باكستان والشرقُ الأوسط: طُموحُ الشراكة ومَخاطِرُ الانخراط

كابي طبراني*

تتحرَّكُ باكستان بخُطى مُتسارِعة لتكثيف حضورها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تحوُّلٍ لافت عن سياسةِ الحَذَرِ النسبي التي اتّبعتها لعقودٍ تجاه الإقليم. فمن صفقاتِ السلاح إلى اتفاقيات الدفاع، مرورًا بمُبادراتٍ ديبلوماسية وأمنية، تسعى إسلام آباد إلى تثبيتِ نفسها لاعبًا أمنيًا ذا صلة في منطقةٍ تشهدُ تحوُّلاتٍ عميقة وانشغالًا دوليًا متزايدًا. غير أنَّ هذا الانخراطَ المُتنامي، على ما يحملهُ من فُرَصٍ سياسية واقتصادية، ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر لا يُمكِنُ تجاهلها.

أحدثُ المؤشِّرات إلى هذا التوجُّه تَمَثّلَ في التقارير التي تحدّثت عن اقترابِ باكستان من إتمام صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار مع السودان، بعد أسابيع من الكشف عن مفاوضاتٍ مُنفصلة بشأنِ حزمة تسليح كبيرة مع قوات شرق ليبيا. ويأتي ذلك بالتوازي مع محادثات متقدّمة لعقد اتفاق دفاعي جديد مع السعودية، التي وقّعت معها باكستان مؤخرًا معاهدة دفاع مشترك، وسط مؤشرات إلى احتمال انضمام تركيا إلى هذا الإطار لاحقًا. كما أبدت إسلام آباد اهتمامًا بالمشاركة في مهمة دولية مُحتملة لتحقيق الاستقرار في غزة، في خطوةٍ تَعكِسُ طموحًا سياسيًا يتجاوزُ البُعدَ العسكري البحت.

تسعى باكستان، في خضمِّ الانشغال العالمي بتطوُّرات الشرق الأوسط، إلى استثمارِ موقعها الجغرافي وصلاتها التاريخية مع عددٍ من العواصم العربية لتأكيد أهميتها الاستراتيجية. فالعلاقات الطويلة مع دول الخليج، إلى جانب التعاون العسكري والتجاري، تمنحها هامشَ حركة أوسع مُقارنةً بدولٍ أخرى خارج الإقليم. كما إنَّ وجودَ ملايين العمّال الباكستانيين في دول الخليج يُشكّلُ عاملًا إضافيًا يدفعُ إسلام آباد إلى لعب دورٍ أكثر فاعلية في أمن المنطقة واستقرارها.

الدوافعُ وراء هذا الانفتاح مُتعدّدة. فالاهتمامُ بملفِّ غزة، على سبيل المثال، يُقرَأُ على نطاقٍ واسع بوصفه محاولة لتعزيز العلاقات مع واشنطن، عبر الظهور بمظهر الدولة المسؤولة القادرة على المساهمة في جهود الاستقرار الدولية. أما صفقات السلاح، ولا سيما تلك التي تشمل طائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي، فتستندُ إلى الثقة المتزايدة بقدرات الصناعات الدفاعية الباكستانية، وإلى السمعة التي اكتسبها سلاح الجو الباكستاني بعد أدائه اللافت في المواجهة الأخيرة مع الهند. وفي هذا السياق، لا يُمكِنُ فَصلُ البُعدِ العسكري عن طموحٍ اقتصادي واضح، إذ تُمثّلُ صادرات السلاح مصدرَ دخلٍ حيويًا لاقتصادٍ يُعاني ضغوطًا مالية وعجزًا مُزمِنًا في ميزان المدفوعات.

إلى جانب ذلك، تسعى باكستان إلى موازنة النفوذ الهندي المتنامي في الشرق الأوسط، حيث نجحت نيودلهي في السنوات الأخيرة في بناءِ شراكاتٍ اقتصادية وأمنية مَتينة مع عددٍ من الدول العربية، لا سيما في مجالات الطاقة والتكنولوجيا. وفي ظلِّ صعوبة تحقيق اختراقاتٍ ديبلوماسية عميقة في جنوب آسيا، يبدو الإقليم العربي ساحةً بديلة تسعى إسلام آباد من خلالها إلى إعادةِ ترتيبِ موقعها الإقليمي والدولي.

غير أنَّ هذا الانخراط لا يخلو من المخاطر. فالانفتاحُ العسكري على دولٍ تشهدُ نزاعات داخلية، مثل السودان وليبيا، قد يجرّ باكستان إلى تعقيداتٍ سياسية وإقليمية لطالما سعت إلى تجنّبها. صحيح أنّ إسلام آباد تربطها علاقات وثيقة بكلٍّ من السعودية والإمارات، لكنَّ توازن هذه العلاقات قد يتأثّر إذا ما فُسِّرَ بَعضُ صفقات السلاح على أنّه انحيازٌ ضمني في صراعاتٍ معقّدة ومفتوحة. كما إنَّ إدخالَ تركيا في ترتيبات أمنية ثُلاثية مُحتَملة يظلُّ خطوةً حسّاسة، في ظلِّ تاريخٍ من التباينات بين أنقرة والرياض، رُغمَ الإشارات الأخيرة إلى تقارُبٍ نسبي وتَغَيُّرٍ في أولويات السياسات.

وتتداخل هذه الحسابات مع طموح باكستان للعب دورٍ ديبلوماسي أدقّ، يتمثّل في التوسّط بين الولايات المتحدة وإيران. فقد حقّقت هذه الجهود نتائج محدودة العام الماضي، لكنها حظيت بترحيبٍ أميركي، ما شجّع بعض المراقبين على الدعوة إلى إحيائها، خصوصًا في ظلّ المخاوف من تصعيد عسكري محتمل ضد طهران. غيرَ أنّ قدرة إسلام آباد على أداء هذا الدور تبقى محدودة، نظرًا لهشاشة علاقتها مع إيران، التي شهدت توتّرًا عسكريًا عابرًا في العام 2024، فضلًا عن حساسية طهران تجاه التقارُب الباكستاني المتزايد مع واشنطن والرياض.

تاريخيًا، سعت باكستان إلى الظهورِ كفاعلٍ مُحايد في الشرق الأوسط، حريص على حماية مصالحه الاقتصادية وجاليته الواسعة في الخليج، من دون الانغماس المباشر في صراعات الإقليم. أما اليوم، فإنّ توسيع حضورها الأمني يضعُ هذا التوازن الدقيق أمام اختبارٍ حقيقي. فبين طموح التحوّل إلى مُزَوِّدٍ أمني صاعد، والحاجة إلى تجنُّب مصادر جديدة لعدم الاستقرار، تبدو الخيارات محدودة.

في ظلِّ التحدّيات الأمنية الداخلية، والتوترات المستمرة مع الهند وأفغانستان، وتنامي خطر الجماعات المُتطرّفة داخل أراضيها، لا تملك باكستان هامشًا واسعًا للمغامرة الخارجية. ولذلك، فإنَّ نجاحَ استراتيجيتها الشرق أوسطية سيعتمدُ على قدرتها على إدارة المخاطر بقدر ما يعتمد على استثمارِ الفُرَص. فالشرقُ الأوسط قد يفتحُ أبوابًا لتعزيز النفوذ والشراكات، لكنه يبقى، في الوقت نفسه، ساحةَ اختبارٍ قاسية لمَن يُخطئ الحسابات أو يُبالِغُ في تقدير قدرته على ضبطِ التوازُنات.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى