مجلس ترامب للسلام: إعادةُ إعمارِ غزّة أم إعادةُ رَسمِ موازين القوّة؟

كابي طبراني*

دخلت الديبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط مرحلةً غير مَسبوقة من حيثُ الطموحِ والشَخصَنة مع شروع إدارة الرئيس دونالد ترامب في تنفيذ المرحلة الثانية من خطّتها لما بَعد الحرب في غزة. فبعد تثبيت وقف إطلاق نارٍ هشّ أواخر العام 2025، انتقلت واشنطن إلى طرحِ هياكل إدارية وأمنية جديدة لإدارة القطاع وإعادة إعماره. غير أنَّ ما بدا في ظاهره مُبادرة لإنقاذ غزة من ركامها، أخذَ يتكشَّفُ تدريجًا بوصفه مشروعًا يُثيرُ أسئلةً عميقة حول توازُنِ السلطة، وحياد الوساطة الأميركية، وحدود الشرعية الدولية.

جوهرُ الخطة يقومُ على إنشاء هيئتَين: “المجلس التنفيذي لغزة” للإشراف على إعادة الإعمار عبر لجنة تكنوقراط محلية، و”مجلس السلام” الذي يتولّى –نظريًّا– وَضعَ الإطارِ العام والتمويل. لكنَّ الصدمةَ لم تكن في البُنية الإدارية لغزة وحدها، بل في الطموح الكامن خلف “مجلس السلام” ذاته، الذي صُمِّمَ بطريقةٍ تمنحُ ترامب سلطةً شبه مُطلقة، وتفتحُ البابَ أمام تحويل مُؤسّسةٍ يُفتَرَضُ أن تكونَ انتقالية ومحدودة الصلاحيات إلى كيانٍ عالميٍّ واسع النفوذ.

الميثاق التأسيسي للمجلس يرسمُ صورةً أقرب إلى “مجلس خاص” لرئيس دولة عظمى، لا إلى هيئةٍ مُتعدِّدة الأطراف. فالرئيس الأميركي هو رئيس المجلس بحُكمِ النص، ويتمتّعُ بحق النقض (الفيتو) على كلِّ القرارات، كما إنَّ تفسيرَ بنود الميثاق ذاته يعودُ إليه وحده. العضوية ليست مفتوحة وفق معايير واضحة، بل “محدودة بالدول التي يُوجِّهُ لها الرئيس الدعوة”، مع إمكانية الحصول على مقعدٍ دائم مقابل دفع أكثر من مليار دولار. الأخطر من ذلك أنَّ الميثاقَ لا يُلزِمُ بتخصيص هذه الأموال لإعادة إعمار غزة، ما يفتحُ الباب أمام استخدامها وفق تقديرات سياسية وشخصية فضفاضة.

هذه الصيغة أثارت حفيظة إسرائيل منذ اللحظة الأولى، خصوصًا عندما أعلنت واشنطن ضم شخصيات رفيعة من قطر وتركيا إلى المجلس التنفيذي لغزة، رُغمَ اعتراض تل أبيب على أيِّ دورٍ لهاتين الدولتين اللتين تعتبرهما قريبتين من “حماس”. الرد الإسرائيلي لم يقتصر على بياناتٍ رسمية مُقتَضَبة، بل تحوّلَ إلى أزمة سياسية داخلية، إذ اتهمت المعارضة حكومة بنيامين نتنياهو بـ”الفشل الديبلوماسي” وترك الساحة لواشنطن لتُعيد رسم ترتيبات ما بعد الحرب من دون تنسيقٍ فعلي مع إسرائيل.

لكنَّ الإشكالَ أعمقُ من خلافاتٍ إجرائية. فمشكلةُ “مجلس السلام” تكمُنُ في أنه يُقوّضُ جوهرَ فكرة الوساطة الدولية. فالديبلوماسية الناجحة في النزاعات الكبرى، كما تُظهِرُ التجارب التاريخية، تقومُ على توازُنٍ دقيق بين الضغط والحوافز، وبين النفوذ والحياد النسبي. في حالة كامب دايفيد عام 1978، نجح الرئيس الأميركي جيمي كارتر في رعايةِ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل لأنه لعبَ دورَ الوسيط لا “المالك” للعملية السياسية، وعزل القادة عن ضغوط الداخل، وفصل الملفات الثنائية عن القضية الفلسطينية الأشد تعقيدًا. وفي اتفاق وادي عربة عام 1994، حافظت واشنطن على النهج ذاته: مفاوضات مرحلية، حوافز اقتصادية وأمنية واضحة، وضمانات متبادلة تحفظ مصالح جميع الأطراف.

في المقابل، أخفقت محاولات لاحقة –أبرزها مسار أوسلو في التسعينيات– بسبب الغموض، وتأجيل قضايا الحل النهائي، وغياب آليات إلزامية لمُعاقبة المُعرقلين. الأخطر أنَّ الرأيَ العام في الجانبين لم يُهََيَّأ نفسيًّا ولا سياسيًّا لتقبذُل كلفة السلام، ما سمحَ لـ”المُخرّبين” بإجهاض المسار برمته. هذه الدروس تجعل من الصعب النظر إلى مبادرة ترامب بوصفها قفزةً نوعية، بل تبدو أقرب إلى إعادةِ إنتاجِ أخطاءِ الماضي بصيغةٍ أكثر شخصنة وتركيزًا للسلطة.

فغزّة اليوم لا تحتاجُ إلى مجلس عالمي فضفاض الصلاحيات بقدر ما تحتاج إلى حلولٍ عملية لثلاثة ملفات مترابطة: الأمن، والحكم، وإعادة الإعمار. أمنيًا، لا يمكن الحديث عن استقرار بدون نزعِ سلاح “حماس” أو على الأقل تحييده، وإقامة قوة دولية مُتعدّدة الجنسيات تتمتّعُ بثقة الطرفَين، مع جدولٍ زمنيٍّ واضحٍ لانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تحتلّها حاليًا. إداريًا، لا يمكن فرضُ حُكمٍ تكنوقراطي من الخارج من دون إشراكِ الفلسطينيين أنفسهم في صياغة مستقبلهم السياسي، وإعادة بناء سلطة فلسطينية قادرة على اكتساب الشرعية الشعبية. اقتصاديًا، تحتاج غزة إلى مليارات الدولارات على مدى سنوات، ضمن برنامجٍ شفّاف مُرتَبط بمؤشرات أداء وجدول زمني صارم، لا إلى صندوق تمويل خاضع لتقديرات رئيس دولة واحدة.

المُفارقة أنَّ إدارة ترامب تمتلك، نظريًا، فرصةً تاريخية لتوظيف نفوذها في اتجاهٍ أكثر توازُنًا. فكما نجحت واشنطن سابقًا في استخدام المساعدات الاقتصادية والضمانات الأمنية لتغيير حسابات الأطراف المتنازعة، يمكنها اليوم أن تربطَ إعادة إعمار غزة بمسارٍ سياسي واضح نحوَ تسويةٍ أوسع تشمل الدولة الفلسطينية، وبحوافز إقليمية كبرى مثل توسيع اتفاقات التطبيع مع المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى. غير أنَّ تحويل مجلس السلام إلى منصّةِ نفوذٍ شخصي يُهدّدُ بإفراغ هذه الفرصة من مضمونها.

الأكثر إثارةً للقلق أنَّ ميثاق المجلس لا يشترطُ أن يكونَ رئيسه رئيسًا للولايات المتحدة، بل يذكُرُ ترامب بالاسم، ما يفتح الباب أمام استمرار نفوذه حتى بعد مغادرته البيت الأبيض. هذا التفصيل وحده يكفي لإثارة الشكوك حول الطبيعة الحقيقية للمشروع: هل هو أداة انتقالية لإنقاذ غزة، أم محاولة لتكريس دور سياسي عالمي دائم لشخصٍ واحد؟

في النهاية، لا يُمكنُ فصلُ مستقبل غزة عن دروس التاريخ القريب. فالسلامُ المُستدام لا يُبنى على استعراض القوة ولا على هندسة مؤسّساتٍ مُصَمَّمة لتعظيم نفوذ الراعي الخارجي، بل على عمليةٍ تفاوضية مُملّة، بطيئة، ومُقَيَّدة بقواعد واضحة. غزة لا تحتاج إلى “عرش ديبلوماسي” جديد، بل إلى مسارٍ عقلاني يُوازِنُ بين الأمن والكرامة والتنمية، ويُعيدُ الاعتبارَ لفكرةِ أنَّ الوسيطَ الدولي يجب أن يكون جسرًا لا مركزَ ثقل.

إنَّ فشلَ هذا المسار لن يعني فقط استمرار مأساة الفلسطينيين، بل سيُقوِّضُ ما تبقّى من مصداقية الدور الأميركي في المنطقة. وإذا أرادت واشنطن أن تتجنّبَ هذا المصير، فعليها أن تتذكّرَ أنَّ أعظم إنجازاتها الديبلوماسية لم تتحقّق حين حاول رؤساؤها السيطرة على المشهد، بل حين قبلوا بالعمل في الظل، تاركين للأطراف المُتنازِعة فرصة امتلاك سلامهم بأنفسهم.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى