“أُوروبّ” بنْتُ صُوْر وسيّدة أُوروبا
هنري زغيب*
ليست هوًى عاطفيًّا – حين الدولُ الأُوروبية في 1 كانون الثاني/يناير 1999 اعتمدَت الـ”يورو” عملةً موحَّدة – بادرةُ اليونان بقرارها إِصدارَ قطعة 2 يورو المعدنية حاملةً صورة أُوروبّ الفينيقية على ظَهرِ ثورٍ هو زوس استحال ثورًا وخطفَها عن شط صُوْر..
وليست هوًى شوڤينيًّا – موازاةً معرضَ “لبنان: الضفَّة الأُخرى” (في “معهد العالَم العربي” من 27 كانون الثاني/يناير 1998 إِلى 2 أَيار/مايو 1999) – بادرةُ فرنسا بإِصدار طابع بريدي (1999) يمثِّل أُسطورة خطْف أُوروبّ عن شطّ صُوْر..
إِنها صُوْر… وها هي صبيَّتُنا، بنتُ أَشنَّار ملِك صُوْر، يَهيم بها زوس كبيرُ آلهة الأُولِمپ، فيهبط إِليها بصورةِ ثورٍ أَبيضَ جميلٍ، حتى إِذا أَنِسَتْ إِليه، واقتربَت منه ببراءة الماجدات، حملَها على متْنه وطار بها فوق البحر إِلى جزيرة كْريت.. وفي بقيَّة الأُسطورة، أَنَّ والدَها الملك طلب إِلى ابنه قدموس اللحاقَ بحثًا عن أُخته، فاجتاز المتوسط، وبلغَ مدينةَ دِلْف الإِغريقية وفيها معبد أَبولون، وأَسَّس مدينة ثيبة (في “البيوسى”، حاليًّا على نحو 70 كلم شماليَّ أَثينا) وفيها، كما يَذْكر المؤَرِّخ الروماني پلينْ (24-79م.)، بدأَ باكتشاف المناجم، وشقِّ قنوات المياه، وتعليم الصباغ بأَصداف الأُرجوان (الموركس)، والأَهَمّ والأَشهر: تعليم الأَغارقة الأَبجديةَ الفينيقية..
ومن كنوز الإِرث الفينيقي وتأْثيرها على الحضارة الإِغريقية، انتشارُ أُسطورة خطْف أُوروب.. منذ القِدم على النقود المسكوكة، وعلى الأَواني الفخارية والجدرانيات ولوحات الفسيفساء وبالمنحوتات.. ومع ازدهار عصر النهضة، تتالت اللوحات الزيتية الكبرى تَنقُل هذه الأُسطورة بريشات كبار المبدعين، في طليعتهم لو تيتيان (1562)، فرنشسكو جورجيو (1464)، پاولو ڤيرونيز (1570)، فرنشسكو زوكاريلِّي (1750)، فرنسوَى بوشيه (1747)، بيار بول روبنز (1628)، غوستاف مورو (1869)، وكذلك رامبرانت (1632) وهو رسمها في مدريد تأَثُّرًا بلوحة لو تيتيان (كان يدرس أَعماله في المجموعة الملَكية الإِسبانية) لكنه أَضاف إِليها عناصر تجعلها على الإِطلاق في طليعة ما صدر في الفن التشكيلي من روائع عن خطْف أُوروب بنْتِ صور..
إِنها صُوْر، إِذًا، مدينتُنا العظيمة الخالدة التي طبعَت بحضارتها العالم القديم، حتى انبهَر بها المؤَرخ والدبلوماسي الفرنسي بول موران (1888-1976) فاكتشفَ إِرثها وإِرث جارتها الجنوبية العظيمة الأُخرى صيدا، وكتَب: “جاءَت حقبة من التاريخ، كانت فيها صُور وصيدا كلَّ تاريخ العالَم” (في كتابه “الأَبيضُ المتوسط بحرُ المفاجآت” – باريس 1938)..
إِنها صُوْر… تاجُ لبنان المرصَّعُ بالخلود على مرّ الزمان.. مرَّ بها الفينيقيون والفُرس واليونان والرومان والبيزنطيون والعرب والصليبيون والعثمانيون.. صُور التي باتت ابنةُ ملِكها أَشنَّار سيّدةَ قارَّة كاملة اسمُها “أُوروبا”.. وتوَسَّعَ فضاءُ الإِرث الفينيقي، ونجمتُهُ صُوْر، فتلاقحت حضاراتٌ على المتوسط من مصر إِلى سومر وسواهما، وكانت له المبادلات الكبرى في التاريخ منذ القرنَين التاسع والثامن قبل الميلاد، حاملًا حضارةَ السلام إِلى أُمَّهات المدُن على شاطئ المتوسط..
إِنها صُوْر… وإِنها رسالة “الجمعية الدولية لحماية صُوْر”، و”الجمعية اللبنانية للحفاظ على آثار صُوْر” وعُمْدتُهُما معًا سفيرةُ النوايا الصالحة لدى الأُونسكو السيّدة مهى الخليل الشلبي، المتكرِّسةُ لإِرث صُوْر تنظيمَ ندواتٍ ومعارضَ ومؤْتمراتٍ محلية ودُولية، معظمُها بمشاركة الأُونسكو أَو برعايتها، وجميعُها تَغْنم من شبكة مدنٍ وعواصمَ تعرف أَهمية صُوْر، حرَّكتْها من علاقاتها بها الدكتورة مهى من أَجل صُوْر..
إِنها صُوْر… ملكةُ المدُن في أَزهى عصور البشرية، الرابطةُ الحضاريةُ مع الحضارات القديمة، النافثةُ فيها نَفَس الروحانيات والأَخلاقيات والثقافات مدى العصور، ما يجعل مدينتَنا العظيمة منارةً حضاريةً على ضفَّتَي المتوسط، يَغْنى بها العالم ويكبُرُ بها لبنان..
يا دولة، يا هذه الدولة، أُقلُبي الدنيا على رؤْوس حكَّام العالَم، فليس في العالَم إِلَّا صُوْر واحدة ووحيدة، كي Top of Formيقِفُوا درعًا واحدةً في وجه تنِّين صاعق يتهدَّد مدينتنا العظيمة ومعالِمَنا الحضارية الفريدة..
هذا، أَو لا تكونين دولةً تستحقُّ أَن تَحكُم وطنًا متفَوِّقًا بحضارته، يستاهلُهُ مصيرُ لبنان.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت)



