الذكاءُ الاصطناعي يَضغَطُ على الشبكات: هل تتحمَّلُ كهرباءُ الشرق الأوسط سباقَ المُستقبل؟
بين الطموحات الرقمية المتسارعة وضغوط الحياد الكربوني، تدخل أنظمة الكهرباء في الشرق الأوسط مرحلةَ اختبارٍ حاسمة. فالذكاءُ الاصطناعي لم يَعُد مجرّدَ محرِّكٍ للنمو الاقتصادي، بل عاملًا يُعيدُ صياغةَ معادلةِ التخطيط الطاقي وحدودها.

ماثيو ترايب*
في وقتٍ يُعيد الذكاء الاصطناعي رَسمَ ملامح الاقتصادات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تتعرّضُ أنظمةُ الكهرباء لاختباراتٍ غير مسبوقة من حيث الحجم والتعقيد. فمواكبة الطلب المُتسارِع على الطاقة، بالتوازي مع الالتزام بطموحاتِ الحياد الكربوني، لم تَعُد مسألةَ خياراتٍ مُنفَصِلة، بل معادلة مترابطة تتطلَّبُ تخطيطًا مُنَسَّقًا، وتوسُّعًا في مصادر الطاقة منخفضة الكربون، وبُنية تحتية حضرية قادرة على استيعاب المستقبل والتنفيذ السريع.
وعلى امتداد المنطقة، انتقلَ التحوُّل في قطاع الطاقة من خانةِ الوعود والطموحات إلى حيِّزِ التنفيذ العملي. لم تَعُد الحكومات تكتفي برَسمِ أهدافٍ بعيدة المدى، بل بات تركيزها مُنصبًّا على كيفية ترجمة الاستراتيجيات الوطنية إلى شبكاتٍ وبُنى تحتية ومُدنٍ قادرة على دعم النمو الاقتصادي، واستقطاب الاستثمارات، وتمكين الاقتصادات الرقمية التي تتوسَّعُ بوتيرةٍ مُتسارعة.
في هذا السياق، أرست دولة الإمارات العربية المتحدة مسارًا واضحًا لمُضاعفة قدرات الطاقة النظيفة ثلاث مرات بحلول العام 2030، مدعومةً بخطّةِ عملٍ رسمية للحياد الكربوني 2050 تهدفُ إلى مُواءَمة السياسات مع الاستثمارات وآليات التنفيذ. وفي المقابل، التزمت المملكة العربية السعودية، عبر المبادرة الخضراء السعودية، بتحقيق الحياد الكربوني بحلول العام 2060، مع خططٍ لتأمين نصف احتياجاتها من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، إلى جانب التوسُّع في استخدام الهيدروجين وتقنيات إدارة الكربون. وتعكس هذه التوجُّهات، على مستوى المنطقة، قناعةً مشتركة بأنَّ خفضَ الانبعاثات الكربونية لا يُمكنُ أن يكونَ على حساب التنمية، بل يجب أن يسيرَ معها وبوتيرةٍ مُتوازنة.
غير أنَّ الجمعَ بين تلبية الطلب المُتنامي وتحقيق التحوُّل نحو طاقةٍ أنظف وأكثر موثوقية بات مهمّة أكثر تعقيدًا من أيِّ وقتٍ مضى. فالطلبُ على الكهرباء يتصاعد بوتيرةٍ مُتسارعة، في وقتٍ تُطالَبُ أنظمة الطاقة بأن تكونَ أقل انبعاثًا، وأكثر مرونة، وأعلى قدرةً على الصمود في مواجهة الصدمات التشغيلية والمناخية.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أنَّ الطلب على الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مُرَشَّحٌ للارتفاع بنحو 50% بحلول العام 2035. وفي المملكة العربية السعودية، ارتفعت ذروة الطلب بأكثر من 60% منذ العام 2010، مدفوعةً في الأساس بالتوسُّع الصناعي المُتسارع واحتياجات التبريد. أما في دولة الإمارات، فقد تجاوزت ذروة الأحمال مستوى 16 جيغاواط، مع توقُّعات بزياداتٍ حادة مع تسارُع وتيرة التحوُّل إلى الكهرباء واتساع البنية التحتية الرقمية.
ولا تبدو هذه الاتجاهات مؤقتة أو مُرتبطة بدورات اقتصادية قصيرة الأجل، بل هي تحوُّلات هيكلية عميقة. فالتحوُّل المتزايد إلى الكهرباء لقطاعَي النقل والصناعة، والتوسُّع في طاقات تحلية المياه، وارتفاع الطلب على التبريد المرتبط بالنمو الحضري والظروف المناخية، جميعها تُعيدُ رسمَ أنماط الأحمال على الشبكات الوطنية. ويُضافُ إلى ذلك النمو السريع للبنية التحتية الرقمية، الذي يفرض نمطًا جديدًا تمامًا من الطلب على الكهرباء، يتميَّزُ بالاستمرارية العالية والحساسية لأيِّ انقطاع.
وفي هذا المشهد، لم تَعُد مراكز البيانات والمنصّات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مجرّد مكوّنات تقنية، بل أصبحت ركيزة أساسية في استراتيجيات التنافسية الاقتصادية، لا سيما في دول الخليج. فقد بلغ استهلاك مراكز البيانات عالميًا نحو 415 تيراواط ساعة من الكهرباء في العام 2024، مع توقُّعات بأن يصلَ إلى قرابة 945 تيراواط ساعة بحلول العام 2030، مدفوعًا بشكلٍ رئيس بأعباء عمل الذكاء الاصطناعي. وتحتاج مرافق الحوسبة فائقة التوسُّع عادةً إلى ما بين 50 و150 ميغاواط من الطاقة المستمرة، فيما قد يتجاوز استهلاك مجمعات الذكاء الاصطناعي الكبرى حاجز 200 ميغاواط مع توسُّع عملياتها، ما يضع ضغوطًا غير مسبوقة على شبكات الكهرباء والتخطيط الطاقي في المنطقة.
وتتجسّدُ طموحات المنطقة بأوضح صورها في المشاريع التي تربط الذكاء الاصطناعي مباشرة بالبنية التحتية للطاقة. فمدينة “أيون سينتيا” للذكاء الاصطناعي، المُخَطَّط لها في أبوظبي والمُتَوَقَّع إطلاقها في العام 2027، تقومُ على مُجَمَّع مراكز بيانات بقدرةٍ تصل إلى 5 جيغاوات، يمتدُّ على مساحةٍ تتجاوز 25 كيلومترًا مربعًا، ما يضعها ضمنَ أضخم المشاريع المُخَصَّصة للذكاء الاصطناعي عالميًا. وعلى خلاف الأحمال الصناعية أو السكنية التقليدية، تعمل هذه المرافق على مدار الساعة، وتتطلَّب مستوياتٍ عالية للغاية من جودة الطاقة، مع قابليةٍ لزيادة الاستهلاك بشكلٍ حاد خلال فتراتٍ زمنية قصيرة.
بالنسبة إلى أنظمة الكهرباء، يُحدث هذا الواقع تحوُّلًا جذريًا في منطق التخطيط. فلم تَعُد القدرة المُرَكَّبة وحدها المعيار الحاسم، بل برزت اعتبارات جديدة تتعلّق بجداول الربط الزمنية، وقوة النظام، والتكرار، والمرونة التشغيلية. ومع التوسُّع المتسارع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، يصبح الحفاظ على استقرار الشبكة أكثر تعقيدًا، لا سيما في ظلِّ تأثير التوليد المعتمد على العاكسات في قصور النظام وسرعة استجابته للأعطال والاضطرابات.
وتُظهِرُ سلطنة عُمان هذه المعادلة بجلاء. فبالتوازي مع توسيع قدرات الطاقة المتجددة بما ينسجم مع الأهداف الوطنية، تواجه الشبكة تحدي استيعاب الطلب المتنامي من القطاعات الصناعية، وتحلية المياه، والاستثمارات الرقمية. ويتطلّب دمج التوليد النظيف من دون الإخلال بالموثوقية تخطيطًا دقيقًا لتسلسل تحديثات الشبكة، إلى جانب حلولِ تخزينٍ فعّالة وقدرات تقليدية داعمة. كما يستدعي الأمر أُطُرًا تنظيمية وسياسات تُمكّنُ من التنفيذ المرحلي والنمطي، لا للبنية التحتية للطاقة فحسب، بل أيضًا لأصول الذكاء الاصطناعي والمدن التي تقوم على خدمتها.
وهنا تتضح الأهمية المحورية للتخطيط طويل الأجل القائم على رؤيةٍ شمولية للنظام بأكمله. فالبنية التحتية للطاقة لم تَعُد تُصمََّمُ فقط لتلبية الطلب الحالي، بل لتتوسّع معه تدريجًا، مع الحفاظ على قدرٍ عالٍ من المرونة يسمح لها بالتكيُّف مع مساراتِ نموٍّ مُتغيِّرة وغير مؤكّدة. وعندما يُنظَرُ إلى توليد الكهرباء، والشبكات، والطلب النهائي باعتبارها عناصر مُنفصلة، تكون النتيجة غالبًا ارتفاع التكاليف، وتزايد مخاطر الإمداد، وضياع فُرص استثمارية وتنموية. أما حين يُنَسََّقُ التخطيط بينها، فإنَّ الأنظمة تُصبحُ أكثر موثوقية، وأكثر جاذبية لرأس المال، وأقدر على مواكبة التحوُّلات المستقبلية.
وتبرزُ في هذا السياق دروسٌ مهمّة من مناطق نجحت في اجتياز تحوُّلات عميقة في قطاع الطاقة. ففي “أونتاريو” بكندا، كان الفحم يشكّلُ ما يقرب من ربع مزيج توليد الكهرباء. وعلى مدى عقدٍ واحد، أنجزت المقاطعة واحدة من أكبر عمليات التخلُّص التدريجي من الفحم على مستوى العالم، لتصل اليوم إلى مزيج طاقة تتجاوز فيه حصة المصادر الخالية من الكربون 90%. والأهم أنَّ هذا التحوُّل تحقّق مع الحفاظ على موثوقية الإمدادات ودعم النمو الاقتصادي، من خلال الاعتماد على مزيجٍ مُتوازن من التوليد منخفض الكربون، والطاقة الكهرومائية، ومصادر الطاقة المتجددة.
وتُسَلِّطُ هذه التجربة الضوء على حقيقة تزداد وضوحًا مع تصاعد الطلب على الكهرباء واستمراريته، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية: أنَّ أنظمة الطاقة تستفيد من مصادر توليد منخفضة الكربون تعمل على مدار الساعة لتكملة الإنتاج المتقلّب من الطاقة المتجددة. ونتيجة لذلك، تعود الطاقة النووية، إلى جانب حلول تخزين الطاقة وتحديث الشبكات، إلى الواجهة مجدّدًا ضمن نقاشات التخطيط طويل الأجل في عدد متزايد من المناطق، بوصفها عناصر داعمة للاستقرار والمرونة في منظومات طاقة تتجه بثبات نحو مستقبل أقل انبعاثًا وأكثر اعتمادًا على الكهرباء.
في الخلاصة، لا يتمثّل التحدّي الحقيقي الذي يواجه حكومات الشرق الأوسط في نقص الطموح، أو شحّ رأس المال، أو غياب الإرادة السياسية، بل في حُسنِ التنسيق ودقّة التوقيت وجودة التنفيذ. فأنظمة الطاقة، والبُنية التحتية الرقمية، والتنمية الحضرية لا يمكن التعامل معها كمساراتٍ متتابعة، بل كمنظومة واحدة يجب التخطيط لها بشكلٍ مُتكامل منذ البداية. فالمدن الجاهزة للمستقبل ستعتمدُ على أنظمة طاقة مَرنة وموثوقة بقدر اعتمادها على البيانات، والكفاءات البشرية، وتدفُّقات الاستثمار.
وتمتلك منطقة الشرق الأوسط مقوّمات فريدة تؤهّله لقيادة المرحلة المقبلة من التحوُّل العالمي في قطاع الطاقة، ليس فقط عبر نشر الطاقة النظيفة على نطاق واسع، بل من خلال تقديم نموذج عملي لكيفية تزويد مدن سريعة النمو، ومُكثّفة رقميًا، بالطاقة بصورة موثوقة ومستدامة وتنافسية في آن واحد. فالخيارات التي تُتَّخذُ اليوم بشأن تحديث الشبكات، وبناء القدرة الثابتة، وتعزيز مرونة الأنظمة، لن تَرسُمَ ملامح قطاع الطاقة فحسب، بل ستُحدّدُ أيضًا مدى متانة الاقتصادات الإقليمية وقدرتها على الصمود والنمو لعقود مقبلة.
- ماثيو ترايب هو نائب الرئيس الأول والمدير العالمي لسوق المباني والأماكن في شركة “أتكنز ريالس الشرق الأوسط” (AtkinsRealis Middle East).
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.