الشرق الأوسط على خط الزلازل الجيوسياسية: الحرب، الطاقة، ومستقبل النظام العالمي

تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ 28 شباط (فبراير) 2026 تصعيدًا عسكريًا خطيرًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في مواجهةٍ تتجاوز حدود الصراع الإقليمي لتلامس توازنات النظام الدولي وأمن الطاقة العالمي.
ولا يمكن فهم هذه الحرب فقط من زاوية الصدام العسكري، بل باعتبارها نتاج تداخل المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، وأخطاء الحسابات السياسية، وتراجع دور القانون الدولي في إدارة النزاعات.

المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي: هل يتابع سياسة والده أم يفاجئ العالم بسياسة جديدة؟

الدكتور داوود البلوشي*

منذ 28 شباط (فبراير) 2026 تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر لحظات التحوُّل الجيوسياسي منذ عقود، بعد اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما تبع ذلك من ردود عسكرية متبادلة امتدت آثارها إلى دول في المنطقة، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي.

غير أن فهم هذه الحرب لا يُقرأ فقط بميزان من بدأ ولماذا فشلت السياسة قبل أن يتكلم السلاح، ولا يقتصر على تحليل ميزان القوة العسكري أو الحسابات السياسية الآنية، بل يتطلب النظر إلى ثلاثة مستويات مترابطة: المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى، أخطاء الحسابات السياسية للأطراف المتصارعة، وتراجع مكانة القانون الدولي كمرجعية لتنظيم النزاعات.

أولًا: جذور الأزمة بين ميزان القوة والتحوّلات الدولية

لا يمكن فهم التصعيد الحالي من دون العودة إلى التوترات التي سبقت هذه الحرب، خصوصًا المواجهة غير المباشرة بين إيران وإسرائيل خلال الأشهر السابقة. فقد أظهرت الضربات الإيرانية المتبادلة مع إسرائيل خلال فترة التصعيد السابقة أنَّ إيران أصبحت لاعبًا عسكريًا إقليميًا قادرًا على تهديد التوازن الاستراتيجي في المنطقة، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو عبر شبكة حلفائها في لبنان واليمن والعراق. وهذا التحول أثار قلقًا متزايدًا لدى الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصًا في ظل متغيرات دولية أوسع، أبرزها:

  • صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية تعتمد بدرجة كبيرة على نفط وغاز الخليج.
  • التقارب المتزايد بين إيران وروسيا والصين ضمن أطر مثل “بريكس”.
  • تراجع النفوذ الاقتصادي الأميركي النسبي في بعض مناطق العالم.

ضمن هذا السياق، أصبحت إيران بالنسبة إلى واشنطن ليست فقط خصمًا إقليميًا، بل جُزءًا من معادلة المنافسة العالمية مع الصين وروسيا.

ثانيًا: أخطاء الحسابات السياسية لجميع الأطراف بعد فشل الديبلوماسية

الولايات المتحدة: الخطأ السياسي الأكبر والاستراتيجي لواشنطن تمثل في الاعتماد على سياسة الضغط والتفاوض في الوقت نفسه، كأداة تكتيكية لإدارة الوقت والتموضع، أكثر من كونها مسارًا حقيقيًا لخفض التصعيد من دون الوصول إلى تسوية دائمة للملف الإيراني، كما إنَّ الانسحاب من الاتفاق النووي سابقًا، ثم العودة إلى مسار تفاوضي غير مكتمل، خلق بيئة من عدم الثقة المتبادل، وهو ما جعل أي فشل تفاوضي يتحول سريعًا إلى تبريرٍ للحسم العسكري. وفي المقابل، مصالح واشنطن تبدو مركّبة:

  • تثبيت هيبة الردع وإظهار القدرة على إعادة تشكيل الإقليم بالقوة.
  • طمأنة الحلفاء وإعادة ضبط ميزان المنطقة.
  • والأهم: توجيه رسالة استراتيجية أوسع ضمن تنافسها مع الصين ودوائر “الجنوب العالمي” الرافضة لمنطق الحرب كبديل من الديبلوماسية.

لكن المشكلة أن “حرب الردع” قد تتحول إلى حرب استنزاف تُغذي التضخم والاضطراب العالمي وتُعمّق عزلة واشنطن أخلاقيًا وسياسيًا. كما إنَّ اللجوء إلى الخيار العسكري، حتى لو كان بهدف الردع، يحمل مخاطر توسع الصراع في منطقة تمثل مركز الطاقة العالمي.

إسرائيل: الخطأ الإسرائيلي البنيوي، هو تحويل الأمن إلى عقيدة الأمن الوقائي والتوسعٍ الدائم لهذا المنطق قد يحقق تفوقًا عسكريًا سريعًا، لكنه يزرع شروط حربٍ أطول. فإنَّ الحرب مع إيران تمثل جزءًا من التي تقوم على منع أي قوة إقليمية من امتلاك قدرات تهدد التفوق العسكري الإسرائيلي. علمًا أنَّ استمرار الحروب المتعددة الجبهات، سواء في غزة أو لبنان أو مع إيران، يحمل مخاطر استراتيجية طويلة المدى، خصوصًا إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف إقليمية واسعة.

وبغض النظر عن المبررات، فمصلحة إسرائيل هنا ليست عسكرية فقط؛ بل أيضًا سياسية داخلية: عندما تصبح الحرب “إطار إدارة الدولة”، تُؤجَّل الأزمات الداخلية وتُعاد صياغة الشرعية عبر “الخطر الوجودي”.

إيران: بدورها ارتكبت طهران أخطاء سياسية واضحة، أبرزها:

  • إدارة التفاوض كمعركة كرامة لا كإدارة مصالح: أحيانًا تفشل الدول لأنَّ “لغة الرمزية” تطغى على لغة المصلحة الوطنية.
  • الاعتماد المفرط على سياسة الرد العسكري غير المباشر عبر الحلفاء الإقليميين والوكلاء.
  • التوقف في حرب الاثني عشر يومًا وعدم الاستمرار لإضعاف القوة العسكرية الإسرائيلية والتي ضعفت مع تدخلها في غزة.
  • الأخطر، توسيع دائرة الصراع بما قد يُهدد علاقاتها مع بعض دول الخليج التي حاولت لعب دور الوسيط، كما إنَّ توسيع ساحة المواجهة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في تقارب أكبر بين خصومها الإقليميين والدوليين.
  • المخاطرة بتعريض الاقتصاد الإيراني لمزيد من الضغوط والعقوبات في لحظة انتقال سياسي داخلي معقد.

دول الخليج: أكبر خطَإٍ خليجي محتمل ليس الحياد ذاته، بل الاعتقاد أنَّ الحياد وحده يكفي للحماية في حرب تُدار بمنطق رفع الكلفة على الجميع. حيث تبنت دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الأخيرة سياسة تقوم على التوازن بين الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة والانفتاح الدبلوماسي على إيران.

المصلحة الخليجية واضحة، حماية الاستقرار، استمرار الطاقة والتجارة، وقطع الطريق على انهيار الثقة الاستثمارية. وعليه لعب بعض الدول، خصوصًا سلطنة عُمان وقطر، دورًا مهمًا في الوساطة وفتح قنوات الحوار.  ولا بد من توجيه رسالة واضحة بانَّ أراضي الخليج ليست منصّة هجوم، وفي الوقت ذاته لن تكون ساحة تصفية حسابات. وفي حال استمرار الحرب، قد تجد دول الخليج نفسها مضطرة للانتقال من سياسة الحياد إلى سياسة الدفاع المشترك لحماية أمنها واستقرارها. ولكن توسع العمليات العسكرية في المنطقة يضع هذه الدول أمام تحديات كبيرة:

  • تهديد البنية التحتية للطاقة.
  • مخاطر تعطّل الملاحة في مضيق هرمز.
  • اضطرابات اقتصادية ومالية نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والنقل.
  • ردع دفاعي مشترك (دفاع جوي/بحري/سيبراني)
  • وسياسة موحدة تُغلق ثغرات “الاختراق بالانقسام”

ثالثًا: الحرب العالمية للطاقة والاقتصاد

أحد الأسئلة المهمة التي تطرحها الحرب الحالية يتعلق بالعلاقة بين الحروب والاقتصاد العالمي، حيث لا تقتصر آثار الحرب على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. كما إنَّ الاقتصاد العالمي اليوم يعتمد بدرجة كبيرة على تدفق الطاقة من منطقة الخليج.

فمنطقة الخليج تمثل نحو 20٪ من إمدادات النفط العالمية، ونحو ربع تجارة الغاز المسال في العالم. وأي تهديد للملاحة في مضيق هرمز يمكن أن يؤدي إلى ضغط على سلاسل الإمداد، والذي يعني ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الطاقة وزيادة التضخم العالمي، واضطراب الأسواق المالية، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. كما إنَّ تهديد الملاحة يرفع التأمين والشحن ويضرب السياحة والطيران والاستثمار.

وبالتالي فإنَّ الحرب في الخليج ليست حربًا إقليمية فقط، بل أزمة اقتصادية عالمية محتملة حيث تتحول الأزمات الجيوسياسية إلى عامل يؤثر في إعادة توزيع القوة الاقتصادية بين الدول.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل أصبحت الحروب الحديثة جزءًا من أدوات إدارة الاقتصاد العالمي؟

رابعًا: القانون الدولي خارج اللعبة

ربما يكون أخطر ما تكشفه هذه الحرب ليس فقط حجم الدمار العسكري، بل تراجع دور القانون الدولي كمرجعية لتنظيم العلاقات بين الدول.

لفهم أسباب الحرب الحالية، لا بد من النظر إلى التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين.

فالعالم يعيش اليوم مرحلة انتقالية بين نظامين، الأول نظام أحادي القطبية قادته الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة، والثاني نظام دولي جديد لم تتحدد ملامحه بعد، لكنه يتجه نحو تعددية قطبية تشمل الصين وروسيا وقوى إقليمية صاعدة.

ضمن هذا السياق، أصبحت منطقة الشرق الأوسط إحدى الساحات الرئيسة لهذا التحول، بسبب موقعها الجيوسياسي واحتياطاتها الضخمة من الطاقة.

إيران، بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وقدراتها العسكرية، تحولت خلال العقود الأخيرة إلى لاعب إقليمي رئيس. كما إن علاقاتها المتنامية مع الصين وروسيا، وانخراطها في تكتلات اقتصادية وسياسية جديدة، جعلتها جزءًا من معادلة المنافسة العالمية بين القوى الكبرى.

ومن هنا، فإنَّ الصراع حول إيران لا يتعلق فقط ببرنامجها النووي أو بدورها الإقليمي، بل يرتبط أيضًا بمستقبل ميزان القوى العالمي. فالميثاق الأممي يحظّر استخدام القوة إلّا في حالات محددة مثل الدفاع عن النفس أو بقرار من مجلس الأمن. كما إنَّ اتفاقيات جنيف تفرض حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية أثناء النزاعات المسلحة. لكن الواقع يظهر تراجع الالتزام بهذه القواعد. ففي السنوات الأخيرة أصبحنا نشهد: اغتيالات سياسية لقادة دول أو مسؤولين عسكريين، استهداف منشآت مدنية، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين. كل ذلك غالباً دون مساءلة دولية حقيقية.

الانتقائية في تطبيق العدالة الدولية

أحد أبرز مظاهر أزمة القانون الدولي هو التفاوت في تطبيق العدالة الدولية. فالمحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق قادة سياسيين في نزاعات عدة، لكن تنفيذ هذه القرارات غالبًا ما يعتمد على الحسابات السياسية للدول. فعلى سبيل المثال: صدرت مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما صدرت قرارات تتعلق بالقيادة الإسرائيلية و”حماس” في سياق الحرب في غزة.

لكن تطبيق هذه القرارات يختلف من حالة إلى أخرى، ما يخلق انطباعًا بأنَّ العدالة الدولية انتقائية وتتأثر بالتحالفات السياسية. وهذا التفاوت يضعف ثقة الدول والشعوب في النظام الدولي ويعزز منطق القوة بدلًا من منطق القانون.

مسؤولية المجتمع الدولي

تتحمل المسؤولية عن هذه الحرب أطراف عدة:

  • القوى الكبرى التي تدير الصراعات الإقليمية ضمن تنافسها العالمي.
  • الدول المتصارعة التي توسع نطاق الحرب من دون اعتبار كافٍ للمدنيين والاستقرار الإقليمي.
  • النظام الدولي نفسه الذي أصبح عاجزًا عن فرض احترام القانون الدولي بسبب الانقسامات السياسية داخل مجلس الأمن الدولي.

خامسًا: صراع المفاهيم

في جوهر هذه الحرب لا يتعلق الصراع فقط بالأراضي أو الموارد أو النفوذ. بل يتعلق أيضًا بصراع مفاهيم حول معنى القوة والشرعية والنظام العالمي.

فهناك مفهوم يرى أنَّ الأمن يتحقق عبر التفوق العسكري والهيمنة الاستراتيجية. وهناك مفهوم آخر يرى أنَّ الاستقرار الحقيقي لا يمكن تحقيقه إلّا عبر التعاون الدولي واحترام القانون الدولي. وبين هذين المفهومين يعيش العالم اليوم حالة من التوتر المستمر.

العالم أمام مفترق تاريخي

الحرب الحالية ليست مجرد صراع بين دول، بل مؤشر إلى تحول عميق في النظام الدولي. إنَّ أخطر ما تكشفه الحرب الحالية ليس فقط حجم الدمار العسكري أو الخسائر الاقتصادية، بل التآكل المتزايد لفكرة القانون الدولي نفسها. فحين تصبح الاغتيالات السياسية جُزءًا من أدوات السياسة، وحين تتحول حياة المدنيين إلى خسائر جانبية، وحين تُطبق العدالة الدولية بمعايير مختلفة تبعًا لموازين القوة، فإنَّ العالم لا يكون أمام أزمة سياسية فقط، بل أمام أزمة أخلاقية وفكرية في النظام الدولي.

لقد تأسس النظام العالمي بعد عام 1945 على فكرة أن القانون يمكن أن يحد من القوة. لكن ما نشهده اليوم يشير إلى أنَّ القوة بدأت تتغلب من جديد على القانون. فالعالم يشهد انتقالًا تدريجيًا من نظام دولي يقوم على قواعد قانونية ومؤسسات متعددة الأطراف، إلى نظام أكثر فوضوية تحكمه توازنات القوة والمصالح. وفي هذه اللحظة التاريخية يقف العالم أمام خيارين واضحين: الأول يقوم على إعادة بناء نظام دولي قائم على قواعد عادلة، والثاني: يقوم على الدخول في مرحلة جديدة تصبح فيها الحروب جزءًا دائمًا من إدارة النظام العالمي.

وفي هذا السياق تصبح مسؤولية دول المنطقة—خصوصًا دول الخليج—كبيرة في العمل على منع توسع الصراعات وتعزيز الحوار الإقليمي وعلى: منع توسع الحرب؛ دعم مسارات الحوار الإقليمي؛ تعزيز الأمن الجماعي؛ والتمسك بمبادئ القانون الدولي كمرجعية لحل النزاعات. لأن البديل من ذلك ليس انتصار طرف على آخر، بل دخول المنطقة والعالم في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار والصراعات المفتوحة.

  • الدكتور داوود البلوشي هو محام ومستشار قانوني عُماني. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون. وهو أستاذ محاضر في جامعة السلطان قابوس في مسقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى