابع أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ، هو العامل الفلسطيني.
انطلقت المقاربة السعودية الحالية مع وقف إطلاق النار في غزة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. وتحتاج القيادة في الرياض إلى الوقت، سواء لامتصاص الغضب الشعبي، أو لتحسين الأوضاع على الأرض، أو لبلورة بيئة إقليمية أكثر ملاءمة. وقد تخف حدة الإصرار على قيام دولة فلسطينية كاملة، خصوصًا تحت وطأة الضغوط الأميركية، لكنها لن تختفي من المعادلة. ومن هنا، تقع على عاتق جميع الأطراف مسؤولية استثمار الفترة الفاصلة لتحقيق تقدم ملموس، ولا سيما في غزة. فأيُّ انزلاقٍ جديد نحو التصعيد، سواء في غزة أو لبنان أو مع إيران أو في الضفة الغربية، كفيلٌ بتأجيلِ أيِّ انفتاحٍ إلى أجل غير محدد. والساعة السعودية، وإن بدت صبورة، لا تنتظر إلى ما لا نهاية.
في المقابل، تبدأ الساعة الإسرائيلية بالدقّ بعد الانتخابات المقبلة، المقرّر إجراؤها قبل نهاية تشرين الأول (أكتوبر). ثلاثة سيناريوهات رئيسة تفرض نفسها: الأول، تشكيل حكومة جديدة قد تنأى جزئيًا عن السياسات الراهنة، وتبحث عن صيغ أكثر مرونة لا ترقى إلى مستوى الدولة الفلسطينية الكاملة. الثاني، عودة بنيامين نتنياهو مع عدد أقل من الشركاء اليمينيين المتطرفين، ما قد يوفّر هامشًا محدودًا للمناورة، وإن كان استثماره يتطلب قطيعة ملموسة مع أنماط السلوك السابقة. أما السيناريو الثالث، وهو قيام ائتلاف يميني متطرف جديد، فمن شأنه أن يغلق باب التطبيع بالكامل لسنوات مقبلة.
قد يكونُ هامشُ الوقت المتاح أمام الولايات المتحدة أضيق مما يفترضه كثيرون. فما إن يبدأ الزخم السياسي للسباق الرئاسي لعام 2028 بالتشكُّل، حتى يصبح قادة الحزبين أكثر ميلًا لمواجهة الرئيس دونالد ترامب، وأشد حذرًا حيال أيِّ التزاماتٍ أمنية جديدة قد تُقيّدُ الإدارة المقبلة. وربما يفضّل ترامب تحقيق مكسب رمزي كبير على حساب ضمانات ملزمة وطويلة الأمد، غير أنَّ غيابَ مثل هذه الضمانات من شأنه أن يجعل مسار التطبيع أكثر تعثرًا وأقل قابلية للتقدُم.
في موازاة ذلك، يتحرَّك العامل الفلسطيني بوتيرةٍ سريعة وغير مستقرّة. ففي لحظة ما، قد يؤدي تصاعد التوتر الناتج عن تدهور الأوضاع المعيشية وانسداد الأفق السياسي في الضفة الغربية إلى إبعاد التطبيع مجددًا عن دائرة الممكن، مهما بلغت الجهود المبذولة لإحيائه.
وتشيرُ هذه المعطيات مُجتمعةً إلى نافذةٍ ضيِّقة ومشروطة للنجاح خلال ما تبقّى من هذه الولاية الرئاسية. فإذا ما حافظت المنطقة على قدرٍ من الهدوء، قد تتقاطع الحسابات السعودية والإسرائيلية والأميركية عند نقطة واحدة. لكن في المقابل، من السهل تصوُّر سيناريو مُعاكِس، يتجسّدُ في تجدّد الصراعات الإقليمية، وتعاظم نفوذ اليمين الإسرائيلي، وتصاعد التردّد الأميركي خلال العام المقبل، بما يعيد خلط الأوراق ويقفل هذه النافذة الهشّة سريعًا.
هل هي فرصة سانحة؟
يُعَدُّ عاملُ الوقت من أكثر العناصر حساسية في السياسة الدولية، وغالبًا ما يجري التقليل من شأنه. فالفُرَصُ نادرًا ما تُغلَقُ بقرارٍ مُعلَن أو في موعدٍ مُحدّد، بل تتآكل بصمت حين تتدخّل الوقائع وتفرض مسارات جديدة. ومن موقع عملي في وزارة الخارجية الأميركية في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، كان واضحًا كيف تمكّن يومٌ واحد دامٍ من طمس الآمال المُرتبطة بسلسلةٍ من الأهداف والأولويات الإقليمية، وفي مقدّمها مسار التطبيع. والصدمة التالية — سواء تمثّلت بأزمة جديدة تستحوذ على اهتمام واشنطن، أو بضمّ الضفة الغربية، أو بتحوّلات قيادية تُعيدُ ترتيب الأجندات — قد تدفع التطبيع إلى مزيدٍ من التأجيل، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى لا تقلُّ أهمّية.
قد يختار الرئيس دونالد ترامب في مرحلةٍ ما تغيير نهجه ومحاولة فرض مسار التطبيع. غير أنَّ القادة في كلٍّ من إسرائيل والسعودية يُدركون أنَّ ولايته الرئاسية ليست أبدية. وفي لحظةِ حسابٍ باردة، قد يرى الأمير محمد بن سلمان أنَّ المملكة حصدت بالفعل مكاسب وازنة من دون الاضطرار إلى تحمُّل كلفة سياسية وأمنية عالية. وقد تخلص الحكومة الإسرائيلية إلى أنَّ السيطرة على الأرض تتقدّم، مهما بلغت الأثمان، على السعي إلى شرعية دولية متآكلة. أما الولايات المتحدة، فقد تُواصِلُ الترويج للتطبيع في الخطاب، فيما تُظهِرُ في الممارسة محدودية استعدادها لدعمه سياسيًا واستراتيجيًا. بالنسبة إلى الأطراف الثلاثة، سيكون هذا المسار قابلًا للاحتمال. لكنه، في جوهره، يُمثّلُ فرصةً مهدورة ذات كلفة بعيدة المدى.
كثيرًا ما يَفتَرِضُ صنّاع القرار أنَّ فُرَصَ اليوم ستبقى متاحة غدًا. غير أنَّ التجربة تُثبتُ أنَّ كثيرًا من هذه الفرص أكثر هشاشة مما يبدو. وفي نهاية المطاف، لا يتوقّف نجاح التطبيع السعودي–الإسرائيلي على تحقيق توافق كامل بقدر ما يتوقف على وعي القادة بثقل اللحظة الراهنة، وعلى استعدادهم للتحرُّك قبل أن يفوتَ الأوان.
- دانيال بنعيم هو زميل ديبلوماسي متميِّز في معهد الشرق الأوسط في واشنطن. خلال إدارة الرئيس جو بايدن، شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون شبه الجزيرة العربية.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.