سباقُ السكّان والنفوذ: كيفَ تُعيدُ الديموغرافيا رَسمَ مَوازين القوّة الدوليّة
كابي طبراني*
غالبًا ما يُختَزَلُ التنافُسُ بين الولايات المتحدة والصين في سباق الأساطيل العسكرية، أو في معارك التكنولوجيا المُتقدّمة وسلاسل التوريد. غير أنَّ هذا التركيز يُغفِلُ عاملًا أكثر عُمقًا وأبعد أثرًا في المدى الطويل: الديموغرافيا. فحَجمُ السكّان، وتركيبتهم العُمرية، ومستوى تعليمهم وصحّتهم، لم تَعُد مجرَّدَ مؤشِّراتٍ اجتماعية، بل أصبحت من الركائز الأساسية في تحديدِ مَوازين القوّة العالمية.
خلال الأسابيع الماضية، أكّدت البيانات الرسمية في بكين أنَّ معدلات الولادة في الصين تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ العام 1949. وفي المقابل، تُظهِرُ الإحصاءات الأميركية أنَّ نموَّ عدد السكان في الولايات المتحدة بلغَ أحد أبطَإِ مستوياته تاريخيًا، بفعل تراجُع الهجرة وانخفاض الخصوبة. هذه التطوُّراتُ المُتزامِنة لا تَعكِسُ تحوُّلاتٍ داخلية فحسب، بل تُنذِرُ بإعادةِ رَسمِ المشهد الجيوبوليتيكي العالمي.
في الاقتصاد الحديث، لم تَعُد القوّة تُقاسُ بالموارد الطبيعية أو بالمساحة الجغرافية، بل بالقدرة على إنتاجِ المعرفة والابتكار. وتُشيرُ بيانات البنك الدولي إلى أنّ أكثر من ثُلثي النمو الاقتصادي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية ارتَبطَ بتراكُم رأس المال البشري. فكلُّ سنة إضافية في متوسِّطِ العمر المُتَوَقَّع ترفعُ دخلَ الفرد بنحو 4 في المئة، وكلُّ سنة إضافية من التعليم ترتبطُ بزيادةٍ تُقارب 10 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي للفرد.
استفادت الصين بقوّة من هذا المنطق خلال العقود الأربعة الماضية، إذ ترافَقَ الانفتاحُ الاقتصادي مع توسُّعٍ كبير في الفئة العمرية المُنتِجة، ما أتاح لبكين تحقيقَ نموٍّ صناعي وتجاري غير مسبوق. غير أنّ هذا “العائد الديموغرافي” بلغ حدوده القصوى. فقد انخفضَ معدّل الخصوبة إلى ما بين طفل و1.3 طفل لكلِّ امرأة، أي أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، يُتَوَقّعُ أن يبدأ عدد السكان بالتراجع خلال سنواتٍ قليلة، فيما سينخفض عدد السكان في سنِّ العمل بأكثر من 100 مليون شخص بحلول العام 2040، مقابل ارتفاعٍ حاد في عدد مَن تجاوزوا 65 عامًا.
تفرضُ هذه التحوُّلات أعباءً ثقيلة على الاقتصاد الصيني، من تباطؤ النمو وارتفاع كلفة الرعاية الاجتماعية، إلى تراجُعِ القدرة على الابتكار. كما إنَّ الصين، بخلاف الاقتصادات الغربية، لا تملكُ خيارَ الهجرة الواسعة لتعويض النقص الديموغرافي، ما يجعلُ هذه التحدّيات أكثر حدّة واستدامة.
ولا تبدو روسيا في موقعٍ أفضل، بل ربما في وَضعٍ أكثر هشاشة. فعدد سكانها آخذٌ في التراجع، ومتوسّط العمر المُتَوَقَّع لا يزال دون مستويات الدول المتقدمة، فيما تُعاني من نزف مستمر في الكفاءات البشرية وضعف في إنتاج المعرفة، خصوصًا مع غرقها في الحرب مع أوكرانيا. وعلى الرغم من قدرتها على لعب أدوار جيوسياسية تفوق وزنها الاقتصادي، فإنَّ هذا الأداء يظلّ محدود الاستدامة في ظلِّ قاعدةٍ سكانية مُنكَمِشة. وتكشفُ الحالةُ الروسية كيف يمكن لقوّةٍ عسكرية طموحة أن تصطدمَ سريعًا بسقوفِ الديموغرافيا، ما يجعل النفوذ الخارجي أكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار في المدى الطويل.
في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تتمتّعُ بوَضعٍ ديموغرافي أفضل نسبيًا، وإن لم يَعُد مُريحًا كما في السابق. فرُغمََ تراجُعِ الخصوبة إلى نحو 1.6 طفل لكلِّ امرأة، وتباطؤ الهجرة، تبقى الولايات المتحدة الدولة المُتقدِّمة الوحيدة التي يُتَوَقّعُ أن يستمرَّ فيها نمو السكان في سن العمل حتى أربعينيات هذا القرن، وفق مكتب الإحصاء الأميركي. كما إنها لا تزالُ تضمُّ أكبر كتلةٍ من حملة الشهادات الجامعية والدراسات العليا، وتستحوذُ على الحصّة الأكبر من براءات الاختراع والبحث العلمي المُتقدِّم.
غير أنَّ التحدّي الحقيقي لواشنطن لا يكمن في تفوُّقِ خصومها، بقدرِ ما يكمنُ في خطر التآكل الذاتي. فإذا استمرَّ ضعفُ الاستثمار في التعليم والصحة، وتراجعت الهجرة النوعية، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أقل قدرةً على تحمُّلِ أعباءِ القيادة الدولية، وأكثر ميلًا إلى الانكفاءِ والشعبوية، وهو ما ستكون له انعكاساتٌ مباشرة على النظام الاقتصادي العالمي.
في المقابل، تكشُفُ الديموغرافيا عن صعود قوى جديدة خارج الثنائية الأميركية–الصينية. فدولٌ مثل الهند وإندونيسيا والفلبين تمتلكُ مجتمعاتٍ شابة وقوى عاملة مُتنامية. وبحلول العام 2040، قد يتجاوز عدد السكان في سنِّ العمل في الهند نظيره في الصين بأكثر من 200 مليون شخص، ما يمنحها وزنًا استراتيجيًا متزايدًا في الاقتصاد والسياسة الدوليين.
في الخلاصة، قد لا تكون الديموغرافيا قدرًا محتومًا، لكنها تَرسُمُ حدودَ المُمكن. ففي سباق القوّة العالمي، لا تُحسَمُ المعارك فقط في البحار أو المختبرات، بل في المدارس والمستشفيات وسوق العمل. ومَن يُدرِكُ مبكرًا أنّ السكان هم الثروة الاستراتيجية الأهم، سيكونُ الأقدر على إعادةِ رَسمِ موازين القوّة الدولية في العقود المقبلة.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



