عندما يَسقُطُ الريال… يَهتَزُّ النظام: إيران في أخطرِ اختبارٍ اقتصادي–سياسي منذ 1979

لم تَعُد أزمةُ إيران محصورةً في التضخُّم أو العقوبات، بل في انهيارِ العملة بوصفه لحظةً كاشفة لفشلٍ اقتصادي وسياسي مُتراكِم. ومع تحوُّلِ الريال إلى رمزٍ للعجز، خرجَ الاحتجاجُ من السوق إلى الشارع، واضعًا النظام أمامَ اختبارٍ وجودي لا تحسمه الأدوات التقليدية.

المرشد الأعلى علي خامنئي: القمع هو الرد على ما يجري، ولكن إلى متى؟

هشام الجعفري*

لم تبدأ موجةُ الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة بشعارٍ سياسي أو حادثةٍ رمزية تهزُّ الرأيَ العام، بل بدأت بصَمتِ الأسواق. في أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2025، أُغلقت متاجر البازار الكبير في طهران الواحد تلوَ الآخر، لا بوصفه فعلَ عصيانٍ مدني مُنَظَّم، بل لأنَّ النشاطَ الاقتصادي نفسه أصبح مستحيلًا. مع انهيار الريال إلى مستوياتٍ قاربت 1.4–1.45 مليون مقابل الدولار، فقدت السوق قدرتها على أداءِ أبسَطِ وظائفها: التسعير، البيع، وتعويض المخزون. عند تلك اللحظة، لم تتوقَّف السوق فقط، بل انكشفَ خللٌ أعمق يمسُّ جوهرَ العلاقة بين الدولة والمجتمع في إيران.

ما تلا ذلك لم يكن احتجاجًا اقتصاديًا تقليديًا، بل تحوُّلًا سريعًا إلى حراكٍ سياسي واسع النطاق، امتدَّ إلى أكثر من سبعين مدينة، واتخذ شعارات تتجاوز الغلاء والتضخُّم لتطعَن مُباشرةً في شرعية النظام. هنا يبرز الفارق الجوهري بين هذه الاحتجاجات واحتجاجات 2022 التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني. فبينما شكّلت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” تمرُّدًا أخلاقيًا واجتماعيًا على أنماط القمع اليومية، فإنَّ احتجاجات اليوم تضرُبُ في عمق قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد، أي في أحد الأسس البُنيوية لبقائها.

في التجربة الإيرانية، كان الاقتصادُ دومًا مساحةً حساسة، لكن نادرًا ما تحوَّلَ إلى هذا الحد إلى مصدرِ تهديدٍ سياسي مباشر. السبب لا يعود فقط إلى مستوى التضخُّم أو العقوبات، بل إلى انهيار العملة بوصفه نقطة الانكسار التي جمعت كلَّ أوجُه الأزمة في لحظةٍ واحدة.

هبوطُ الريال لم يَكُن تراجعًا تقنيًا في سعر الصرف، بل انهيارًا لوظيفة العملة نفسها. فالعملة، في أيِّ اقتصاد، ليست مجرَّدَ وسيلة تبادُل، بل أداةٌ لتنسيق التوقُّعات، وحفظ القيمة، وتنظيم الحياة اليومية. حين تفشل في هذه الوظائف، يتحوّلُ الاقتصاد إلى فضاءٍ غير قابلٍ للتنبُّؤ، وتصبح الدولة عاجزة عن بثِّ أيِّ شعورٍ بالاستقرار.

في إيران، انعكسَ ذلك أولًا في شلل آلية التسعير. ففي اقتصادٍ يعتمدُ بدرجةٍ كبيرة على الواردات، ترتبطُ الأسعار مباشرةً بسعر الدولار في السوق الموازية. ومع تقلُّباتٍ حادة وسريعة، بات البيع مغامرة خاسرة، وبات الاحتفاظ بالبضائع خطرًا سياسيًا قد يُعرِّضُ التاجر للاتهام بالاحتكار أو المضاربة. هكذا، لم يُغلَق البازار احتجاجًا بقدر ما أُغلِقَ دفاعًا عن البقاء.

لكنَّ الأثر الأعمق لانهيار العملة كان اجتماعيًا. فالريال يُشكّلُ الوعاءَ الأساسي لمُدَّخرات الطبقة الوسطى وأصحاب الدخول الثابتة. ومع الانهيار السريع، تبخَّرت القيمة الحقيقية للأجور والودائع، وانتقلت شرائح واسعة من المجتمع من حالة الضغط المعيشي إلى حالة الانكشاف الكامل. لم يَعُد التراجُع تدريجًا أو قابلًا للتكيُّف، بل وجوديًا: فقدان القدرة على التخطيط، وعلى تمويل التعليم والعلاج، وعلى الحفاظ على حدٍّ أدنى من الاستقرار الأُسَري.

في هذه النقطة تحديدًا، بدأ البُعدُ السياسي للأزمة يتبلور. فالدولة التي تعجز عن حمايةِ عملتها تفقدُ إحدى أهم ركائز الشرعية الحديثة. لم يَعُد الريال رمزًا للسيادة الاقتصادية، بل أصبحَ مؤشّرًا يوميًا إلى فشلِ الإدارة السياسية. تحوَّلَ سعرُ الصرف إلى لغةِ احتجاجٍ يتداولها الإيرانيون في حياتهم اليومية أكثر من أيِّ خطابٍ سياسي.

زادَ من حدّة هذا الشعور اتساعُ الفجوة بين الفئات الاجتماعية. فالمجموعات المُرتبطة بشبكات السلطة، أو القادرة على الوصول إلى الدولار المدعوم أو الأصول الصلبة، استطاعت حماية نفسها نسبيًا. في المقابل، تحمّلت الفئات غير المَحمِيَّة العبء الأكبر. هذا التفاوت عزّز القناعة بأنَّ الأزمة ليست قدرًا اقتصاديًا أو نتيجةً حتمية للعقوبات، بل ثمرة نظام توزيع غير عادل للخسائر، ما حوّل الغضب من الحكومة إلى غضب من بنية النظام نفسها.

هنا، لم يَعُد التضخُّم مجرَّدَ ظاهرة اقتصادية، بل أصبحَ مسألةً سياسية بامتياز. فالسؤال لم يَعُد لماذا ترتفع الأسعار، بل لماذا تُفرَضُ التضحيات دائمًا على المجتمع، فيما تبقى مؤسّسات النظام الإيديولوجية والأمنية بمنأى عن التقشُّف. مشروع الموازنة الذي قُدِّمَ نهاية 2025، بما تضمّنه من رفع ضرائب وتقليص دعم، عمّق هذا الشعور، إذ فُهم اجتماعيًا بوصفه إعلانًا بأنَّ الدولة اختارت تحميل المجتمع كلفةَ الفشل من دون مراجعة خياراتها الأساسية.

اللافت أنَّ ردَّ الفعلِ الشعبي لم يتَّخِذ شكلَ هلعٍ استهلاكي أو اندفاعٍ لتخزين السلع، كما يحدث عادةً في الأزمات النقدية. على العكس، سادت حالةُ انسحابٍ جماعي. تراجع الاستهلاك، توقّف التخطيط، وبرز شعورٌ عام بأنَّ المستقبل لم يَعُد قابلًا للتصوُّر. إنَّ هذا الشلل الاجتماعي، أكثر من أيِّ مؤشّرٍ اقتصادي، يعكسُ انتقالَ الأزمة من حَيِّزِ المعيشة إلى حَيِّزِ السياسة.

في هذا السياق، اكتسبَ إغلاقُ البازار دلالته التاريخية. فالبازار لم يكن يومًا مجرّد سوق، بل كانَ على الدوام فاعلًا سياسيًا غير مباشر. في 1906، لعب دورًا في الثورة الدستورية، وفي 1979 كان أحد أعمدة إسقاط نظام الشاه. صحيحٌ أنَّ المشهد الحالي لا يُطابِق تلك اللحظة التاريخية، إذ لا تزال النُخَب التجارية الكبرى مُتردِّدة، لكن مجرّد اضطرار البازار إلى الإغلاق يعكسُ مدى عُمق الاختلال الاقتصادي.

هذا التردُّد يُفسّرُ لماذا لا يبدو سيناريو 1979 قابلًا للتكرار السريع. فالنظام لا يزالُ يحتفظ بتماسُكٍ أمني، ولا تزال شرائح اقتصادية نافذة ترى في الاستقرار القمعي خيارًا أقل كلفة من المجهول. لكن هذا لا ينفي هشاشة الوضع، بل يؤكّدها: نظامٌ يعتمدُ على فئات مستفيدة ضيِّقة لا يستطيع الادعاء بتمثيل قاعدة اجتماعية واسعة.

إذا كانت 1979 تُمثّلُ ذاكرةَ الثورة، فإنَّ 2009 تُمثّلُ ذاكرةَ الخيبة. الحركة الخضراء عبّرت آنذاك عن أملٍ واسعٍ في الإصلاح من داخل النظام. قُمِعَت الحركة، لكن أثرها الأعمق كان تآكل الثقة بفكرة الإصلاح التدريجي. ومنذ ذلك الحين، شهدت إيران موجاتَ احتجاجٍ مُتتالية انتهت جميعها تقريبًا بالقمع والتسويف. هذا الإرث يُفسّرُ لماذا لم تعد الشعارات الإصلاحية قادرة على التعبئة، ولماذا يُنظَرُ اليوم إلى رئاسة الجمهورية بوصفها أداةَ امتصاص غضب لا محرّك تغيير.

في هذا الإطار، تبدو المقارنة مع انتفاضات “الربيع العربي” حاضرة ولكن غير مكتملة. هناك تشابُهٌ في نقطة الانطلاق: اقتصاد مأزوم، شعور بالإهانة، وانعدام العدالة. لكن الفارق البنيوي يتمثّلُ في قدرة الدولة الإيرانية على استخدام الإيديولوجيا والأمن لإدارة الأزمات. لذلك، فإنَّ سيناريو الانهيار السريع يبدو أقل ترجيحًا، فيما يبرز سيناريو أكثر تعقيدًا: دولةٌ تستمرُّ شكليًا، لكنها تدخل في حالة تآكل طويل الأمد.

في قلبِ هذا المشهد يقف المرشد الأعلى، علي خامنئي، أسيرَ قراءةٍ تاريخية ترى في أيِّ تنازُلٍ جوهري بدايةً للانهيار. هذه القناعة تُفسّرُ اعتماد النظام مزيجًا من الاعتراف المحدود بالمشكلات، واتهام الخارج، واستخدام القمع كأداةٍ أساسية لضبط الشارع. لكنها أيضًا تُفسّرُ عجز النظام عن إنتاج حلولٍ بُنيوية، والاكتفاء بإدارة الأزمات بدل حلّها.

تأتي هذه الاحتجاجات كذلك في سياقٍ دولي وإقليمي يُضَيِّقُ هامشَ المناورة. تراجع نفوذ الحلفاء والأذرع، الضربات التي طالت البرنامج النووي في 2025، وعودة سياسة الضغط الأقصى، كلها عوامل زادت العبء الاقتصادي، من دون أن تدفع النظام إلى المرونة. على العكس، غالبًا ما يتزامن الاضطراب الداخلي مع تشدُّدٍ خارجي، خشية تفسير أي مرونة بوصفها ضعفًا.

أمام هذا المشهد، يمكن تصور ثلاثة مسارات للعامَين المقبلين. الأول، وهو الأرجح، يتمثّل في تشدُّدٍ مُدار: قمعٌ محسوب مع إجراءاتٍ اقتصادية جُزئية لإبقاء الأسواق على قيد الحياة من دون معالجة الجذور. الثاني، مسارُ التآكل البطيء، حيث تتكرّرُ الاحتجاجات مع كلِّ صدمةٍ اقتصادية أو بيئية، ما يُنهِكُ الدولة والمجتمع معًا. أما الثالث، وهو الأقل احتمالًا، فيتمثّلُ في تحوُّلٍ مُنظَّمٍ من أعلى يُعيدُ توزيعَ السلطة ويُغيّرُ الأولويات الاقتصادية والسياسية.

في الخلاصة، لم تَعُد الاحتجاجات في إيران تدور حول الأسعار أو الرواتب، بل حول قدرة الدولة على إنتاج الاستقرار ذاته. النظام لا يزال قادرًا على البقاء، لكنه يفعل ذلك عبر إدارةِ الأزمات لا حلّها. أما المجتمع، فقد دخل مرحلة لم يعد فيها الصبر استراتيجية سياسية.

السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت إيران ستتغيّر، بل كيف، ومتى، وبأيِّ كلفة.

  • هشام الجعفري هو مراسل “أسواق العرب” في طهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى