السَحابَة المُحَمََّلة بالكربون: كيف يُعيدُ الخليج تَصديرَ الوقودِ الأحفوري رَقميًّا

بينما تُسَوََّقُ الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي كرموز لاقتصاد ما بعد النفط، يكشفُ الواقع في الخليج مسارًا مختلفًا، تُعادُ فيه صياغة الطاقة الأحفورية الرخيصة في شكلِ بُنيةٍ رقمية كثيفة الاستهلاك للكهرباء. هذه “السحابة” ليست بلا أثر، بل تحمل معها كربونًا مُؤجَّلًا ونفوذًا سياسيًا مُتجدِّدًا.

“أدفانسد مايكرو ديفايسز” و”سيسكو سيستمز” و”هيومين”: شراكة لإطلاقِ مشروعٍ مشترك في السعودية يبدأ بمَرفَقِ حَوسبة بسعة 100 ميغاواط.

كميل عمّون*

على مدى سنوات طويلة، لم تتوقف دول مجلس التعاون الخليجي عن الإعلانِ عن طموحاتها لتنويع اقتصاداتها وفَكِّ ارتباطها التدريجي بعوائد النفط والغاز. وفي المرحلة الراهنة، يُطرَحُ الذكاءُ الاصطناعي بوصفه العنوان الأحدث لهذا التحوُّلُ المنشود، ومُحَرِّكًا واعدًا لاقتصادات ما بعد النفط. وقد تُرجِمَت هذه الرؤية إلى وثائق تخطيط اقتصادي كبرى، ومشاريع عملاقة تُقامُ في قلب الصحراء، وحملات ترويج لقطاعات جديدة يُرادُ لها أن تَعكِسَ انتقالَ المنطقة إلى نموذجٍ تنموي مختلف. غير أنَّ الواقعَ يُشيرُ إلى مفارقة أساسية: فالبنية العميقة للاقتصاد السياسي الخليجي ما زالت قائمة على وفرة الطاقة الأحفورية مُنخفِضة الكلفة، وهو اعتمادٌ مُستَمِرٌّ لا يقتصرُ تأثيره على مسارات التنمية المحلية فحسب، بل يمتدُّ أيضًا ليُشَكِّلَ مواقف دول الخليج واستراتيجياتها في الديبلوماسية المناخية على الساحة الدولية.

فعلى أرض الواقع، اتخذَ التنويعُ الاقتصادي في الخليج مسارًا أقرب إلى التوسُّعِ داخل منظومة الوقود الأحفوري نفسها، لا الخروج منها. فقد اتجهت كلٌّ من السعودية والإمارات إلى تعزيز صناعات البتروكيماويات، في خطوةٍ تهدفُ إلى النزول على طول سلسلة القيمة الهيدروكربونية بدلًا من مغادرتها. أما البحرين، ولاحقًا دبي، فراهنتا على قطاع الخدمات المالية، وهو قطاعٌ ازدهر أساسًا بفضل تدفقات رؤوس الأموال الإقليمية المُرتبطة بشكلٍ مباشر بثروات النفط والغاز. وفي موازاة ذلك، انتشرَ التطوير العقاري في مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية، مستوعبًا فوائض رأس المال، لكنه في الوقت نفسه رسّخ أنماطًا عمرانية تعتمد بشكلٍ كثيف على الطاقة الرخيصة للتبريد، وتحلية المياه، والنقل، والصيانة.

كما شهدَ قطاع السياحة نموًّا سريعًا، غير أنه يُعَدُّ من أكثر القطاعات استهلاكًا للمياه والطاقة، لا سيما في البيئات الصحراوية القاحلة. وبرزت الخدمات اللوجستية بوصفها ركيزةً مُحتملة أخرى، لكنها تبقى شديدة التأثُّر بتقلّبات طرق التجارة العالمية وبإعادة توجيهها المتزايدة نحو منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، ما يجعلها رهانًا غير مُستقر في المدى الطويل.

ويُقدّمُ قطاع إنتاج الألمنيوم في دول مجلس التعاون مثالًا كاشفًا على هذا النمط من “التنويع المشروط”. فرُغمَ تسويقه بوصفه قصة نجاح صناعي، إلّا أنه يقومُ في جوهره على ميزةٍ تنافُسية واحدة: وفرة الكهرباء الرخيصة المُوَلَّدة من الوقود الأحفوري. فإنتاجُ الألمنيوم عمليةٌ كثيفة الاستهلاك للطاقة، إذ يتطلّبُ تحويلُ البوكسيت إلى معدن عبر التحليل الكهربائي، وهو مسارٌ يحتاج إلى كمياتٍ هائلة من الكهرباء المستمرّة. وفي العام 2024، أنتجت خمسة مصاهر في دول الخليج نحو 6.3 ملايين طن من الألمنيوم الأولي، أي ما يقارب 9 في المئة من الإنتاج العالمي، ما جعل الألمنيوم ركيزةً أساسية من ركائز الصادرات غير النفطية الخليجية. غير أنَّ هذا التمركز الصناعي لا يَعكِسُ تقدُّمًا تكنولوجيًا أو قفزات في الإنتاجية، بقدر ما يعكس القدرة على تحويل الهيدروكربونات منخفضة الكلفة إلى مُنتجاتٍ صناعية قابلة للتصدير.

صحيحٌ أنَّ هذه الاستراتيجيات تُسهِمُ في تخفيف المخاطر المالية وتقليص تقلبات الإيرادات، لكنها لا تفكّ الارتباط البُنيوي بين اقتصادات الخليج والوقود الأحفوري. فهذه الاقتصادات تظلُّ ريعية في جوهرها، كثيفة الاستهلاك للطاقة، ومعتمدة هيكليًا على استخراج الهيدروكربونات. والمفارقة أنَّ هذا المنطق نفسه بدأ اليوم يعودُ بصيغةٍ أكثر تطوُّرًا وتعقيدًا، مدفوعًا بالتوسُّع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

رُغمَ الزخم السياسي والإعلامي المحيط بالذكاء الاصطناعي، لا يزال التنويع الحقيقي القائم على الابتكار الخوارزمي والبحث العلمي الرائد بعيد المنال بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي. فهذا النوع من الابتكار لا يُختَزَلُ في امتلاك التقنيات أو استيرادها، بل يقومُ على منظوماتٍ بحثية متكاملة، وحرية أكاديمية، وتداول مفتوح للمعرفة، وثقة مؤسّسية تُبنى على مدى زمني طويل. وهي شروطٌ لا يمكن استحضارها بسرعة، ولا تصنيعها عبر ضخّ رؤوس أموال ضخمة أو عبر الصناديق السيادية وحدها، مهما بلغ حجمها.

في المقابل، ومع التسارع اللافت في تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي عالميًا، بات من الصعب تجاهل الأسس المادية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي. فالحديث عن الخوارزميات والبرمجيات يخفي خلفه واقعًا أكثر صلابة: طلبًا متزايدًا على القدرة الحاسوبية، وسعات تخزين هائلة للبيانات، وبنية تحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة. وهنا تحديدًا تبرز نافذة جديدة لدول مجلس التعاون الخليجي.

فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في الفراغ، بل يعتمدُ على مراكز بيانات ضخمة، ومزارع خوادم، وأنظمة تبريد معقدة، وإمدادات مُستقرّة ومُستمرّة من الكهرباء. وفي هذا المجال، تتمتّعُ دول الخليج بميزاتٍ واضحة: طاقةٌ رخيصة وموثوقة، وأنظمةٌ سياسية قادرة على حشد الأراضي ورأس المال والبنية التحتية بسرعة وكفاءة، إضافةً إلى القدرة على نشر أنظمة تبريد واسعة النطاق في بيئات قاسية مناخيًا. وبهذا المعنى، لا تتموضع دول مجلس التعاون كمراكز لإنتاج المعرفة أو ابتكار الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل كمُضيفٍ أساسي للبنية التحتية المادية المُتقدِّمة التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي العالمي.

ومن هنا، يبرز التخزينُ السحابي بوصفه “ألمنيوم” المرحلة الجديدة في الخليج. فكما جرى سابقاً تحويل الطاقة الرخيصة إلى مُنتجاتٍ صناعية قابلة للتصدير، يجري اليوم تصدير الوقود الأحفوري بشكلٍ أكثر تجريدًا، عبر خدماتٍ رقمية تعتمدُ في جوهرها على استهلاكٍ كثيفٍ للطاقة. إنها نقلةٌ من الصناعة الثقيلة إلى “الصناعة الرقمية الثقيلة”، حيث تُترجَمُ الكهرباء الرخيصة إلى قدرة حوسبية تُباع في الأسواق العالمية.

عمليًا، بدأت ملامح هذه الاستراتيجية تتبلور بوضوح عبر موجةٍ مُتسارعة من الاستثمارات في مراكز البيانات العملاقة في المنطقة. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، أعلنت شركتا مايكروسوفت ومجموعة “جي 42” في أبوظبي عن توسعة سعة مركز بيانات “خزنة” بنحو 200 ميغاواط، في إطار التزام استثماري أوسع تصل قيمته إلى 15 مليار دولار. وفي المملكة العربية السعودية، دخلت شركتا “أدفانسد مايكرو ديفايسز” و”سيسكو سيستمز” في شراكة مع شركة “هيومين” المحلية المُتخصّصة في الذكاء الاصطناعي، لإطلاقِ مشروعٍ مشترك يبدأ بمَرفَقِ حَوسبة بسعة 100 ميغاواط.

وقد أُُتيحَت هذه المشاريع بفضل تطوُّراتٍ مُوازية على المستوى الجيوسياسي والتقني، من أبرزها موافقة الولايات المتحدة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المُتقدِّمة من شركة “إنفيديا” بقيمة مليارات الدولارات، ضمن اتفاقيات ثُنائية تهدفُ إلى دعم إنشاء مراكز بيانات ضخمة في دول مجلس التعاون الخليجي. وفي السياق نفسه، تستعدُّ الرياض لاستضافة القمة العالمية الرابعة للذكاء الاصطناعي في أيلول (سبتمبر) 2026، والتي ستجمع قادة حكومات، وصنّاع سياسات، ورؤساء شركات تكنولوجيا، وخبراء وباحثين من مختلف قطاعات البيانات والذكاء الاصطناعي، في خطوةٍ تَعكِسُ طموحَ المنطقة إلى ترسيخ موقعها كمحورٍ أساسي في البنية التحتية العالمية للاقتصاد الرقمي، حتى وإن بقي الابتكار العميق خارج متناولها في المدى المنظور.

يَعكِسُ اتساع هذا الاستثمار غير المَسبوق تَحَوُّل الحوسبة السحابية إلى ما يشبه “الألمنيوم الجديد” في منطقة الخليج، حيث تُعادُ صياغة الطاقة الرخيصة المُستخرجة من الوقود الأحفوري في هيئة سعات تخزين وقدرات حوسبية قابلة للتصدير، لكنها تظلُّ مُحمّلة ببصمةٍ كربونية ثقيلة، وإن جرى تسويقها تحت لافتة التنويع الاقتصادي. فـ”السحابة”، التي تُقدََّمُ غالبًا بوصفها فضاءً غير مادي وعابرًا للحدود، هي في حقيقتها بنية جغرافية كثيفة الحضور: تقع في أماكن محددة، وتستهلك كميات هائلة من الكهرباء، وتولّد حرارة تتطلب أنظمة تبريد مستمرّة ومُكلفة. وبهذا المعنى، لا يختفي الكربون عند نقطة الاستهلاك، بل يُعاد توزيعه مكانيًا ويُخفى سياسيًا خلف تجريد البيانات وقوة الحوسبة. ويمكن توصيف هذا التحوُّل بدقة بوصفه تصديرًا جديدًا لـ”سُحب الوقود الأحفوري” من قبل دول الخليج الغنية بالطاقة.

وتكتسب هذه الديناميكية بُعدًا سياسيًا إضافيًا مع عودة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP31) إلى المنطقة، في أنطاليا التركية، في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. فالتوسُّع المتسارع للبنية التحتية السحابية في الخليج يثير تساؤلات استراتيجية حول مستقبل العمل المناخي العالمي. إذ إنَّ استضافة حصة متزايدة من البنية الرقمية كثيفة الاستهلاك للطاقة —والتي لا يزال جُزء كبير منها يعتمد على الوقود الأحفوري— قد تمنح دول مجلس التعاون موقعًا تفاوضيًا أقوى في محادثات المناخ، يجمع بين دورها التقليدي كمُنتِجة للهيدروكربونات، ودورها الصاعد كمركز حيوي للبنية التحتية الحاسوبية العالمية.

هذا التداخل بين الطاقة والبيانات قد يُعيدُ تشكيل موازين القوة في الديبلوماسية المناخية، من خلال إعادة تعريف الاعتماد على الوقود الأحفوري لا بوصفه مسألة أمن طاقة فحسب، بل كضرورة رقمية استراتيجية متنامية. وفي حال استُخدِمَ هذا النفوذ لتعطيل مسارات التحوُّل الطاقي، فإنَّ دولَ الخليج ستكون قد نجحت في تعظيم القيمة الاقتصادية والسياسية لاحتياطياتها من الوقود الأحفوري، ليس عبر تأجيل نهايتها فحسب، بل عبر إعادة تدويرها في قلب الاقتصاد الرقمي العالمي.

  • كميل عمّون هو باحث غير مقيم في مركز مالكولم إتش كير كارنيغي للشرق الأوسط. يُركّز بحثه على تغيُّر المناخ والاقتصاد السياسي والتنمية الحضرية. وقد أمضى سابقًا عقدًا من الزمن في دبي يعمل على السياسات العامة المُتعلّقة بالاستقلاب الحضري والاستدامة والمرونة. ويعمل حاليًا مستشارًا سياسيًا في مجال العمل المناخي لدى منظمات دولية مختلفة، مع التركيز على منطقة الخليج العربي والمشرق العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى