من الصَبرِ الاستراتيجي إلى النزيف الاستراتيجي: هل تَصمُد إيران أمامَ الخَنقِ الذكي؟

بينَ استعراضِ القوّة والضغطِ الاقتصادي–السيبراني، تتحوَّلُ استراتيجيةُ واشنطن من الضربةِ السريعة إلى “الخنق الذكي” طويل النفس. ومع تصاعُدِ الأعباء الداخلية وتآكل الموارد، يُواجِهُ الصبرُ الاستراتيجي الإيراني اختبارًا قد يُحوّلهُ إلى نزيفٍ مفتوح.

المرشد الأعلى علي خامنئي: هل يستطيع نظامه مواجهة الخنق الذكي؟

ملاك جعفر عبّاس*

بَعدَ اكتمالِ حَشدِ “الآرمادا” الأميركية في مياه الخليج والمحيط الهادئ، ورَسَمَ دونالد ترامب خطًا أحمر عريضًا للنظام الإيراني تحت عنوان “قتل المحتجين”، انخرطت منصّات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) في تضخيم المشهد التصعيدي، عبر قراءة التحرّكات العسكرية الأميركية، من إعادة تموضع القطع البحرية إلى نشر إشعارات الطيران “NOTAM”، بوصفها دلائل قاطعة على اقتراب ساعة الصفر. غير أنَّ هذا التأويل، وإن لم يَكُن خاطئًا في رصدِ الوقائع، قد يكونُ أخطأ في فَهمِ وظيفتها السياسية والعسكرية.

على الأرجح، لم تكن واشنطن في وارد الإيذان بضربةٍ تقليدية شاملة، بقدرِ ما كانت تُوظِّفُ الاستعراضَ العسكري وتستخدمه كأداةِ ضغط عسكرية-سياسية مُرَكبة، تهدف إلى التأثير في توازنات البيت الداخلي الإيراني وهندسته، أكثر من تحقيقِ حَسمٍ عسكري سريع. وفي هذا السياق، يتحوّلُ التهديدُ باستخدام القوة إلى وسيلةٍ لخلق مناخٍ مقلق و”بارانويا” سياسية وأمنية يُرادُ لها أن تُستثمَرَ داخليًا أكثر مما تُترجَم إلى حربٍ مفتوحة.

فالإدارة الأميركية تُدرِكُ أنَّ أيَّ ضربةٍ “سريعة ونظيفة” قد تُربك القدرات الإيرانية، لكنها لن تُحقّقَ الهدفَ الأبعد المُتمثّل في تغيير سلوك النظام أو إسقاطه. وفي المقابل، تُشكّلُ عقدة “الحروب الأبدية”، التي يمقتها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حاجزًا نفسيًا أمام الذهاب إلى أيِّ عمليةٍ عسكرية واسعة وغير مضمونة النتائج. وبين هذين الخيارين، تجد واشنطن نفسها أمامَ معادلة استعراض قوة لا يمكن تحويله بسهولة إلى نصرٍ سياسي واضح.

يُعلّمنا السيناريو الفنزويلي أنَّ هذا الاستعراض قد لا يتحوَّلُ الى آلةٍ ضاربة، بل إلى حصارٍ بحري. غير أنَّ هذا المسار ليس بلا كلفة، فالإبقاء على مجموعاتٍ قتالية بحرية أميركية كبرى في الخليج لفتراتٍ طويلة يستنزفُ الموارد ويرفعُ فاتورة التشغيل والصيانة ويطيل عمر الأزمة، كما إنه يحدُّ من القدرة على الانتشار في مسارح أكثر أولوية، فضلًا عن أنَّ أيَّ تضييقٍ طويل الأمد في منطقةٍ عالية المخاطر يمرُّ عبرها ربع تجارة النفط العالمية سينعكس مباشرة على كلفة الشحن والتأمين وأسعار الطاقة.

في المقابل، لا يبدو خيارُ الضربة العسكرية المفتوحة أقل خطورة. فتنفيذ عملية من دون خطة واضحة لاحتواءِ الرد الإيراني، أو ترتيب اليوم التالي، أو تحسين شروط التفاوض، يعني القفز إلى المجهول. ولهذا السبب، لعبت دولٌ إقليمية مثل السعودية وتركيا وسلطنة عُمان دورًا مباشرًا في تأجيل الضربة، إدراكًا منها أنَّ أيَّ اختلالٍ غير محسوب في ميزان القوى قد ينعكس مباشرة على أمنها الداخلي، سواء عبر تدفُّق اللاجئين، أو توسُّع رقعة الرد الإقليمي، أو تفجّر مسارح توتر جديدة لا ترغب بها.

كرة النار الإقليمية ودور دول الطوق

في هذا السياق، لا يُمكِنُ فصل سلوك إيران عن إدراكها العميق لتباين حسابات خصومها وحلفائهم. فطهران تعي أنَّ واشنطن وتل أبيب تفكران بمنطق الحسم وكسر النظام، في حين تُفكّرُ دول الطوق، السعودية وتركيا وسلطنة عُمان وباكستان، بمنطق احتواء الانفجار ومنع تفكُّك دولة مركزية في قلب الإقليم. هذا التبايُن البُنيوي يُشكّل إحدى ركائز الرهان الإيراني على الصبر الاستراتيجي كمفهومٍ يتجاوز القدرة على تحمُّل الضغط ليتحوَّل الى أداةٍ لتوسيع الهوّة داخل معسكر الخصوم.

ومن خلال التهويل المحسوب بالرد الإقليمي، وترك سيناريوهات التفكُّك والفوضى مفتوحة على المخيَّلة السياسية لدول الجوار، تنجح إيران في تحويل نفسها من طرفٍ مُهدِّد إلى عاملٍ قلق وجودي إقليمي. وهكذا، تُلقى كرة النار في ملعب هذه الدول، التي قد تجد نفسها مُضطرَّةً للعب دورِ مَكابِح الحرب، لا دفاعًا عن النظام الإيراني بقدر ما هو دفاعٌ عن استقرارها الداخلي، وعن تجنّبِ كلفةِ انهيارٍ غير مضبوط قد يرتدُّ عليها أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا. بهذا المعنى، لا تخوضُ دول الطوق معركة النظام بالنيابة عنه عن قناعة، بل تحت وطأة الخوف من المجهول الذي قد يخلّفه سقوطه.

أعمدة الردع والصبر الاستراتيجي

قامت العقيدة الأمنية الإيرانية تاريخيًا على ثلاثة أعمدة مُتداخلة: البرنامجُ النووي بوصفه قدرةً تقنية تفاوضية، برنامج الصواريخ الباليستية كرمزٍ سيادي وأداة ردع، والردع المُتقدِّم عبر الأذرع الإقليمية بعيدًا من الجغرافيا الإيرانية. وقد اكتسبت هذه الأعمدة طابعًا هوياتيًا، بحيث يصعب فصل العسكري عن السياسي والعقائدي. وهي تعملُ مُجتمعة في خدمة ما يُعرفُ بمبدَإِ الصبرِ الاستراتيجي، أي سياسة النفس الطويل والمراهنة على القدرة على امتصاصِ الصدمات بانتظار تبدّل الدورات السياسية لدى الخصوم. ويُغذَّى هذا الصبر بخطابٍ رمزي–تعبوي يمنح الانتظار بُعدًا قدريًا، من دون أن يلغي الحسابات البراغماتية اليومية للنظام.

غير أنَّ هذا الصبر يواجه اليوم ضغطًا من نوعٍ مختلف. فإلى جانب الطوق الخارجي، يتصاعد السخط الداخلي بفعل تدهور الأوضاع المعيشية، مع تضخُّمٍ مرتفع، وانهيار العملة الوطنية، وتآكل الطبقات الوسطى. ورُغمَ نجاح السلطات مرحليًا في احتواء الاحتجاجات بكلفةٍ بشرية باهظة، فإنَّ هذا الاحتواء يبقى هشًّا في ظلِّ استمرار الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي.

ومع تشديد الحصار البحري الانتقائي، تراجعت صادرات “أسطول الظل” بشكلٍ ملحوظ، سواء عبر عمليات تفتيش واحتجاز في شرق آسيا، أو عبر تعقيد إجراءات التأمين على ناقلاتٍ يُشتبه بارتباطها بالنفط الإيراني. وقد انعكسَ ذلك بخسائر شهرية كبيرة في العائدات، ما أدّى إلى تقليص تمويل أدوات الردع المُتقدّم، حول الصبر الاستراتيجي تدريجًا من أداةِ امتصاص إلى نزيفٍ استراتيجي قد يهدد الأعمدة الثلاثة معًا.

المواجهة: ضربةٌ جراحية أم خنقٌ ذكي؟

تقولُ إحدى قواعد التفاوض الأساسية: لا تضع سلاحك على الطاولة إن لم تَكُن مستعدًّا لاستخدامه. يُدرِكُ ترامب أنَّ سحبَ أدوات الضغط من دون تحقيق مكسبٍ سياسي أو تنازُلاتٍ ملموسة سيُفسَّر بوصفه تراجُعًا، لكنه يُدرِكُ أيضًا أنَّ الذهابَ إلى حربٍ مفتوحة يُناقِضُ حساباته الانتخابية ويُهدّدُ بتفجير الإقليم.

في هذا السياق، تتنافس مقاربتان. الأولى تقومُ على ضربةٍ جراحية تستهدفُ منشآت نووية وصاروخية ومراكز قيادة، أملًا في إحداثِ صدمةٍ تُعيدُ خلط الأوراق. غير أنَّ مخاطرَ هذا الخيار تكمُنُ في دفع إيران نحو تصعيدٍ إقليمي واسع، أو تسريع عسكرتها الداخلية، من دون ضمان إحياء الحراك الشعبي أو إنتاج بديل سياسي منظَّم.

في المقابل، يبرز خيار “الخنق الذكي” (Smart Strangling) بوصفه المسار الأكثر ترجيحًا. يقومُ هذا النهج على إبقاء التهديد العسكري قائمًا، بالتوازي مع عملياتٍ سيبرانية وإجراءاتٍ أمنية واقتصادية دقيقة ومتلاحقة، تستهدفُ تعطيل منظومات القيادة والسيطرة، وتُحدِثُ شللًا وظيفيًا وإرباكًا إدراكيًا داخل الدولة العميقة. الهدفُ هنا ليس التدمير الواسع، بل تقويض القدرة على التنسيق واتخاذ القرار، وترك النظام يُواجِه تآكله الداخلي ببطء. ويمتازُ هذا الخيار بمرونته العالية، فهو قابل للتصعيد كما للتراجع، ويمنح الوسطاء الإقليميين والدوليين هامشًا زمنيًا لإعادة ترتيب المشهد، مع تقليصِ قدرة الحرس الثوري على الإمساك الكامل بمفاصل القرار، ومنع تحوّل مرحلة ما بعد القيادة الحالية إلى انتقالٍ عسكري صرف.

يُدركُ العقلُ الاستراتيجي الأميركي الذي اختبر للتو سيناريو فنزويلا بنجاح، ودرس تجربة حرب الاثني عشر يومًا بعمق، واستفاد من حربَي العراق وأفغانستان، أنَّ إيران تستطيع تحمُّل التهديد العسكري، لكن قدرتها على الصمود تتضاءل أمام حصارٍ يتسلّل إلى مفاصل الاقتصاد والقرار معًا.

في المقابل يبدو أنَّ الرهان الإيراني على خوف الإقليم من سيناريو التفكُّك نجح حتى الآن في دفع دول الطوق إلى لعب دور مَكابِح الحرب، لكنه رهانٌ محكوم بعامل الوقت. فكلّما طالت عملية الخنق الذكي، تراجعت فاعلية التهويل، وبدأ الخوف من الانهيار يتلاشى مقابل الخوف من استمرار الاستنزاف، ما قد يدفع هذه الدول نفسها إلى البحث عن تغييرٍ مضبوط بدلًا من الاكتفاء بإدارة الجمود.

يبدو أنَّ ترامب الآتي من عالم التطوير العقاري يُحاولُ إدارةَ انكسارٍ مُنَظَّم للبناء الإيراني من دون أن يصدع المباني المجاورة، يُحَوِّلُ الانتظارَ الى نزيف و”البارانويا” الى تصفياتٍ داخلية، فيما تبقى الضربة القاضية جاثمة فوق رؤوس الجميع بانتظار قرار سيد البيت الأبيض. هذه المعركة لا تُحسَمُ بالضربة القاضية، بل بالخنق الذكي، الذي يُحَوِّلُ الزمن نفسه الى أداةِ ضغطٍ وخصمٍ لا يمكن تحييده. فقد نجحت إيران في جعل الجميع يخشى سقوطها، لكنها لا تستطيع ضمان أن يبقى الجميع مُستعدًّا لدفع ثمن بقائها إلى أجلٍ غير معلوم.

  • ملاك جعفر عباس هي كاتبة سياسية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية عدة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. وقد تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى