احتكارُ السلاح: دَرسٌ لبناني أم مأزَقٌ عراقي؟

لم يَعُد الجدلُ حول “احتكار الدولة للسلاح” في لبنان شأنًا داخليًا معزولًا، بل تحوّلَ إلى مرآةٍ تُسقِط عليها عواصم أخرى، وفي مقدّمها بغداد، أسئلتها المُؤجَّلة حول السيادة والدولة. ففي العراق، تُقرأ التجربة اللبنانية لا كنموذجٍ يُحتذى، بل كعامل ضغط يُعمّق الانقسام حول معنى نزع السلاح وحدوده وتوقيته.

محمد شياع السوداني: طَرَحَ مخرجًا براغماتيًا، يقوم على دمج الفصائل المعنية إمّا في المؤسّسات الأمنية الرسمية، أو تحويلها إلى كيانات سياسية.

حسن حمرا*

في أعقابِ المواجهة الأخيرة بين “حزب الله” وإسرائيل، لم يَعُد النقاشُ الدائر في لبنان حول فَرضِ “احتكار الدولة للسلاح” مسألةً داخلية صِرفة. فحين دعت الحكومة اللبنانية، في اليوم الأول من هذا العام، الجيش إلى تأمين هذا الاحتكار “بأسرع وقتٍ مُمكن”، ورَبَطَ الرئيس جوزيف عون الهدف بإعادة “قرارات الحرب والسلم” إلى كنف الدولة، تلقّى العراق ذلك كخطابٍ مألوف: شعارٌ سيادي قد يتحوّلُ سريعًا إلى أداةِ ضغطٍ سياسي.

وتَعَزّزَ هذا الانطباع في الثامن من كانون الثاني (يناير)، مع إعلان الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة انتشاره في الجنوب، مُترافقًا مع نزع سلاح الجماعات غير الحكومية ومنعها من “إعادة بناء قدراتها بشكلٍ لا رجعة فيه”. هذه اللغة، مُجتمعةً، دفعت النقاش إلى ما يتجاوز إطار السياسة الداخلية اللبنانية، لتضعه في قلب معادلات الأمن الإقليمي وآليات التنفيذ الخارجي. ولم يزد الردُّ الإسرائيلي، الذي شدّد على ضرورة نزع سلاح “حزب الله” بالكامل، سوى تكريس هذا المنحى. بالنسبة إلى كثيرٍ من العراقيين، لم يَعُد الأمر يبدو كإصلاحٍ في بُنية الحكم اللبناني، بقدر ما بات أقرب إلى صيغةٍ أمنية تُفرَضُ من خارج السياق الوطني.

كما هو الحال في لبنان، يُطرَحُ النقاشُ المُؤيِّد لنزع السلاح في العراق غالبًا من زاوية صلاحيات الدولة واحتكارها المشروع للقوة. وقد عبّر عن هذا التوجّه بوضوح رئيسُ المجلس الأعلى للقضاء، فائق زيدان، حين أكّد في الرابع من كانون الثاني (يناير) أنّه “لا يُوجَدُ أيُّ مُبرّرٍ قانوني أو دستوري” لحيازة السلاح خارج إطار المؤسّسات الرسمية. ينطلقُ هذا الطرح من منطقٍ يبدو، ظاهريًا، مُتماسِكًا: فبعد هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، كان يُفتَرَضُ بالعراق أن ينتقلَ إلى مرحلة إعادة بناء مؤسّساته السياسية والعسكرية وتطويرها، وهو مسارٌ لا يستقيمُ من دون قراراتٍ مركزية مُوَحَّدة، ومن دون إنهاء سلاسل القيادة المُوازية التي تُنازِعُ الدولة سيطرتها على السلاح.

في السياق نفسه، تبنّى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني خطابًا داعمًا لحصر السلاح بيد الدولة، مُقدّمًا هذا التوجّه بوصفه قرارًا سياديًا عراقيًا نابعًا من الداخل، لا استجابةً لإملاءات أو ضغوط خارجية. غير أنَّ هذا الطرح، حتى في إطار حكومة السوداني، يصطدمُ بواقعٍ مُعَقّد: فالسعي إلى احتكار الدولة للسلاح يتمُّ، عمليًا، عبر التفاوض مع أطرافٍ مسلّحة تملك هامشًا واسعًا للمناورة، وقد تنسحبُ من أيِّ تفاهُمٍ في اللحظة التي ترى فيها أنَّ موازين القوى لم تَعُد في صالحها.

في المقابل، لا يُبدي جميع الفاعلين المسلّحين في العراق استعدادًا للدخول في هذا المسار التفاوضي أصلًا. فعددٌ من الفصائل العراقية الموالية لإيران لا يكتفي برَفضِ فكرة نزع السلاح، بل يضفي على سلاحه طابعًا شبه مُقدّس، بما يُخرِجهُ من نطاق النقاش السياسي أو القانوني. ويُشكّلُ البيان الأخير الصادر عن “الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية”، التي تتحدّث باسم قوات “الحشد الشعبي”، مثالًا دالًا في هذا الإطار. إذ أعلن البيان أنّ أسلحة الحشد “مُقدَّسة” وغير قابلة للتفاوض، مُشتَرطًا انسحاب القوات الأجنبية من العراق واستعادة “السيادة الكاملة” للبلاد قبل أي حديث عن مستقبل هذا السلاح.

بهذا المعنى، لا يكتفي الخطاب الرافض لنزع السلاح بالدفاع عن وضعٍ قائم، بل يُعيدُ تعريفَ جوهر النقاش نفسه. فبدل أن يكون السؤال مُرتبطًا بالحُكم الرشيد وبناء الدولة، يُعادُ توجيهه نحو قضايا الاحتلال والسيادة والكرامة الوطنية، في استراتيجيةٍ تهدفُ إلى تحصين السلاح سياسيًا وأخلاقيًا، وجعله فوق المساءلة الداخلية.

ولا ينفصلُ هذا السجال عن تأثيراتٍ خارجية تُسهِمُ أحيانًا في تأجيجه. فقد أظهرت ردودُ الفعل العنيفة على تصريحات السفير البريطاني لدى العراق، ستيفن هيتشِن، في آب (أغسطس) الماضي حساسية هذا الملف. حين قال إنَّ “الحشد الشعبي” لم يَعُد ضروريًا بعد انتهاء المعركة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وإنَّ بعضَ فصائله يعملُ خارج إطار القانون، سارعت أطرافٌ رسمية وسياسية عراقية إلى الردِّ بلهجةٍ حادة. تكشف هذه الواقعة، كما غيرها في العراق ولبنان، مدى السرعة التي تتحوَّلُ فيها مسألة “السلاح خارج الدولة” من نقاشٍ تقني حول إصلاح القطاع الأمني، إلى معركةٍ رمزية تُستَحضَرُ فيها مفاهيم السيادة والكرامة الوطنية في مواجهةِ أيِّ انتقادٍ داخلي أو خارجي.

فيما تتواصل إعادة الصياغة، تتكشّفُ طبقة أخرى من التعقيد تجعلُ مسألة نزع السلاح في كلٍّ من العراق ولبنان أبعد من كونها نقاشًا تقنيًا حول العتاد والقدرات العسكرية. فالقضية تمسُّ، في جوهرها، مصير الفاعلين المسلّحين أنفسهم، وشبكاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشكّلت على مدى سنوات. السؤالُ هنا لا يقتصرُ على: ماذا سيحلُّ بالسلاح؟ بل يمتدُّ إلى: ماذا سيحلُّ بحامليه، وبالدور الذي باتوا يُؤدّونه داخل الدولة والمجتمع إذا ما جرى تفكيك هذا السلاح أو دمجه ضمن المنظومة الرسمية؟

في هذا الإطار، حاول رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني طرحَ مخرجٍ براغماتي، يقوم على دمج الفصائل المعنية إمّا في المؤسّسات الأمنية الرسمية، أو تحويلها إلى كياناتٍ سياسية تعمَلُ ضمنَ قواعد اللعبة الديموقراطية. مُقارباتٌ مشابهة طُرِحَت في لبنان أيضًا، سواء من قبل سياسيين أو مُحلِّلين، باعتبارها تسوية محتملة تُجنِّبُ البلاد صدامًا مباشرًا مع القوى المسلحة. غير أنَّ هذه الطروحات تصطدمُ بواقعٍ بالغ الحساسية، إذ إنَّ التحوُّلَ من فاعلٍ مُسلّح إلى فاعلٍ سياسي أو أمني مُنضَبِط بالدولة لا يعني فقط تغيير الصفة القانونية، بل يَطالُ موازين النفوذ والشرعية والامتيازات.

ويبرزُ هذا التوتُّرُ بوضوح في مُقاربةِ السوداني للمقارنات الدولية، وخصوصًا حين يتعلّقُ الأمر بلبنان. فعندما سُئلَ عن الضغوط الدولية التي تُمارَس على جماعاتٍ مسلّحة غير حكومية “مثل حزب الله اللبناني” بهدف نزع سلاحها، جاء ردّه بنبرةٍ دفاعية نسبيًا، مؤكّدًا أنَّ “الوضع هنا مختلف عن لبنان”. هذا التمييز لم يكن مجرَّد توصيفٍ تقني لاختلاف السياقات، بل عَكَسَ حرصًا سياسيًا على تجنُّب إسقاط النموذج اللبناني على الحالة العراقية، بما يحمله ذلك من إيحاءاتٍ إقليمية حسّاسة.

وقد يكون هذا النفور من استخدام لبنان كمعيارٍ نابعًا من حقيقة أنَّ نفوذَ إيران في المشهدَين السياسي والعسكري العراقيين أعمق وأكثر تشابكًا مما هو عليه في لبنان. ففي الحالة اللبنانية، يميلُ الخطابُ المُؤيّد لحصر السلاح بيد الدولة، ضمنيًا أو صراحةً، إلى تحميل طهران مسؤولية ظاهرة انتشار السلاح خارج المؤسّسات الرسمية. وقد تجلّى هذا التوجُّه، على سبيل المثال، في الموقف الذي صدر عن رئاسة الجمهورية اللبنانية، الذي دعا الدول الصديقة إلى عدم إرسالِ أيِّ أسلحة إلى لبنان إلّا عبر قنوات الدولة ومؤسّساتها الشرعية.

في المقابل، اتّسَمَ خطابُ دُعاة تقييد حيازة السلاح خارج الدولة في العراق بقدرٍ أكبر من الحذر. فبدل تسليط الضوء على الدور الإيراني، جرى تأطير مسألة نزع السلاح بوصفها شأنًا عراقيًا داخليًا مُرتبطًا بالسيادة الوطنية وبإعادة بناء الدولة بعد سنواتٍ من الحرب والانقسام. هذا الخيار الخطابي لا يعكسُ فقط اختلاف السِياقَين، بل يكشفُ أيضًا عن إدراك عميق لحساسية التوازنات الداخلية العراقية، حيث قد يؤدّي استحضار العامل الإيراني بشكلٍ مباشر إلى تعقيد النقاش أكثر، بدل تسهيل الوصول إلى تسوية قابلة للحياة.

مع ذلك، يواصل لبنان لعب دورٍ غير مباشر في إعادة إشعال النقاش العراقي حول نزع سلاح الجهات الفاعلة غير الحكومية. غير أنَّ هذا التأثير لا يأتي على شكل نموذج يُحتذى أو مسارٍ جاهز يُفتَرَض استنساخه، بل بوصفه عاملَ ضغطٍ مضاعف يحمل في طيّاته مفارقة لافتة. ففي الحالة العراقية، لا تُستدعى تجربة لبنان كخريطة طريق، بقدر ما تُستَخدَم كمرآةٍ تَعكِسُ تناقضات الجدل القائم، وتدفع أطرافه إلى التشبّث بمواقفها على نحوٍ أكثر حدّة.

من جهة، يُعزّزُ استحضارُ لبنان حجّةَ الفريق الذي يرى في “احتكار السلاح” اللغة الطبيعية والوحيدة لقيام الدولة الحديثة، ويقدّمه كمعيارٍ بديهي للسيادة والنظام. ومن جهةٍ أخرى، يمدُّ هذا الاستحضار خصومه بأداةٍ خطابية مُضادة، إذ يُصوَّرُ نزع السلاح على أنّه “سيادة انتقائية” لا تُستدعى إلّا عندما يصبح وجود جهة مسلّحة غير مريح سياسيًا، بينما تُرَحََّلُ أو تُجَمََّدُ عندما تُثبِتُ تلك الجهة جدواها العسكرية أو نفعها المرحلي.

بهذا المعنى، لم تعد مساعي لبنان نحو تكريس “احتكار الدولة للسلاح” مجرّدَ شأنٍ داخلي لبناني، بل تحوّلت سريعًا إلى نقطةٍ مرجعية حاضرة في السجال العراقي. فهي تُستَخدَمُ لتدعيم السرديات المتقابلة، وتغذية الشكوك المُتبادَلة، بل والمساهمة في تأجيج النقاش نفسه، بدل حسمه. وهكذا، يصبح لبنان، مرة أخرى، ليس مثالًا يُحتذى، بل ساحة إسقاط تُكثَّف عبرها أسئلة الدولة والسيادة والسلاح في العراق، من دون أن تقدّم بالضرورة إجاباتٍ نهائية عليها.

  • حسن حمرا هو صحافي وباحث لبناني في شؤون الشرق الأوسط، تُركّز أبحاثه بشكلٍ خاص على قضايا الدولة، الفاعلين المسلّحين، والنفوذ الإقليمي في العراق ولبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى