صُمُود الشعب كما في عَلْما الشعب

هنري زغيب*

“لا أَبيعُ أَرضي بذَهَبِ الأَرضِ… ترابُ بلادي تُرابُ الجنانْ… وفيه ينامُ الزمانْ”… بهذا الدُعاء صدَحَتْ فيروز بشِعرِ الأَخوين رحباني. وهو هذا دُعاءُ كلِّ لبنانيٍّ على كلِّ شبرٍ من أَرض لبنان. فكلُّ فِلْذةٍ من أَرض لبنان فيها ترابُ الجنان. وفيها تَنبضُ ذاكرةُ الزمان. “هنا، تحت كلِّ ترابَه، حكايةُ مجدْ”، قال سعيد عقل مصلِّيًا بعُمق الإِيمان لكل شهقةٍ من تراب لبنان.

هذا الشعور يَسْكُن وراثيًّا ولاوعيِيًّا كلَّ مواطنٍ جديرٍ بأَن يكون ابنَ هذه الأَرض المقدَّسة: أَرض لبنان. وهو ما عاينَّاه مطلع هذا الأُسبوع، في قرًى حدوديةٍ أَماميةٍ لبنانيةٍ عنيدةٍ صامدةٍ في جنوب لبنان يَرفُض أَهلُها المغادَرَة، مُتَحَدِّين التهديدات الإِسرائيلية والإِنذارات بالإِخلاء، مُنْزَرعين في ترابها أَكثَر، على صورة الزيتون في أَرضها، وهيبةِ الأَرزِ قُبالتَها على قمم لبنان.

أُمثولةٌ لنا جميعًا هذه البطولةُ اللبنانيةُ الشهْمَةُ في رمَيْش وعين إِبْل ودِبْل وعلْما الشعب! قبْل يومَيْن وصلَتْني مشاهدُ حيَّةٌ في علْما الشعب، من رئيس بلديتها شادي نايف صيَّاح أَمام كنيسة السيِّدة يُعلي الصَوت بجرأَةٍ وإِيمانٍ أَنَّ أَهاليها لن يغادروها، ومن مختارها السابق جميل زُعرُب يدُقُّ جرس الكنيسة الإِنجيلية المشْيَخية، لتكتملَ الثلاثيةُ بكنيسة مار الياس الأَثَرية في البلدة.

مشهدٌ تاريخيٌّ لصمودٍ عنيدٍ عظيمٍ ما شاهدْتُه في ما وصلَني. لا تَشَبُّثًا بالأَرض بل انزراعًا فيها تَخَاويًا مع ما في بساتينها من كروم العنب والتين، ومواسمِ الزعتر والطيون، زرعَتْها أَيدي أَجدادٍ عمَّروا البلدةَ حجَرًا حجَرًا وبيتًا بيتًا، وسَقَوا ترابَها بمياهه وعرَقِهم، تاركين في حفافيها أَصداءَ أَيديهم المباركة، وقبْضاتِهم على مَعَاولهم وفراريعهم. وها المئتان اليوم من أَهالي عَلْما الشعب، الذين تهَجَّروا قبْلًا، يَرفُضُون اليوم أَن يتهجَّروا من جديد، مُفَضِّلين الخطرَ في أَحضان بلدتهم عوضَ التَشَرُّد موتًا على حفافي طرقات النزوح.

وبِـمْ يتَسَلَّحون؟ بأَنهم مسالِمون بلا أَيِّ سلاح، لا يُشَكِّلُون خطرًا على أَحد ولا تهديدَ أَحد. تدمَّرَت أَجزاءٌ من بلْدتهم، فأَعادوا بناءَها وترميم الكنيسة، واليومَ يرفُضُون ذُلَّ النُزُوح مجَدَّدًا بعد الذي اختبروه بمرارات سابقة، ويُصرُّون نهائيًا على البقاء في كل شهقةٍ من بلْدتهم، محافظين على ذكرياتِهم فيها وولادتِهم ونشْأَتِهم ومسيرتِهم عند الخاصرة الحدودية الأَمامية العنيدة من جنوب لبنان.

بِـمْ يتسلَّح أبناءُ تلك البلدات الأَمامية الحدودية؟ بالدولةِ وإِنْ بعيدة، وبجيشِ لبنان وإِن في الجوار. لذا لا يَخشَون تحذيراتٍ معاديةً تلقَّوها، ولا تهديداتٍ عدُوَّةً يرفُضون الانصياع لها مهما تعاظَمَت وتفاقَمَت وتغالَظَت. ما يواجهونه اليوم أَكثرَ مما مضى: مصيرٌ وجوديٌّ خطيرٌ يعاينونه في الزَحف الإِسرائيلي البرِّيِّ، ويُوقنُون أَنهم هذه المرة إِن غادَروا بلدتَهم لن يعودوا إِليها، وسيتَسَكَّعون من مركزِ إِيواءٍ إِلى آخر، يستَجْدون ذليلين غرفةً غريبةً، وفراشًا يابسًا على أَرضٍ باردة، وانكسارَ كرامةٍ من أَجل رغيف. لذا يُصرُّون على الثَبات في أَرضهم، في بيوتهم، حول كنائسهم وأَجراسها التي يُرسلون دقَّاتها بعيدًا بعيدًا حتى الكرسي الرسولي في روما.

في مستهَلِّ كلامي قلتُ إِنَّ لنا جميعِنا أُمثولةً من البطولةِ اللبنانيةِ الشهمةِ في رميش وعين إِبْل ودِبْل وعلْما الشعب. وهذه البطولة تَنسَحب على كلِّ فلذةٍ في لبنان تعاني عقودًا من دولةٍ: مريضةٍ بالضُعف الموروث، وبالتَحلُّل المتدَرِّج عهدًا إِثْرَ عهد، ومرحلةً بعد مرحلة، وبتَرَاخي سُلْطتها مع توالي مراحلَ مشؤُومةٍ، منها بخيانةٍ مقنَّعة، منها باستسلامٍ مكشوف، منها باستزلامٍ قسْريٍّ إِلى محتلٍّ تتالت هُوياتُه وسلوكياتُه القاهرةُ شعبِنا بكلِّ صفاقة.

قد نكونُ اليومَ عشيةَ فجْرٍ جديدٍ، بعد ليلٍ قاسٍ شرَّدَ مَن شرَّد، وأَسقطَ مَن سقط. لكنَّ الفجرَ الجديد، مهما طال انبلاجُه، سوف يُطلّ، حاملًا معه أَصداءَ صرَخاتِ البطولةِ والبقاءِ والتشبُّثِ بالأَرض، تَـمَثُّلًا بأَهالي عين إِبْل ورمَيْش ودِبْل وعلْما الشعب، وكلِّ فلْذةٍ بُطوليةٍ تَرفُضُ الذُلَّ على أَيِّ شبْرٍ مقدَّس من أَرض لبنان اللبناني.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى