إيران بعد خامنئي: نظامٌ بلا رأس في لحظةِ اشتباكٍ إقليميٍّ مَفتُوح

كابي طبراني*

لم تَعُد المسألةُ في طهران مسألةَ خلافة تقليدية لمُرشدٍ أعلى مُتقدِّم في السن، بل تحوّلت خلال ساعات إلى سؤالٍ وجودي حول بقاء النظام نفسه. فمقتل علي خامنئي ومعه عدد من كبار القيادات العسكرية والسياسية، في ظلِّ تصعيد عسكري متبادل امتد إلى دول خليجية باستثناء سلطنة عُمان، نقلَ إيران من مرحلة “الانتقال السياسي المُرتَقَب” إلى مرحلة “إدارة الصدمة تحت النار”.

الجمهورية الإسلامية، التي بُنيت منذ 1979 على مركزية موقع الولي الفقيه، تُواجِهُ اليوم أوَّل اختبارٍ حقيقي لقدرتها على العمل من دون شخصيّةٍ جامعة تُمسِكُ بخيوط التوازن بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإسلامي والأجهزة الأمنية. خامنئي لم يكن مجرّدَ مَرجعٍ سياسي، بل كان صمّامَ أمان داخل شبكةٍ مُتداخلة من المصالح والولاءات. ومع غيابه المفاجئ، انكشفَ سؤالٌ لطالما جرى تأجيله: هل النظام مؤسّساتي بما يكفي ليُعيد إنتاج نفسه، أم أنه كان يعتمد فعليًا على شخصٍ واحد؟

الدستور الإيراني يُوفّرُ آليةً لاختيار مُرشدٍ أعلى جديد عبر مجلس خبراء القيادة. لكن الإطار الدستوري شيء، والواقع السياسي والأمني شيءٌ آخر. في الظروف الطبيعية، كان يمكن تصوُّرُ انتقالٍ منضبط إلى رجل دين من الحلقة الضيِّقة للنظام، يضمَنُ استمرارية “الخامنئية” من دون خامنئي. أما اليوم، فالانتقالُ يجري تحت ضغط عسكري خارجي، وتوتر داخلي، واهتزاز في الردع الإقليمي. وهذا يضعف فرص اختيار شخصية ضعيفة أو توافقية، ويفتح الباب أمام صعود مباشر أو غير مباشر للحرس الثوري كصاحب القرار الفعلي.

خلال العقدين الماضيين، لم يعد الحرس مجرّد ذراعٍ عسكرية، بل تحوّلَ إلى العمود الفقري للنظام سياسيًا واقتصاديًا. وهو الجهة الوحيدة القادرة تنظيميًا على التحرُّك بسرعة في لحظة فراغ. غير أنَّ انتقالَ الثقل إليه بشكلٍ أوضح يعني تغييرًا في طبيعة النظام، من ثيوقراطية يقودها فقيه، إلى دولةٍ أمنية يغلب عليها منطق المؤسسة العسكرية. وقد يحمل ذلك خطابًا أقل إيديولوجية دينية، لكنه ليس بالضرورة أقل صدامية خارجيًا أو أقل تشدُّدًا داخليًا.

الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي طالت دولًا خليجية خلال الساعات الماضية تعكس هذا المنطق. فهي إشارةٌ إلى أنَّ مراكز القوة في طهران اختارت، في لحظة الارتباك، تصدير الأزمة بدل احتوائها. الرسالة واضحة: أيُّ محاولة لإضعاف النظام داخليًا ستقابل بتوسيع دائرة المخاطر إقليميًا، خصوصًا في منطقة تمثّلُ شريان الطاقة العالمي. استثناء عُمان من هذه الهجمات ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشّرٌ إلى إبقاء نافذة اتصال ديبلوماسية مفتوحة، حتى في ذروة التصعيد.

لكن هذا السلوك يحمل مخاطر مزدوجة. داخليًا، قد يمنح القيادة الانتقالية لحظة تعبئة قومية قصيرة الأمد. إلّا أنَّ التاريخ الإيراني الحديث يُظهِرُ أنَّ “الالتفاف حول العلم” غالبًا ما يكون مؤقتًا. فبمجرد انحسار الصدمة، تعود الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية بقوة أكبر. الاقتصاد الإيراني يُعاني من تضخُّمٍ مُزمن، عملة ضعيفة، واستنزاف متواصل بفعل العقوبات وسوء الإدارة. أيُّ توسُّع في المواجهة سيضاعف كلفة التأمين البحري، ويضغط على الصادرات النفطية، ويُقيّدُ أيَّ أفقٍ لاستعادة الاستثمارات.

خارجيًا، فإنَّ استهداف دول الخليج يرفع مستوى المخاطر الجيوسياسية في أسواق النفط فورًا. فالعلاوة السعرية المرتبطة بالخطر لا تعكس فقط احتمال تعطّل الإمدادات الإيرانية، بل أيضًا تهديد البنية التحتية لدول منتجة رئيسة. وهذا يعني أنَّ “ما بعد خامنئي” لا يُقاس فقط بتوازنات السلطة في طهران، بل أيضًا بتقلبات الأسعار في أسواق الطاقة العالمية.

السيناريو الأخطر يتمثل في تآكل تدريجي للنظام نتيجة تداخل الضغوط: صراعٌ داخلي على الخلافة، ضغطٌ عسكري خارجي، واستياءٌ اجتماعي متراكم. إيران ليست دولة هشّة من حيث الهوية أو المؤسّسات، لكن طول أمد المرحلة الانتقالية قد يفتح الباب أمام انقسامات داخل النخبة، أو حتى أمام إعادة ترتيب أعمق للنظام السياسي.

وفي المقابل، يبقى احتمال إعادة إنتاج النظام قائمًا، ولكن بصيغةٍ مُعدّلة. فقد تفرز الأزمة قيادة أكثر براغماتية ترى أنَّ الأولوية ليست في الشعارات، بل في استعادة الاستقرار الاقتصادي وتخفيف العزلة الدولية. غير أنَّ هذا التحوُّل، إن حصل، لن يكون فوريًا، بل سيحتاج إلى توازن دقيق بين حفظ ماء وجه المؤسسة العسكرية وفتح قنوات تفاوض غير مباشرة مع الخارج.

في المحصّلة، لم يعد السؤال مَن سيخلف خامنئي فقط، بل أي إيران ستخرج من هذه المرحلة. إيران دينية أكثر تشدُّدًا؟ إيران عسكرية الطابع؟ أم إيران تبحث عن تسوية تتيح لها البقاء ضمن النظام الدولي بدل المواجهة معه؟

الإجابة لن تُحسم في خطبة أو بيان رسمي، بل في قدرة النخبة الحاكمة على إدارة لحظة الفراغ من دون أن تتحوّلَ إلى لحظة انهيار. وبينما تراقب العواصم الخليجية التطوّرات بقلقٍ مشروع، وتتابع الأسواق تحركات الأسعار، يبقى المؤكد أنَّ إيران دخلت فصلًا جديدًا من تاريخها — فصلًا سيحدد ليس فقط مستقبل نظامها، بل معادلات الاستقرار في المنطقة بأسرها.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى