باكستان في الخليج… فخُّ الضمانات الجديدة
كابي طبراني*
لم تعد علاقات باكستان بدول الخليج تقتصر على تعاون عسكري قديم وروابط سياسية ومالية وثيقة. فالاتفاقات الدفاعية الأخيرة رفعت سقف التزامات إسلام آباد، ووضعتها أمام اختبار جديد: ماذا يحدث عندما تتحول الشراكة المرنة إلى تعهّد بالدفاع، وتصبح باكستان مطالبة بالتوفيق بين التزاماتها الخليجية ومصالحها المتشابكة مع إيران والهند؟
طوال عقود، نجحت إسلام آباد في إدارة علاقاتها الخليجية بقدر كبير من المرونة. فقد احتفظت بعلاقة استثنائية مع المملكة العربية السعودية، ووسّعت تعاونها العسكري مع دول خليجية أخرى، وفي الوقت نفسه أبقت قنواتها مفتوحة مع إيران، بينما ظلَّ الصراع مع الهند محور عقيدتها الأمنية وأولويتها الاستراتيجية الأولى.
كانت هذه المعادلة قابلة للإدارة ما دام التعاون مع الخليج يقوم أساسًا على التدريب والتنسيق والمساعدات والعلاقات العسكرية الثنائية. لكن الانتقال إلى اتفاقات تتضمّن التزامًا بالدفاع المشترك يغيّر طبيعة العلاقة؛ لأنَّ التعهّد بالدفاع عن دولة أخرى يبدو أقل تعقيدًا في أوقات السلم مما يصبح عليه عندما تقع الحرب.
هنا تبدأ المعضلة الباكستانية.
إذا تعرّضت السعودية لهجوم واسع، سيكون السؤال الأول هو مدى استعداد إسلام آباد لترجمة التزاماتها السياسية إلى تدخُّل عسكري فعلي. وإذا كان مصدر الهجوم إيران، أو قوة مرتبطة بها، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأنَّ باكستان لا تستطيع التعامل مع الجمهورية الإسلامية باعتبارها خصمًا بعيدًا يمكن احتواء تداعيات مواجهته.
إيران جارة لباكستان، وتشترك الدولتان في حدود تمتد نحو 900 كيلومتر، فيما تواجه المناطق الحدودية أصلًا تحديات أمنية وعمليات تهريب ونشاط جماعات مسلحة. ومن شأن مواجهة مفتوحة مع طهران أن تنقل جزءًا من أزمة الخليج إلى الداخل الباكستاني نفسه، في وقت لا تستطيع إسلام آباد تحمّل فتح جبهة استراتيجية جديدة غربًا بينما تبقى الهند هاجسها الأمني الأكبر شرقًا.
في المقابل، لا تستطيع باكستان التعامل بخفة مع أيِّ التزام تجاه السعودية. فالعلاقة بين البلدين أعمق من تعاون عسكري ظرفي؛ إذ امتدت لعقود وشملت دعمًا اقتصاديًا وماليًا وسياسيًا وعسكريًا. ومن ثمَّ، فإنَّ أيَّ تردُّد باكستاني في لحظة تتعرّض فيها المملكة لخطر حقيقي يمكن أن يثير أسئلة حول قيمة التعهّدات الدفاعية الجديدة ومضمونها.
سبق لإسلام آباد أن اختبرت جانبًا من هذه المعضلة. ففي عام 2015، عندما طلبت السعودية دعمًا عسكريًا في حرب اليمن، اختار البرلمان الباكستاني عدم المشاركة المباشرة، مُفضّلًا الحياد في الصراع. وكانت الرسالة يومها أنَّ للعلاقة الاستراتيجية مع الرياض حدودًا عندما يصبح الانخراط العسكري مُهدِّدًا لتوازنات باكستان الداخلية وعلاقاتها الإقليمية.
لكن الحفاظ على مثل هذه المسافة أصبح اليوم أكثر صعوبة بعدما ارتفع مستوى الالتزامات الدفاعية.
يزيد السلاح النووي الباكستاني هذه المعادلة تعقيدًا. فوجود قوة نووية ضمن ترتيبات دفاعية خليجية يرفع تلقائيًا مستوى التوقعات، حتى من دون إعلان صريح عن مظلة نووية. غير أنَّ الترسانة الباكستانية نشأت تاريخيًا في سياق الردع مع الهند، ولم تُبنَ أساسًا لإدارة صراعات الشرق الأوسط أو توفير ضمانات نووية لدول بعيدة من جنوب آسيا.
نتيجة ذلك، تجد إسلام آباد نفسها أمام توازن دقيق. فكلّما أوحت بأنَّ قدراتها النووية جزء من التزاماتها الدفاعية الجديدة، ارتفعت توقعات شركائها وزادت حساسية خصومهم. وكلّما تركت طبيعة هذه الالتزامات غامضة، اتسعت المسافة بين الرسالة السياسية والضمان العسكري الفعلي.
لكن الحسابات لا تنتهي عند السعودية وإيران؛ فالهند تراقب بدورها توسع الحضور الباكستاني في الخليج.
لقد بنت نيودلهي خلال السنوات الماضية علاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى، وأصبح الخليج مجالًا حيويًا لمصالحها في الطاقة والتجارة والاستثمار، فضلًا عن وجود ملايين الهنود العاملين فيه. لذلك لن تنظر الهند بلا مبالاة إلى انتقال خصمها النووي التاريخي من شريك عسكري تقليدي لدول المنطقة إلى طرف أكثر حضورًا في ترتيباتها الدفاعية.
النتيجة مفارقة دقيقة: كلّما اتسع نفوذ إسلام آباد في الخليج، ازدادت القيود التي يفرضها هذا النفوذ على حريتها في الحركة خارجه.
أما دخول تركيا على خط الترتيبات الدفاعية الجديدة، فيُخفف من جهة العبء الذي قد يقع على باكستان وحدها، لكنه يضيف من جهة أخرى أسئلة جديدة حول كيفية عمل هذه الترتيبات عند وقوع أزمة فعلية.
فأنقرة تمتلك جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متطورة وخبرة عملياتية واسعة، ما يجعل وجودها عاملًا مهمًا في أيِّ تعاون عسكري ثلاثي. لكن الانتقال من إعلان التضامن إلى العمل المشترك يحتاج إلى ما هو أكثر من الإرادة السياسية. مَن يحدّد أنَّ اعتداءً ما يستوجب تدخُّل الشركاء؟ وما طبيعة هذا التدخّل؟ وهل يعني إرسال قوات، أم توفير دفاعات جوية، أم دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا؟ وماذا يحدث إذا اختلفت حسابات الأطراف الثلاثة حيال الخصم أو حجم الرد؟
إنَّ التحالفات لا تواجه أصعب اختباراتها عند توقيعها، بل عندما تختلف مصالح أعضائها في لحظة الخطر.
تلك هي المفارقة التي تواجه باكستان. فقد حققت إسلام آباد مكسبًا استراتيجيًا واضحًا بانتقالها من شريك عسكري تقليدي إلى لاعب مطلوب في الترتيبات الإقليمية الجديدة. وهذا يمنحها نفوذًا سياسيًا ومكانة تتجاوزان مجالها التقليدي في جنوب آسيا.
لكن النفوذ يأتي معه التزام.
فالدولة التي تبيع السلاح أو توفر التدريب تستطيع أن تختار حدود مشاركتها بسهولة نسبية. أما الدولة التي تُقدّم ضمانة دفاعية، فإنها قد تجد نفسها مُطالَبة باتخاذ موقف عندما تصبح مصالح أصدقائها متعارضة مع مصالحها هي.
لعلَّ التحدي الأكبر أمام إسلام آباد سيكون الحفاظ على الميزة التي خدمت سياستها الخارجية طويلًا: قدرتها على إقامة علاقات وثيقة مع أطراف متنافسة من دون الاضطرار إلى الاختيار بينها. فكلما أصبحت التعهّدات الدفاعية أكثر وضوحًا، تقلصت مساحة الغموض التي أتاحت لها تلك المرونة.
نجحت باكستان طويلًا في أن تكون صديقة للسعودية، وجارة لإيران، وخصمًا للهند، من دون أن تضطر إلى جمع هذه العلاقات الثلاث في اختبار واحد. لكن انتقالها من الشراكة العسكرية إلى التعهّد بالدفاع عن الآخرين قد يجعل هذه المعادلة أصعب بكثير.
إنَّ الضمانات تمنح الدولة نفوذًا ما دامت الحرب بعيدة؛ أما عندما تبدأ الأزمة، فإنها تطالب صاحبها بثمنها. وعندها لن يكون السؤال ماذا وقّعت إسلام آباد، بل أيَّ علاقة من علاقاتها ستكون مستعدة للمخاطرة بها كي تفي بما وقّعت عليه.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



