الخليج على حافةِ الانقِسام: كيف يُهدِّدُ الصراعُ السعودي-الإماراتي استقرارَ المنطقة؟

لم يَعُد التوتّر بين السعودية والإمارات مجرّدَ تبايُن في الرؤى داخل تحالفٍ مُتماسِك، بل تحوَّلَ إلى تنافُسٍ استراتيجي مفتوح على النفوذ والاقتصاد والزعامة الإقليمية. ومع تداخل المصالح وتضارب الأولويات، يبرزُ هذا الصراع الصامت كأحد أخطر التحدّيات التي قد تُهدّدُ استقرارَ الخليج وتُعيدُ رَسمَ توازنات الشرق الأوسط في العقد المقبل.

الرئيس دونالد ترامب: هل يتدخّل لمصالحة الزعيمين الخليجيين وتقريب وجهات النظر بينهما؟

 جوناثان بانيكوف*

لم يَعُد الخلافُ بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة مسألةً تُدارُ خلفَ الأبوابِ المُغلَقة، بل باتَ ظاهرًا للعيان. فبعد سنواتٍ من التبايُنات المكتومة، تصاعدت حدّة التوتُّر بين القوتين الخليجيتين خلال العام الماضي على خلفية تبايُن مواقفهما في اليمن. غير أنَّ ما كان يُدارُ بهدوء انفجرَ إلى العلن في كانون الثاني (يناير)، حين وجّهت وسائل إعلام سعودية اتهامات مباشرة للإمارات بـ”الاستثمار في الفوضى” في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، وبالعمل كذراعٍ لإسرائيل في المنطقة. في المقابل، التزمت أبوظبي الصمت الإعلامي ولم تنجرّ إلى سجالٍ مُماثل، إلّا أنَّ الخلافَ المُستَجِد لا يبدو سوى جُزءٍ صغيرٍ من توتُّرٍ أعمق وأكثر تعقيدًا.

في جوهر هذا التباعد، تخوض الرياض وأبوظبي منافسة استراتيجية شاملة، تمتدُّ من الاقتصاد إلى السياسة والأمن. فالعلاقة التي اتسمت في السابق بالتنسيق والتنافُس الودّي، تحوّلت تدريجًا إلى سباقٍ حقيقي على النفوذ والمكانة. ويعودُ أصلُ هذا التحوُّل إلى “رؤية 2030″، المشروع السعودي الطموح لإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع. إذ إنَّ تحقيقَ أهداف هذه الرؤية، التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يقتضي بالضرورة تقليص الهيمنة الإماراتية الراسخة في مجالات المال والسياحة والتجارة. ورُغمَ أنَّ الطرفين يتجنّبان الإقرار العلني بوجود هذا التوتُّر، إلّا أنه حاضرٌ بقوة في حساباتهما، تمامًا كما كانت الإمارات قبل عقود حين أزاحت البحرين عن موقعها بوصفها المركز التجاري الأبرز في الخليج.

ومع ذلك، من غير المرجح أن ينزلق هذا الخلاف إلى مواجهة عسكرية مباشرة، أو حتى إلى إجراءات تصعيدية تقليدية مثل الحصار. غير أنَّ ذلك لا يُقلّلُ من خطورته، إذ تتجلّى ملامحه في صراعٍ اقتصادي مُحتَدِم داخل المنطقة، وفي تنافُسٍ غير مباشر عبر ساحات صراع خارجية. ومن المرجح أن يتركَ هذا التباين بَصمَتَهُ على مستقبل الشرق الأوسط خلال العقد المقبل، سواء في طبيعة علاقات البلدين الأمنية مع القوى الغربية، أو في قدرتهما على جذب استثمارات القطاع الخاص، أو في خياراتهما المُتباينة للانخراط في الصراعات الإقليمية القائمة والمتصاعدة.

تَنافُسٌ مُحتَدِم

في العام 2015، ومع صعود الأمير محمد بن سلمان إلى موقع نائب ولي العهد (ولي ولي العهد) وبداية بسط نفوذه داخل مؤسسات الحكم السعودي، بدت الرياض وأبوظبي في ذروة تقاربهما السياسي. فقد تقاسمت العاصمتان رؤى متقاربة إزاء أبرز أزمات الشرق الأوسط، كما اتسمت العلاقة الشخصية بين بن سلمان والرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آنذاك بدرجةٍ عالية من الودِّ والتفاهُم. وقد تُرجِمَ هذا التقارب عمليًا في دعم الإمارات للحملة العسكرية التي قادتها السعودية ضد جماعة الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن، فضلًا عن اصطفاف البلدين خلف سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه طهران. وفي العام 2017، بلغ هذا التناغم ذروته حين فرضت الدولتان، إلى جانب حلفائهما، حصارًا على قطر بهدف دفع الدوحة إلى الابتعاد عن إيران، وإغلاق قناة “الجزيرة”، ووقف دعمها لجماعة “الإخوان المسلمين”، التي تمثل بالنسبة إلى عدد من حكومات الخليج نموذجًا للإسلام السياسي يُنظر إليه بوصفه تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي (في الشهر الماضي، صنّفت الولايات المتحدة الجماعة كمنظمةٍ إرهابية).

غير أنَّ هذه الأجندة المشتركة لم تلبث أن بدأت بالتآكل خلال سنوات قليلة. فقد تخلّت السعودية والإمارات لاحقًا عن حصار قطر، رُغمَ أنَّ العوامل التي قيل إنها كانت وراء فرضه —من علاقة الدوحة بطهران إلى موقفها من “الإخوان المسلمين— لم تشهد تغيُّرًا جوهريًا. وفي الوقت ذاته، أخفقت حملة “الضغط الأقصى” الأميركية في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في دفع إيران إلى تعديل سلوكها الإقليمي، ما أضعف أحد أعمدة التنسيق السعودي-الإماراتي.

على وقع هذه الإخفاقات، ومنذ نحو العام 2021، بدأت الرياض تُعيدُ تموضعها الإقليمي، مُتَّخذةً مسافة متزايدة عن أبوظبي. شرعت السعودية في تحسين علاقاتها مع خصوم وأطراف كانت تُعَدُّ حتى وقت قريب جُزءًا من معسكرٍ مضاد، مثل إيران وقطر وتركيا. وبحلول العام 2023، تُوّج هذا التحول بموافقة الرياض على تقارب رسمي مع طهران، في خطوةٍ عكست تغييرًا عميقًا في أولويات السياسة الخارجية السعودية. بل إنَّ مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى ذهبوا إلى حد الإيحاء بأنَّ الإمارات لعبت دورًا محوريًا في دفع المملكة إلى فرض حصار قطر في المقام الأول.

ويعود هذا التحوُّل في المقاربة السعودية إلى مُراجعةٍ أوسع لأفضل السُبُل الكفيلة بخدمة أجندتها الداخلية. ففي مراحله الأولى، تبنّى الأمير محمد بن سلمان سياسة خارجية صدامية ركّزت على مواجهة الدول والجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي. إلّا أنَّ هذا النهج بدا، مع مرور الوقت، غير منسجم مع الهدف الاستراتيجي الأهم للمملكة: إنجاح “رؤية 2030”. فهذه الخطة الطموحة، التي تسعى إلى تقليص الاعتماد على النفط وتحويل السعودية إلى مركز عالمي للمال والأعمال والسياحة، تتطلب بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ، فضلًا عن تدفُّق مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية — وهي شروط يصعب تحقيقها في ظل سياسة خارجية قائمة على التصعيد والمواجهة المستمرة.

انطلاقًا من هذه الحسابات الجديدة، تسعى المملكة العربية السعودية إلى إعادة بناء جسور التواصل مع خصومها السابقين، لا نتيجة تحوّل جذري في نظرتها إليهم، بل انطلاقًا من قناعة متزايدة بأنَّ التفاهم معهم أقل كلفة من الصدام. فاندلاعُ الصراعات في الشرق الأوسط أو على امتداد البحر الأحمر لا يُهدّدُ فقط الأمن الإقليمي، بل يُعرّضُ الممرّات التجارية الحيوية للخطر ويثير مخاوف المستثمرين الأجانب الذين تُعَوِّلُ عليهم الرياض لإنجاح مشروعها التحوُّلي. في المقابل، لم تُجرِ الإمارات مُراجعة مُماثلة لأولوياتها، ولا تزال مُتمسِّكة بالثوابت التي حكمت سياستها الخارجية خلال العقد الماضي: الحفاظ على نفوذها الإقليمي والدولي، المدعوم بقوتها الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، والتصدّي لأيِّ تمدُّدٍ للإسلام السياسي في المنطقة.

وقد انعكسَ هذا التباين بوضوح على مواقف البلدين من عدد من الملفات الإقليمية الساخنة، من إسرائيل إلى السودان وسوريا واليمن. ففي معظم هذه القضايا، تميلُ السعودية إلى إعطاء الأولوية للاستقرار الإقليمي، ما لم يُشكِّلُ الوضع تهديدًا مباشرًا لأمنها، بينما تُركّزُ الإمارات، في المقابل، على منع التيارات الإسلامية من اكتساب نفوذ سياسي أو عسكري. ويتجلّى هذا الاختلاف بوضوح في السودان، الذي يشهد واحدة من أسوَإِ الأزمات الإنسانية في العالم؛ إذ دعمت الرياض القوات المسلحة السودانية، رغم الشبهات الإماراتية بشأن ارتباطها بجماعات إسلامية، في حين اتُّهِمت أبوظبي بإرسال أموال وأسلحة إلى قوات “الدعم السريع” المنافسة، وهي اتهامات دأبت الإمارات على نفيها.

وفي السياق نفسه، وافقت السعودية على ضخِّ استثماراتٍ بمليارات الدولارات في مشاريع إعادة إعمار سوريا، انطلاقًا من قناعتها بأن زعيمها الجديد، أحمد الشرع —رُغمَ ماضيه الجهادي— يُمثّلُ أفضل فرصة متاحة لإعادة قدرٍ من الاستقرار إلى البلاد. أما الإمارات، فاكتفت بمساهمات مالية محدودة، مدفوعةً بشكوك عميقة في قدرة الرئيس الجديد على ترسيخ سلطته، وبمدى استعداده الحقيقي للقطيعة مع خلفيته الإيديولوجية. وعلى صعيد العلاقة مع إسرائيل، واصلت الإمارات تعزيز تعاونها التجاري والأمني معها بهدوء، فيما لا تزال السعودية ترفض المضي في مسار التطبيع من دون خطوات ملموسة تفتح الطريق أمام قيام دولة فلسطينية.

وقد بلغت هذه التناقضات الإقليمية ذروتها في أواخر العام 2025 على الساحة اليمنية. فبعد سنوات من التنسيق الوثيق في مواجهة الحوثيين، تحوّل التنافس السعودي-الإماراتي إلى صدامٍ غير مباشر بين الفصائل المحلية المدعومة من الطرفين. ففي كانون الأول (ديسمبر)، سيطرت جماعة انفصالية يمنية مدعومة من أبوظبي على مناطق كانت خاضعة لقوى موالية للرياض. وردّت السعودية بقصف شحنة أسلحة إماراتية، في تصعيد غير مسبوق دفع أبوظبي إلى سحب قواتها من اليمن بالكامل، معلنًا نهاية مرحلة من الشراكة العسكرية، وبداية فصل جديد من التنافس المفتوح بين الحليفين السابقين.

رؤية نفَقِية (2030)

لذلك، تحرُص كلٌّ من السعودية والإمارات على التقليل من شأن خلافاتهما في العلن، في محاولةٍ لطمأنة المستثمرين الأجانب بأنَّ الخليج لا يزال بيئةً آمنة ومستقرّة لرؤوس الأموال. غير أنَّ هذا الحرص الخطابي لا يخفي حقيقة أنَّ التوتّر بين البلدين مُرشَّح للتفاقم، مع اتساع رقعة التنافس بينهما على الاستثمار في القطاعات نفسها. فحجمُ رأس المال الأجنبي الذي تحتاجه السعودية لإنجاح “رؤية 2030” هائل، ومن المرجّح أن يتحقّقَ جُزءٌ كبير من هذا النجاح على حساب المكانة التي رسّختها الإمارات في مجالات التمويل والتكنولوجيا والسياحة والخدمات اللوجستية. وفي ظلِّ محدودية قدرة الأسواق الإقليمية والعالمية على استيعاب مركزَين اقتصاديين مُتنافسين بالحجم والطموح نفسيهما، يبدو أنَّ صعودَ أحدهما سيكون بالضرورة على حسابِ الآخر.

ويستحضر القادة الإماراتيون هذا الواقع من خلال درسٍ تاريخي قريب في الذاكرة الخليجية: تجربة البحرين. ففي العام 1932، كانت البحرين أول دولة في المنطقة تكتشف النفط، لكنها سرعان ما أدركت محدودية احتياطياتها، فاتجهت مُبكرًا إلى تنويع اقتصادها. وبحلول سبعينيات القرن الماضي، تحوّلت إلى مركزٍ إقليمي بارز في مجالات التمويل والسياحة والخدمات اللوجستية وصهر الألومنيوم. غير أنَّ هذا التفوُّق لم يَدُم طويلًا. ففي أوائل التسعينيات، شرعت دبي، ثم أبوظبي لاحقًا، في إنشاء مراكز مالية أكثر تحرُّرًا من القيود التنظيمية، مدعومةً برؤوس أموال أضخم. ومع دخول الألفية الجديدة، كرّست مشاريع عملاقة —مثل “نخلة جميرا” وبرج خليفة— مكانة الإمارات كوجهة عالمية للمغتربين ورأس المال الدولي. ثم جاء العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ليشهد انتقال الدولة من توظيف قوتها الاقتصادية داخليًا إلى تحويلها إلى نفوذ عالمي واسع.

وتُظهِرُ الأرقام حجم هذا التحوُّل. ففي العام 1971، عام تأسيس دولة الإمارات، بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 940 مليون دولار، مُقارنةً بـ422 مليون دولار للبحرين. وبحلول العام 1990، قفز الناتج المحلي الإجمالي للإمارات إلى 308 مليارات دولار، بينما لم يتجاوز نظيره البحريني 27 مليار دولار، في دلالة واضحة على انتقال مركز الثقل الاقتصادي في الخليج.

اليوم، تسعى المملكة العربية السعودية إلى محاكاة هذه الاستراتيجية، ولكن بوتيرةٍ أسرع بكثير. فبينما احتاجت الإمارات إلى عقودٍ لترسيخ تفوُّقها في الصناعات والخدمات الرئيسة، تطمح الرياض إلى تحقيق قفزة مماثلة خلال فترة زمنية أقصر، مستفيدةً من كلِّ ما تملكه من مزايا نسبية. فالسوق السعودية هي الأكبر في المنطقة، وتستخدم المملكة هذه الورقة للضغط على منافسيها. وقد لجأت الرياض إلى فرض حواجز غير جمركية تهدف عمليًا إلى تقليص حضور الشركات الإماراتية داخل سوقها المحلية. من ذلك اشتراط حصول الشاحنات الأجنبية على تصاريح خاصة لنقل المحاصيل والماشية داخل الأراضي السعودية، وفرض رسوم جمركية أعلى منذ العام 2021 على السلع المنتَجة في المناطق الحرة، التي تسمح للأجانب بالتملُّك الكامل وتعفيهم من ضرائب الاستيراد والتصدير.

وتتضاعف وطأة هذه الإجراءات بالنظر إلى أنَّ الإمارات تُعَدُّ أكبر مصدّر في الخليج، وتضم أكثر من أربعين منطقة حرة. وفي العام 2024، أضافت السعودية أداة ضغط جديدة حين قرّرت قصر العقود الحكومية على الشركات التي تتخذ من المملكة مقرًا إقليميًا لها، ما دفع عددًا متزايدًا من الشركات متعددة الجنسيات إلى نقل مكاتبها من الإمارات إلى الأراضي السعودية.

إلى جانب ذلك، تمتلك السعودية قاعدة صناعية وتصنيعية أوسع بكثير من نظيرتها الإماراتية، وتضخُّ استثمارات ضخمة في قطاع التعدين، مستفيدة من احتياطيات كبيرة من الفوسفات والذهب والبوكسيت والعناصر الأرضية النادرة. كما إنَّ مساحتها الشاسعة —التي تفوق مساحة الإمارات بنحو 27 مرة— تمنحها عُمقًا جغرافيًا لا يتوافر لجارتها. وتستغلُّ الرياض حجمها ورأس مالها ومواردها من الطاقة لتطوير مجمّعات إنتاجية ضخمة، أسهمت في بناء أكبر صناعة ألبان في الشرق الأوسط.

وفوق كل ذلك، تتمتع السعودية بميزة لا يمكن للإمارات مجاراتها: السياحة الدينية والنفوذ الرمزي المرتبط برعايتها لأقدس موقعين في الإسلام، في مكة والمدينة المنورة. ومن هذا الموقع، ترى الرياض نفسها صاحبة الدور القيادي الأول في العالمَين العربي والإسلامي — قناعة تشكّل الخلفية الأعمق لصراع النفوذ المُتصاعد بينها وبين أبوظبي، والذي بات يتجاوز حدود الاقتصاد ليطال سؤال الزعامة الإقليمية ذاتها.

ومع ذلك، فإنَّ الحجمَ السكاني الكبير للمملكة العربية السعودية يُمثّلُ سلاحًا ذا حدّين. فمن جهة، يُوفّرُ قاعدةً استهلاكية واسعة تُتيحُ إمكاناتٍ نموٍّ ضخمة في السوق المحلية. ومن جهة أخرى، يفرضُ أعباءً اقتصادية واجتماعية أكبر على الدولة. إذ يبلغُ عدد سكان السعودية نحو 35 مليون نسمة، يُشكّلُ السعوديون منهم قرابة 20 مليونًا، في حين لا يتجاوز عدد سكان الإمارات 11 مليون نسمة، مع غالبية ساحقة من المُقيمين الأجانب، مقابل ما يزيد قليلًا على مليون مواطن إماراتي. هذا الفارق الديموغرافي يمنح الإمارات مرونةً أعلى وقدرةً أسرع على التكيُّف، لا سيما في القطاعات سريعة التطوُّر مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، حيث تلعب السرعة وخفّة الحركة دورًا حاسمًا.

لطالما شكّلت دولة الإمارات بيئةً جاذبة للاستثمار الأجنبي واستقطاب الكفاءات العالمية. فقد رسّخت موقعها في مجالات الخدمات المالية والطيران والرعاية الصحية والسياحة، إلى جانب تبنّيها منظومة اجتماعية أكثر انفتاحًا مقارنة بجارتها، بما في ذلك تخفيف القيود على أنماط المعيشة. كما تمتلك الدولة قدرات لوجستية وتجارية يصعب منافستها إقليميًا؛ ففي العام 2023، تعاملت الإمارات مع ما يقرب من ضعف عدد حاويات الشحن التي استقبلتها السعودية، وجذبت ضعف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر. ومع اقتصاد أكثر تنوُّعًا، لا تتجاوز مساهمة النفط 25 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، ما يجعلها أقل عرضةً لتقلّبات أسواق الطاقة مُقارنةً بالسعودية، حيث لا يزال النفط يشكّل نحو نصف الناتج المحلي.

وتكمُنُ المُعضلة بالنسبة إلى الرياض في أنَّ الإمارات، رُغمَ نجاحها في تنويع اقتصادها، لا تُظهِرُ أيَّ استعدادٍ للتراجُع أو ترك مساحةٍ لمُنافسيها. فبينما تدعو “رؤية 2030” السعودية إلى الهيمنة على قطاعاتٍ بعينها بحلول نهاية العقد، تُواصلُ أبوظبي ضخَّ مليارات الدولارات للمنافسة في المجالات نفسها، من الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة المتجددة وسلاسل الإمداد العالمية. وهكذا، يتحوّلُ التنافس من سباقٍ غير مباشر إلى مواجهةٍ اقتصادية مفتوحة على النفوذ والاستثمارات والمواهب.

هل من سبيل إلى تسوية ودّية؟

لا تزال أمام الرياض وأبوظبي فُرَصٌ لتخفيف حدّة التوتر عبر التعاون الانتقائي في مجالاتٍ مُحَدَّدة، مثل إنشاء مراكز تكنولوجية مشتركة أو الاستثمار في بنى تحتية رقمية متكاملة كمراكز البيانات. كما يمكن للطرفين، سواء عبر قنواتٍ ثُنائية مباشرة أو بوساطة دول خليجية أخرى مثل البحرين أو سلطنة عُمان، السعي إلى تنسيق مواقفهما في مناطق النزاع الإقليمي، والاتفاق على أهدافٍ مشتركة والعمل على تحقيقها. غير أنَّ نجاحَ مثل هذا المسار يظلُّ مرهونًا بقدرة العاصمتين على الفصل بين منطق المنافسة الاقتصادية وحسابات الاستقرار الإقليمي، في لحظةٍ يبدو فيها التنافس هو القاعدة لا الاستثناء.

ومع ذلك، تبدو مؤشّرات التصعيد أكثر حضورًا من فُرَصِ الاحتواء. وفي ظلِّ هذا الواقع، سيكون من الحكمة أن تتعاملَ الولايات المتحدة والدول الأوروبية بحذرٍ بالغ مع التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات، وأن تتجنَّبَ الانحياز العلني لأيٍّ من الطرفين. فالموقع الجغرافي لكلا البلدين يمنحهما تأثيرًا بالغ الأهمية في أسواق الطاقة العالمية وعلى ممرّات التجارة الحيوية، ما يجعلُ الحفاظ على علاقاتٍ متوازنة معهما ضرورة استراتيجية لا خيارًا سياسيًا. وأيُّ إشارةِ تفضيلٍ من واشنطن أو العواصم الأوروبية قد تُفقدها النفوذ والاستثمارات لدى الطرف الآخر، بل وقد تُفضي إلى نتائج أكثر خطورة على استقرار المنطقة. فإذا شعرت إحدى الدولتين بأنَّ مكانتها تتآكل أو أنَّ حلفاءها الغربيين باتوا أقل التزامًا بها، فقد تجد في التوجُّه شرقًا، نحو الصين، بديلًا جذابًا — وهو ما قد يمنح بكين امتيازات إضافية في مجالات الشحن والاستثمار، بل وحتى في حقوق الوصول العسكري.

لطالما تعهّد الرؤساء الأميركيون الأربعة السابقون بتقليص الانخراط في الشرق الأوسط، لكنَّ الواقع أظهر استمرار الحضور الأميركي، وإن بأشكالٍ مختلفة. وفي هذا السياق، يبدو الحفاظ على وجود أميركي قوي ومتوازن في المنطقة خيارًا عقلانيًا. ويتعيّن على الرئيس دونالد ترامب، بالتنسيق مع القادة الأوروبيين، إدارة علاقة دقيقة مع الرياض وأبوظبي، قائمة على مبدَإِ التوازن لا المُفاضلة. كما ينبغي أن يُدرِكَ أنَّ تضييقَ الفجوة بين الحليفين الخليجيين قد يتطلّب مقاربة أكثر شخصية، تتجاوز الحسابات البيروقراطية التقليدية. فبحسب بعض المراقبين، كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في بدايات صعوده على علاقة وثيقة جدَا بالشيخ محمد بن زايد آل نهيان. ورُغمَ أنَّ هذا التوصيف قد يكون مبالغًا فيه، إلّا أنَّ المؤكد أنَّ العلاقة بين الرجلين كانت في مرحلة ما إيجابية. أما اليوم، فقد بات كلٌّ منهما ينظر إلى الآخر باعتباره لا يمنحه القدر الكافي من الاحترام، فيما تُغذّي مشاعر الغيرة المُتبادَلة تنافُسًا يتجاوز الاقتصاد والسياسة إلى اعتبارات المكانة والزعامة. ومن شأنِ أيِّ تقارب شخصي بين هذين القائدين، إن تَحقّق، أن يُشكّلَ عنصرًا حاسمًا في تهدئة التوترات وترسيخ قدر أكبر من الاستقرار في المنطقة بأسرها.

  • جوناثان بانيكوف هو مدير مبادرة سكَوكروفت لأمن الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي. شغل منصب نائب مسؤول الاستخبارات الوطنية لشؤون الشرق الأدنى في مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية من العام 2015 إلى العام 2020.
  • يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورين أفّيرز” الأميركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى