طهران في لحظةِ الحقيقة: هل انتهى عصرُ الثورة؟

كابي طبراني*

الثورات نادرًا ما تنتهي بإعلانٍ واضح. غالبًا ما تتآكل تدريجًا، إلى أن تَجِدَ نفسها بعد سنواتٍ تُشبه الأنظمة التي قامت أصلًا لإسقاطها. وفي هذا السياق، قد تُمثّلُ اللحظة التي تعيشها إيران اليوم تحوُّلًا عميقًا في طبيعة الجمهورية الإسلامية، لا مجرّد انتقالٍ للسلطة داخل هرم الحُكم.

فمع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد الأعلى خلفًا لوالده، تكون إيران قد شهدت للمرة الأولى انتقال السلطة العليا من الأب إلى الابن داخلَ نظامٍ وُلِدَ أساسًا من رَحمِ ثورةٍ أطاحت الحُكمَ الوراثي. هذه المُفارقة السياسية تعكسُ أكثر من مجرّد ظرفٍ استثنائي فرضته الحرب أو الفراغ في القيادة. إنها تعكسُ تحوُّلاتٍ تراكمت داخل النظام الإيراني على مدى عقود.

عندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979، كان أحد أهدافها المُعلَنة إنهاء نموذج الحكم العائلي الذي جسّدته أسرة بهلوي. وقد قامت شرعية النظام الجديد على فكرة أنَّ السلطة لا تستند إلى السلالة بل إلى المرجعية الدينية والثورية. لكن بعد أكثر من أربعة عقود، يبدو أنَّ النظامَ نفسه يُواجِهُ التحدّي الذي واجهته معظم الأنظمة الثورية في التاريخ: ماذا يحدث عندما يغيب الجيل المؤسّس؟

فمع رحيل معظم الشخصيات التي شاركت في صناعة الثورة، لم يَعُد النظام يمتلك القيادة التي تستند إلى شرعيةٍ ثورية مباشرة. وكان علي خامنئي، الذي حكم البلاد منذ العام 1989، آخر شخصية تُمثّلُ هذا الجيل. أما خلفه، فلا يمتلك تلك الخلفية الثورية نفسها، ولا ذلك الرصيد الرمزي الذي يمنحه موقعًا تلقائيًا في الهرم السياسي.

لكن هذا الغياب قد يكون في حد ذاته أحد أسباب اختياره. فالنظام الإيراني اليوم لم يعد حركة ثورية تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع أو تصدير نموذجها إلى الخارج بقدر ما أصبح نظامَ حُكمٍ يسعى إلى الحفاظ على استمراريته في بيئة إقليمية ودولية معقّدة. ومع مرور الوقت، تصبح الأولوية في مثل هذه الأنظمة للاستقرار المؤسّسي أكثر من التماسُك الإيديولوجي.

من هذا المنظور، يُمكنُ قراءة انتقال السلطة داخل العائلة بوصفه محاولةً لتقليل مخاطر انتقال السلطة في نظامٍ ظلَّ هذا الانتقال فيه دائمًا عملية شديدة الحساسية. فآلية اختيار المرشد الأعلى تعتمد على توازنات داخلية معقّدة داخل المؤسسة الدينية والسياسية، وغالبًا ما تجري في أجواءٍ من الغموض والتنافُس بين النخب. أما الانتقال داخل العائلة فيوفّرُ قدرًا من الاستمرارية ويُقلّلُ احتمالات الانقسام داخل مراكز القوة.

لكن التحوّلَ الأهم في إيران لا يتعلق فقط بالشخص الذي يشغل موقع المرشد الأعلى، بل بطبيعة النظام نفسه. فخلال العقود الثلاثة الماضية، شهدت بنية السلطة في إيران تحوّلًا تدريجيًا لصالح المؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإسلامي.

هذه المؤسّسة التي أُنشِئت بعد الثورة لحماية النظام تحوّلت تدريجًا إلى أحد أبرز مراكز القوة في الدولة. فقد توسّع دورها ليشمل مجالات الأمن والاستخبارات والسياسة الإقليمية، كما أصبح لها حضورٌ اقتصادي واسع من خلال شبكة من الشركات والمؤسسات التي تنشط في قطاعات متعددة.

ومع تعاظُمِ هذا الدور، أصبحت معادلة الحكم في إيران تقوم على توازن دقيق بين المؤسسة الدينية التي تمنح النظام شرعيته الرمزية، والمؤسسة الأمنية التي تُوفّرُ له أدوات القوة والاستقرار.

في هذا السياق، قد يشير صعود مجتبى خامنئي إلى مرحلةٍ جديدة في هذا التوازن. فبدلًا من النظام الثوري الذي تقوده شخصيات دينية ذات حضور سياسي واسع، قد تتجه إيران تدريجًا نحو نموذجٍ هجين يحتفظ فيه المرشد الأعلى بالدور الرمزي والديني، بينما تتزايد أهمية المؤسسات الأمنية في إدارة الدولة.

هذا التحوُّل لا يعني أنَّ الجمهورية الإسلامية ستتحوَّل إلى نظامٍ عسكري تقليدي، لكنه يشير إلى انتقال مركز الثقل داخل النظام من القيادة الإيديولوجية إلى المؤسّسات التي تمتلك القدرة على إدارة الأزمات وضبط الاستقرار.

غيرَ أنَّ هذا التحوُّل يأتي في لحظةٍ إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فإيران تُواجِهُ اليوم ضغوطًا مُتعدِّدة في آنٍ واحد. المواجهة العسكرية مع قوى إقليمية ودولية كبرى تفرض تحديات أمنية مباشرة، بينما يعاني الاقتصاد الإيراني منذ سنوات من آثار العقوبات والضغوط المالية والتضخّم. وفي الوقت نفسه، يشهد المجتمع الإيراني حالةً من التململ المُتكرِّر ظهرت في موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد خلال السنوات والأشهر الماضية.

هذه التحدّيات تجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية بالنسبة إلى النظام. فالحروبُ قد تُعزّزُ التماسُك الداخلي في المدى القصير، لكنها لا تلغي التوترات الاجتماعية أو الاقتصادية التي تراكمت على مدى سنوات. بل إنَّ استمرارَ الضغوط قد يزيد من تعقيد المشهد الداخلي إذا لم يتم احتواؤها بسياساتٍ اقتصادية واجتماعية مختلفة.

ومن هنا تبرزُ مفارقة صعود القيادة الجديدة. فالقوى التي دعمت انتقال السلطة تتوقّعُ على الأرجح استمرار النهج الذي اتبعته إيران في العقود الماضية، سواء على صعيد السياسة الإقليمية أو إدارة الشأن الداخلي. لكن الواقع الذي يواجه البلاد قد يفرض مع الوقت مقاربات مختلفة.

فالتاريخ السياسي يُظهِرُ أنَّ القادة الذين يصلون إلى الحُكم بدعمٍ من تحالفات محافظة قد يجدون أنفسهم لاحقًا مُضطَرّين إلى إدخالِ تغييرات تدريجية للحفاظ على استقرار النظام نفسه. وغالبًا ما يحدث ذلك عندما تتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية إلى درجةٍ تجعل الاستمرار في السياسات نفسها أكثر كلفة من تعديلها.

يبقى من المُبكِر معرفة ما إذا كانت القيادة الجديدة في إيران ستسلك هذا المسار أم ستسعى إلى تعزيز النهج القائم. لكن المؤكد أنَّ النظام الإيراني دخل مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقود الأولى بعد الثورة.

فالجمهورية الإسلامية لم تَعُد تُقادُ من قبل الجيل الذي صنع الثورة، كما إنَّ البيئة الإقليمية والدولية التي نشأت فيها تغيّرت بشكلٍ كبير. وفي ظلِّ هذه التحوُّلات، قد يُصبحُ التحدّي الرئيس أمام القيادة الإيرانية ليس فقط الحفاظ على تماسُك النظام، بل إعادة تعريف علاقته بالمجتمع وبالعالم من حوله.

في هذا السياق، قد يُنظَرُ مستقبلًا إلى انتقال السلطة داخل العائلة ليس بوصفه مجرد حادثة سياسية عابرة، بل كإشارةٍ إلى تحوُّلٍ أعمق في طبيعة النظام الإيراني. تحوُّلٌ قد يعني أنَّ الجمهورية التي قامت على شعار الثورة الدائمة بدأت تدريجًا تتحوَّل إلى دولة تسعى قبل كل شيء إلى ضمان استمرارها في عالمٍ أكثر تعقيدًا.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى