طهران وحدها: حينَ تُصبِحُ إيران عبئًا على حُلفائها

في لحظةِ اضطرابٍ داخلي غير مسبوقة، لا تُواجِهُ إيران غضبَ الشارع فقط، بل فتورًا متزايدًا من أقرب داعميها. ومع إعادة موسكو وبكين ترتيب أولوياتهما، يتبدّل موقع طهران في معادلات القوة الإقليمية والدولية.

المرشد الأعلى علي خامنئي: بقاء نظامه لم يَعُد مصلحةً استراتيجية ثابتة لحلفائه الكبار.

يوليا جوجا*

على مدى عقود، تكرّرت التنبُّؤات بانهيار النظام الإيراني من دونِ أن تتحقّق. لكن ما شهدته طهران أخيرًا يُشيرُ إلى تحوُّلٍ نوعي لا يُمكِنُ تجاهله. فحملةُ القمع الواسعة التي أطلقها النظام في مواجهة الاحتجاجات الأخيرة —والتي تُقدَّر حصيلتها بسقوط ما بين 10 آلاف و20 ألف قتيل واعتقال أكثر من 10 آلاف شخص— لا تعكسُ قوة السلطة بقدر ما تكشف عن درجة غير مسبوقة من الهشاشة والخوف.

الأنظمة الدينية السلطوية لا تَسقُطُ فجأةً، لكنها تدخل مراحل تآكل تدريجي تُصبِحُ فيها كلفةَ البقاء أعلى من كلفة التغيير. ويبدو أنَّ النظامَ الإيراني يقتربُ من هذه المرحلة. السؤال لم يَعُد ما إذا كان هذا النظام قابلًا للاستمرار، بل ما إذا كان حلفاؤه الرئيسيون مُستعدّين للاستثمار في بقائه.

طوال السنوات الماضية، وجدت موسكو وبكين في طهران شريكًا مُفيدًا في مواجهة النفوذ الأميركي والحدّ من الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذا التقاطع في المصالح لم يتلاشَ، لكنه بات اليوم مَوضعَ مُراجعة. فمع تفاقُم الأزمة الداخلية في إيران، قد تميلُ كلٌّ من روسيا والصين إلى مُقاربةٍ أكثر حذرًا، خصوصًا في ظلِّ نظامٍ يبدو أنه يُُراكمُ عناصرَ الخسارة بدل الاستقرار.

في الوقت نفسه، تدخل إيران مرحلةً سياسيّة حسّاسة. المرشد الأعلى علي خامنئي يقتربُ من عامه السابع والثمانين، وتُدارُ بالفعل ترتيبات الخلافة في الكواليس. التنافُس يحتدم بين الحرس الثوري، والمؤسّسة الدينية، وشبكة من التكنوقراط المُرتبطين بالنظام، في صراعٍ يعكسُ غيابَ إجماعٍ واضح حول مستقبل السلطة. في هذه اللحظة الانتقالية، تبرزُ نافذةٌ نادرة أمام صنّاع القرار الأميركي لإعادةِ تقييم أدواتهم وخياراتهم في التعامل مع إيران ما بعد الاستقرار القسري.

اندلعت موجة الاحتجاجات الأخيرة في كانون الأول (ديسمبر) على خلفية تدهورٍ اقتصادي مُتسارِع. فقد أدّت معدلات التضخم الخارجة عن السيطرة، والانهيار الحاد في قيمة الريال—حيث تجاوز سعر الدولار الأميركي حاجز المليون ريال—إلى ارتفاعٍ غير محتمل في تكاليف المعيشة. هذا الواقع دفع حتى الفئات التي لطالما شكّلت ركيزةً للاستقرار النسبي، وفي مقدمتها تجار سوق طهران (البازار)، إلى النزول إلى الشوارع.

وعلى الرُغم من القمع العنيف الذي مارسته الأجهزة الأمنية، لم تنكفئ الحركة الاحتجاجية. بل عاد المتظاهرون، واتسع نطاق السخط ليشمل مختلف المناطق والفئات العمرية. اللافت أنَّ المطالب لم تَعُد تتركز على إصلاحاتٍ جُزئية أو تحسيناتٍ اقتصادية، بل تعكس شعورًا متزايدًا بأنَّ مسارَ الإصلاح من داخل النظام قد استُنفِد. المزاجُ العام يشيرُ إلى إرهاقٍ عميق من حُكمٍ ديني مُغلق، فَقَدَ قدرته على تقديمِ أيِّ أفق سياسي أو اقتصادي قابل للحياة.

في هذا السياق الداخلي المُتأزِّم، تبرزُ أسئلةٌ متزايدة حول حسابات حلفاء طهران. على مدار العام الماضي، بذلت كلٌّ من الصين وروسيا جهودًا كبيرة لتخفيف أثر العقوبات الغربية، وحماية إيران من تداعيات عدم التزامها بالقيود النووية. ولا يزال الطرفان حريصين، ظاهريًا على الأقل، على إظهارِ تماسُكٍ استراتيجي. إلّا أنَّ مؤشّراتٍ أوَّلية على تصدُّع هذا التفاهم بدأت بالظهور.

أحد هذه المؤشرات تَمثّلَ في المناورة البحرية الأخيرة التي جمعت دولًا من مجموعة “بريكس” تحت عنوان “إرادة السلام 2026” قبالة سواحل جنوب أفريقيا. ورُغم مشاركة روسيا والصين، انسحبت إيران من المناورة، وسط تقارير تفيد بأنَّ القرار جاء نتيجة ضغوط من حلفائها أنفسهم—في إشارة لافتة إلى تغيُّرٍ في ميزان الأولويات.

في الوقت ذاته، تستعدُّ بكين لاستضافة لقاء رفيع المستوى بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيسان (أبريل). الصين تُديرُ لعبةً استراتيجية طويلة النفس، لكنها تُدرِكُ أنَّ مواردها السياسية والديبلوماسية ليست بلا حدود. ومع تركيزها المتزايد على ملف تايوان، وسعيها إلى ترسيخ مناطق نفوذها، تبدو بكين مَعنية بترتيباتٍ أوسع وأكثر شمولًا مع واشنطن.

في هذا الإطار، يبرز تساؤل جوهري: هل ترى القيادة الصينية في إيران، الغارقة في أزمتها الداخلية والمُتآكلة سياسيًا، ورقةً تستحقُّ المجازفة؟ أم أنها باتت عبئًا قد يعقّدُ حساباتٍ أكبر، في لحظةٍ تسعى فيها الصين إلى إعادة ضبط علاقتها مع الولايات المتحدة بدل تعطيلها دفاعًا عن نظامٍ يزدادُ ضعفًا؟

في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، اعترضت القوات الأميركية سفينة صينية كانت في طريقها إلى إيران ومُحمَّلة بقطعِ غيارٍ لأسلحةٍ تقليدية. اللافت لم يكن عملية الاعتراض بحدِّ ذاتها، بل غياب أيِّ ردِّ فعلٍ صيني يُذكر. لم تعترض بكين، ولم تحتج، ولم تَسعَ حتى إلى تحويل الحادثة إلى إشكالٍ ديبلوماسي. وفي خطوةٍ أثارت امتعاض طهران، ذهبت الصين أبعد من ذلك بدعمها العلني لموقف دولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الجزر الثلاث المتنازع عليها في الخليج العربي: طنب الكبرى، طنب الصغرى وأبو موسى.

أما الموقف الصيني من الاحتجاجات العنيفة داخل إيران، فجاء محدودًا ومُقتَضَبًا. اقتصرَ الدعمُ على عباراتٍ عامة لا تتجاوز الإطار البروتوكولي. ففي 12 كانون الثاني (يناير)، أعربت وزارة الخارجية الصينية عن “أملها” في أن “تتجاوز طهران الصعوبات الراهنة وتحافظ على استقرار البلاد”، من دون أيِّ التزامٍ سياسي أو أمني ملموس. ولم تُقدِّم بكين، خلال الصيف الماضي، دعمًا في مجال الدفاع الجوي، كما امتنعت عن دعوة الولايات المتحدة إلى كبح إسرائيل خلال حرب الأيام الاثني عشر، في تبايُنٍ واضح مع ما كانت طهران تتوقعه من “شريكٍ استراتيجي”.

الصورة لا تختلف كثيرًا في موسكو. فالعلاقة الروسية–الإيرانية، رُغمَ ما يُروََّجُ لها، تقومُ على حساباتٍ نفعية بحتة. وبالنسبة إلى الكرملين، لم تَعُد إيران حليفًا لا يمكن الاستغناء عنه، بل ورقة ظرفية يمكن إعادة تقييمها متى تغيّرت الظروف.

صحيح أنَّ روسيا اعتمدت بشكلٍ متزايد على الطائرات المُسيَّرة والصواريخ الإيرانية في حربها ضد أوكرانيا، وأنها أنفقت منذ العام 2021 ما يقارب ثلاثة مليارات دولار على هذه المنظومات. إلّا أنَّ هذا الاعتماد محفوفٌ بقيودٍ واضحة. فالمخزون الإيراني محدود، والقدرة على التعويض ليست مفتوحة. في نهاية المطاف، تعتمد إيران نفسها على الصين للحصول على المكوّنات الأساسية لتحديث برنامجها الصاروخي—وهو برنامج بات اليوم خاضعًا لحظر أميركي مُشَدَّد. من منظور موسكو، تبقى طهران شريكًا مُفيدًا فقط طالما تستطيع تأمين هذه المدخلات.

لكن الحسابات الروسية بدأت تتبدّل. خلال موجة الاحتجاجات الأخيرة، التزمت موسكو صمتًا لافتًا. اكتفى الأمين العام لمجلس الأمن القومي الروسي، سيرغي شويغو، بإدانة “التدخّل الأجنبي” في إيران، مُردِّدًا الرواية الرسمية لطهران، من دون أن يذكر الولايات المتحدة أو إسرائيل بالاسم. هذا التحفّظ يختلفُ بوضوح عن مواقف سابقة، ولا سيما في الصيف الماضي، حين سارعت موسكو إلى إدانة الضربات الأميركية على إيران بلهجةٍ أشد.

في المحصّلة، سواء اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه ضربة عسكرية جديدة أم لا، فإنَّ مسارَ إضعاف نظامٍ استبدادي أثقلَ كاهلَ شعبه وألحق أضرارًا واسعة باستقرار المنطقة لا يقتصر على الخيار العسكري. أدوات الضغط السياسية، والاقتصادية، والديبلوماسية لا تزال فاعلة، خصوصًا إذا ما أُخذت في الاعتبار حسابات الصين وروسيا المتغيرة.

المعادلة اليوم أوضح مما كانت عليه في السابق: بقاءُ النظام الإيراني لم يَعُد مصلحةً استراتيجية ثابتة لحلفائه الكبار، بل عبئًا مُتزايدَ الكلفة. وفي لحظةِ انتقالٍ داخلي هشّة، قد يكون تراجُعُ الدعم الخارجي هو العامل الحاسم الذي يُسَرِّعُ نهايةَ نظامٍ طالَ أمده، لكن انتهت مُبرّرات استمراره.

  • يوليا جوجا هي زميلة أولى في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، وأستاذة مساعدة في جامعة جورج تاون وجامعة جورج واشنطن.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى