حربٌ تتجاوزُ “حزب الله”: هل تسعى إسرائيل إلى إعادةِ تَشكيلِ لبنان؟
ما يجري في لبنان اليوم لا يبدو مجرّد جولة جديدة من المواجهة مع “حزب الله”، بل جُزءٌ من استراتيجية أوسع تسعى إسرائيل من خلالها إلى إعادة رسم التوازنات السياسية والعسكرية في البلاد. والسؤال لم يَعُد كيف ستُدار الحرب، بل أيُّ لبنان تريد إسرائيل أن يخرجَ منها.

يزيد صايغ*
تبدو إسرائيل وكأنّها تُعيدُ استخدام أجزاءٍ من الاستراتيجية العسكرية التي اعتمدتها ضد “حزب الله” عام 2024، لكنها تفعل ذلك اليوم في سياقٍ مختلف وبأهدافٍ مغايرة. فقد كان واضحًا، حتى قبل إطلاق “حزب الله” عددًا محدودًا من الصواريخ باتجاه حيفا في الساعات الأولى من الأول من آذار (مارس)، أنَّ القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل كانت تبحث عن مبرّرٍ لاستئناف العمليات العسكرية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار غير المتكافئ في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024. ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: ما الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه في لبنان هذه المرة، وبأيِّ أدوات؟
ما يمكن قوله بثقة هو أنَّ أهدافَ إسرائيل الحالية في لبنان تختلف جذريًا عن تلك التي حددتها خلال حرب العام 2024. ففي ذلك الوقت، بقيت تل أبيب مُقَيَّدة بمعادلة الردع الاستراتيجي الإيراني، ليس لأنَّ هذا الردع كان فعّالًا بحد ذاته، بل لأنَّ إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن كانت تعارض بشدة انزلاق المنطقة إلى مواجهةٍ شاملة بين إسرائيل وإيران. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد الإقليمي بصورةٍ ملحوظة. إذ تنخرط إدارة الرئيس دونالد ترامب بشكلٍ مباشر في حربٍ تهدف إلى تقويض القدرات الاستراتيجية الأساسية لإيران، ولا سيما برنامجها للصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة، فضلًا عن برنامجها النووي. وبينما يبدو أنَّ ترامب يفضّل رؤية نظامٍ إيراني أكثر امتثالًا بدلًا من تغييره بالكامل، فإنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدفع بقوة نحو هدفٍ أكثر جذرية يتمثّلُ في إسقاط النظام الإيراني نفسه.
تشيرُ مجمل ملامح الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد إيران إلى أنَّ أهدافها تتجاوز بكثير حدود إضعاف القدرات العسكرية التقليدية لطهران. فالتقارير التي تحدثت عن اتساع نطاق الاغتيالات الإسرائيلية لتشمل، إلى جانب المسؤولين العسكريين والأمنيين، شخصيات يسارية معروفة بمعارضتها للنظام، توحي بأنَّ تل أبيب لا تستهدف فقط بنية القوة الصلبة للجمهورية الإسلامية، بل تسعى أيضًا إلى تقويض أيِّ قوى سياسية قد تملأ الفراغ في حال اهتز النظام القائم. وبذلك تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية مُصَمَّمة لإحداثِ سلسلةٍ من التداعيات داخل إيران قد تبلغ ذروتها في إعادة تشكيل النظام السياسي برمته، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الدولة نفسها أو أدّى إلى انفجار صراعات داخلية واسعة، وهي سيناريوهات قد تُعَدُّ في الحسابات الإسرائيلية أضرارًا جانبية مقبولة، إن لم تكن جُزءًا من النتيجة المرجوة.
وفي ضوء هذا السياق، لا يبدو منطقيًا افتراض أنَّ أهدافَ إسرائيل في لبنان ستكون أقل طموحًا. فالأجندة الإسرائيلية تتجاوز مسألة نزع سلاح “حزب الله” بالمعنى الضيّق. صحيح أنَّ بعض التحليلات تفترض أنَّ تل أبيب قد تسعى في نهاية المطاف إلى فرض معاهدة سلام رسمية مع لبنان، لكن من غير الواضح أنَّ هذا هو الهدف الأقصى.
فبدل الاكتفاء بدفع “حزب الله” إلى الانكفاء نحو العمل السياسي —كما أعلنت الحكومة اللبنانية عندما قررت حظر أنشطته العسكرية في الثاني من آذار (مارس)— يبدو أنَّ السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثّل في محاولة فرض حظر كامل على الحزب وإنهاء وجوده التنظيمي والعسكري. ورُغمَ أنَّ المقارنات التاريخية يجب استخدامها بحذر، إلّا أنَّ ما يتبادر إلى الذهن هو نهاية الحرب العالمية الثانية مع اليابان. فعندما أُلقيت القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، لم تكن اليابان قد انهارت عسكريًا بالكامل؛ بل إنَّ بعض القيادات العسكرية كان يعتقد أنَّ الجيش لا يزال قادرًا على انتزاع “سلام مشرّف”، حتى إنَّ محاولة انقلاب محدودة وقعت داخل المؤسسة العسكرية لتحقيق ذلك. في المقابل، كان الهدف الأميركي واضحًا: فرض استسلام غير مشروط. ويبدو أنَّ إسرائيل قد تسعى إلى فرض نتيجةٍ مشابهة على “حزب الله”.
ومن هذا المنطلق، لا تكتفي إسرائيل بالسعي إلى دفع الحكومة اللبنانية لتجاوز مستوى التصريحات السياسية إلى التنفيذ العملي لحظر سلاح “حزب الله”. غير أنَّ قدرة الدولة اللبنانية على تحقيق ذلك تبقى موضع شك، خصوصًا في ظل المخاوف من تداعيات إصدار أوامر للجيش اللبناني بنزع سلاح الحزب بالقوة، وما قد يحمله ذلك من مخاطر على تماسك المؤسسة العسكرية نفسها. ومع ذلك، فإنَّ التحوّلات العميقة التي طرأت على البيئة الاستراتيجية الإقليمية، إلى جانب التغيّرات في ميزان القوى السياسي داخل لبنان، قد تمنح إسرائيل ما تعتبره فرصة نادرة لمحاولة فرض هذا الهدف بالكامل.
مع ذلك، لا تستطيع إسرائيل وحدها ضمان نزع سلاح “حزب الله” بالكامل أو إقصاءه سياسيًا. فالتجارب التاريخية في لبنان تشير إلى حدود القوة العسكرية الخارجية عندما لا تترافق مع ديناميات داخلية موازية. ويكفي التذكير بالمحاولة العقيمة التي بذلتها الحركة الوطنية اللبنانية، وهي ائتلاف من الأحزاب اليسارية والقومية المدعومة من منظمة التحرير الفلسطينية، لعزل حزب “الكتائب” خلال المرحلة الأولى من الحرب الأهلية بين العامين 1975 و1976. وبالمثل، مهما بلغت كثافة القوة النارية الإسرائيلية، فإنَّ تحقيقَ هدفٍ كهذا سيبقى صعبًا من دون احتلال مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية خارج الجنوب، وهو سيناريو من شأنه أن يرفع المخاطر والتكاليف طويلة الأمد على إسرائيل. لذلك تبدو الحاجة إلى جهد لبناني مكمّل عنصرًا أساسيًا في هذه الاستراتيجية، وهو ما يفسّر الضغوط المتزايدة لدفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ موقف حاسم، جُزئيًا عبر محاولة تفكيك “البيئة الحاضنة” التي يعمل ضمنها “حزب الله”.
في هذا الإطار، يمكن فهم أوامر الإخلاء الواسعة التي طالت مناطق كبيرة من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب التهديد بإنشاء منطقة عازلة عميقة على طول الحدود، وكذلك القصف المكثف الذي بدأ يستهدف معقل الحزب في الضاحية. صحيح أنَّ عناصر هذه المقاربة ليست جديدة في السلوك العسكري الإسرائيلي. ففي أواخر الستينيات، تبنّت إسرائيل ما عُرف بسياسة “الدفاع النشط”، التي استهدفت السكان المدنيين في جنوب لبنان بهدف دفع موجات كبيرة من النزوح نحو بيروت، وبالتالي الضغط على الحكومة اللبنانية لإلغاء اتفاق القاهرة لعام 1969 الذي شرّع الوجود المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وإنهاء الملاذ الذي كان يتشكّل للمقاتلين الفلسطينيين في الجنوب. كما رافقت عمليات الإخلاء الجماعي حرب عام 2024 ضد “حزب الله”، غير أنَّ الهدف العسكري آنذاك كان أكثر إلحاحًا ووضوحًا: تصفية قيادة الحزب، وتدمير كوادره الأساسية، وضرب مخزوناته العسكرية وبنيته التحتية.
أما اليوم، فإنَّ استخدام التكتيكات نفسها في ظل اختلال أكبر في ميزان القوة يشير إلى أهداف مختلفة أوسع نطاقًا. وهذا لا يعني أنَّ إسرائيل تخلّت عن أهدافها العسكرية المباشرة أو أنها لن تسعى إلى تحقيق مكاسب تكتيكية في كلِّ مرحلة، كما لا يُستبعَدُ أن تتطوّرَ أهدافها مع تقدُّم العمليات. فقد يتحوّل أيُّ توغل بري إلى وجود عسكري طويل الأمد، ليس بالضرورة تمهيدًا لضم الأراضي كما يعتقد بعض المراقبين، بل ربما كورقةِ ضغطٍ لانتزاع مكاسب سياسية إضافية، مثل فرض معاهدة سلام أو الدفع نحو تطبيع العلاقات مع لبنان. ومع ذلك، يبدو أن تصعيد الضغط العسكري يخدم بالدرجة الأولى هدفًا سياسيًا: عزل “حزب الله” سياسيًا، والأهم من ذلك إضعافه اجتماعيًا، تمهيدًا لاقتلاعه من البيئة الشيعية التي يستند إليها، بل وحتى من قاعدته الشعبية الأساسية.
- يزيد صايغ هو زميل بارز في مركز مالكولم إتش كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يرأس برنامج العلاقات المدنية العسكرية في الدول العربية. ويركز عمله على الأدوار السياسية والاقتصادية المقارنة للقوات المسلحة العربية، وتأثير الحرب على الدول والمجتمعات، وسياسات إعادة الإعمار بعد النزاعات، وتحول القطاع الأمني في المراحل الانتقالية العربية، وعودة الأنظمة الاستبدادية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.