تصريف لبنان بـ”الفعل الماضي الناقص”؟!؟

هنري زغيب*

قبل 40 سنة (1986)، دُعيتُ إِلى بغداد للاشتراك في “مهرجان الـمِرْبَد” الشِعري. تابعتُ الجلساتِ جميعَها. لفَتَتْني فيها ومضاتٌ من الشعر، ولم تزعجْني مُطَوَّلاتٌ من النظْم، بقدْرِما راعني أَنْ راحَ شعراء في المهرجان يندُبون “لبنان الذي كان”، ويُطلقون عويلَ النُواح متفَجِّعين على “بيروت التي كانت”. وحين جاءَ دوري، رفعتُ نُسخة قصيدتي على المنبر وقلتُ: “قبل أَن أُلقي عليكم قصيدتي، أَتوجَّهُ إِلى شعراء تعاقبوا قبلي على هذا المنبر وتباكَوا على لبنان وبيروت، لأَلْفِتَ انتباهَهم إِلى أَنَّ لبنان لم يمُت. وأَكثر: لا يموت. وأَكثرَ أَكثر: لن يموت، ولن يكون أَندلُسًا أُخرى. وبيروتُ التي ناحوا عليها متَباكين، هي العروسُ الرائعة التي ما احترقَ منها سوى فستان العرس، ولم يحترقْ وجهُ العروس”.

قبل 6 سنوات، غداةَ انفجر المرفأ، تهاطلَت على الشاشات والمسارح أُغنيات ناحبة ناعبة تنعَى بيروت برخاوة غليظة وبُكائيَّات سخيفة، كأَنما بيروتُ انتهت في ذاك الانفجار، ولَو أَنَّ أَحبَّاء كثيرين لنا سقطوا في ذاك الانفجار ضحايا أَبرياء.

قبل أَيام، جاءَني مقطع فيديو سرَدَ فيه المذيع بُكائيَّةً جديدةً عن لبنان، متحدِّثًا عنه لا بصيغة الماضي وحسْب، بل بـ”الفعل الماضي الناقص” المحتاج اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوبًا، فإِذا الاسمُ يُرفَعُ رثاءً والخبرُ يُنصَبُ دعوةً إِلى الأَسى وتقديم العزاء… وبين ما جاء في ذاك المقطع: “كان يا ما كان… وطنٌ أَخضر، لوحةٌ من الأَلوان اسمُها لبنان.. كانت بيروت ستَّ الدنيا وزهرةَ الشرق… كانت جبيل، وكان شاطئُ صيدا وغروبُ صُوْر… وكانت جبالُ الشوف وأَوراقُ الأَرز، وكانت طرابلس وشلَّالات جزين، وكان وادي قاديشا وسهلُ البقاع، وكانت بعلبك وليالي تموز وفيروز ووديع الصافي، وكانت الطبيعةُ وكان الإِنسان… كان وطنًا أَخضر… خُذُوا كلَّ ما تريدون، وأَعيدوا لنا لبنان”.

هَيك؟ نعم هَيك. وهل لبنانُ “فُقِدَ” كي “يُستعاد”؟ ما يجري فيه راهنًا من مثالب، سبَبُهُ “بيت بوسياسة” وتنكيلُهم بوطن الجمال والحضارة والتاريخ. لذا لا أَفهمُ رثاءَ مُعِدِّ الفيديو، ولا مَن نعَى له بيروت وجبيل وصيدا وصور وطرابلس وجزين وسائرَ ما ذكَرَ من واحاتنا الْـما زالت مُضيئةً كعادتها بأَهلها وتراثها وجمالها وعظَمتها في التاريخ وفي الحاضر.

يريدُ أَن يُذَكِّرَ بواحاتنا الحضارية الجميلة؟ عال.. لِماذا يَذْكُرُها بصيغة الماضي الناقص وهي لا تزال كاملة البهاء والعطاء والسَناء والرُواء؟ فَلْيتابعْ نهضة بيروت الحالية فكْرًا وثقافةً وفنونًا. ومدنُنا الأُخرى التي ذَكَرَها، فلْيَطَّلِع على ما فيها من جمالٍ وحياةٍ وحيويةٍ ومسيرةٍ صوب تنصيع لبنان في العالَم. ولْيَتَوقَّفْ كل نَعيٍ غَبيٍّ وما فيه، ومَن وراءَه عن عمْدٍ أَو عن جهْل.

لبنانُ التاريخ والحضارة والأَعلام والطبيعة والجمال لا يُذْكَرُ بصيغة الماضي (كالأَندلس). إِنه وطنٌ دائمٌ سائرٌ في الزمان لا يتوقَّف عن مسار، على أَرضه وعلى مدى الـمَهَاجر اللبنانية في العالم. أَمَّا الآيلُ إِلى صيغة الماضي فالطقْم الذي في السلطة: اليوم في الحُكْم وغدًا اسمُهُ “الطقم السابق”. يذهب إِلى النسيان فَور نُزُوله عن مسرح الدولة، فيَغُور في الماضي الناقص بلا اسم مرفوع ولا خبر منصوب. ولنا بين معظم الذين في السُلطة اليوم، تَشْريعيِّها والتَنفيذيّ، نماذجُ سياسيين أَنانيين شخصانيين نفْعيين يَعملون لبقائهم في السلطة أَو لتوريث نسْلهم، فيتناسلُ فسادُهُم ويَصبُغون الدولة بحُكمهم جيلًا بعد جيل، كأَنما الدولةُ قبيلةٌ ورِثُوها ليوَرِّثُوها.

لذا أَنا من زمانٍ أَفصِلُني عن كلِّ ما يجري في زواريب السلطة ومزاريبها. يمُرُّ يومٌ وأُسبوعٌ وشهرٌ ولا أُتابع ما يجري على أَرض السُلطة ومَن يسوسُون الدولة. أَهتمُّ بفضاء لبنان الوطن وما فيه من إِبداعات ومبدعين وحضارة وتراث خالد. هذا هو الجديرُ بأَن أَنتمي إِليه، لأَنه الآتي من المستقبل الدائم، ولا أَهتمُّ بِـمُوَقَّتين في السُلْطة والحكْم يَعبُرُون في الحاضر كالزَبَد العابر. هؤُلاء الزائلون، كثيرٌ عليهم تصريفُ أَيامهم في السُلطة بـ”الفعل الماضي الناقص”. والأَصحُّ الأَدَقّ: بـ”الفعل الماضي للمجهول”.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني:com أو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى