مَن سيبني المشرق العربي؟ (5 من 6)
الحروب التي تعصف بالمشرق العربي لم تنتهِ بعد، لكنَّ الصراعَ على ما سيأتي بعدها بدأ بالفعل. في هذه السلسلة نسأل: مَن سيعيد بناء دول المشرق واقتصاداته، ومَن سيموّل نهوضه، وأي توازنات ستُحدد موقعه في النظام الإقليمي المقبل؟

الحلقة الخامسة
المشرق العربي… مَن يصنع النظام الجديد؟
كابي طبراني*
على مدى العقدين الماضيين، كان أحد الأسئلة الكبرى في المشرق العربي: مَن يملأ الفراغ الذي يتركه تراجُع الدولة؟ فمن العراق بعد عام 2003 إلى سوريا ولبنان وفلسطين، أتاح ضعف المؤسسات وتوالي الحروب لقوى محلية وإقليمية أن توسّعَ نفوذها، مستفيدةً من الأحزاب والجماعات المسلحة وشبكات المصالح بقدر استفادتها من العلاقات التقليدية بين الدول.
لكن المنطقة تقف اليوم أمام سؤال مختلف: مَن سيملك القدرة على تشكيل ما يأتي بعد مرحلة الفراغ؟
فإذا كانت سنوات التفكك والحروب قد منحت أفضلية لمَن يملك السلاح والوكلاء والقدرة على التعطيل، فإنَّ مرحلة الاستقرار وإعادة البناء، إذا استطاع المشرق بلوغها، ستحتاج إلى أدوات أخرى: دولة قادرة، ورأس مال، وبنية تحتية، وتجارة، وشبكات طاقة ونقل، وقدرة على ربط اقتصادات المنطقة بعضها ببعض وبالعالم.
لا يعني ذلك أنَّ الصراعات القديمة انتهت، أو أنَّ القوة العسكرية والجماعات المسلحة فقدت قدرتها على التأثير. فالمنطقة لا تزال تحمل آثار الحروب والانقسامات، كما أعادت القضية الفلسطينية إثبات قدرتها على قلب الحسابات الإقليمية وتعطيل التصوّرات التي تقوم على إمكان بناء نظام جديد من دون معالجة صراعاته الأساسية.
الذي يتغيّر هو أنَّ القدرة على التعطيل قد لا تعود وحدها كافية لصناعة النفوذ. ففي مرحلةٍ سابقة، كان النفوذ يُقاس إلى حدٍّ بعيد بالقدرة على السيطرة على أرض، أو دعم حليفٍ محلي، أو تعطيل خصم. أما المرحلة المقبلة فقد تجعل القدرة على البناء والاستثمار وربط الاقتصادات وصناعة الاعتماد المتبادل مصدرًا للقوة لا يقلُّ أهمية عن القدرة العسكرية.
وهنا تبدأ المنافسة الحقيقية على المشرق المقبل. فالقوى الإقليمية والدولية تدخلها بأدوات مختلفة، من السلاح وشبكات النفوذ إلى رأس المال والجغرافيا والتجارة والتكنولوجيا.
لكن السؤال الذي سيحدد النتيجة ليس فقط: مَن يملك القوة الأكبر؟ بل مَن يملك مشروعًا يستطيع تحويل القوة إلى نظام؟
حين كان الفراغ يصنع النفوذ
كان العراق أحد أهم ميادين التحوّل الذي أصاب بنية القوة في المشرق. فقد أدى سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وما أعقبه من تفكك واضطراب إلى إضعاف دولة كانت تمثّل إحدى ركائز التوازن الإقليمي، وفتح المجال أمام قوى داخلية وخارجية لإعادة توزيع النفوذ. وبعد أقل من عقد، دخلت سوريا حربًا طويلة أضعفت الدولة ومؤسساتها، فيما واصل لبنان العيش داخل نظام تتقاطع فيه سلطة المؤسسات الرسمية مع نفوذ قوى سياسية ومسلّحة تتجاوز علاقاتها الحدود الوطنية.
وكانت إيران من أكثر القوى قدرة على الاستفادة من هذه البيئة. فبدل الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة وحدها، بنت طهران على مدى سنوات شبكة من العلاقات مع أحزاب وفصائل مسلحة وقوى سياسية واجتماعية في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين. وقد أتاح لها هذا النموذج التأثير في عدد من ساحات المشرق من دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة عليها.
وتكمن قوة هذا النموذج في قدرته على العمل داخل الدولة الضعيفة. فالنفوذ لا يحتاج دائمًا إلى السيطرة على مؤسسات الدولة كلها؛ قد يكفي امتلاك القدرة على التأثير في قراراتها، أو تعطيل خيارات معينة، أو الاحتفاظ بقوة مسلحة موازية تضع حدودًا لما تستطيع السلطة الرسمية القيام به. وهكذا تحوّلت هشاشة الدولة في بعض ساحات المشرق من نتيجةٍ للصراع إلى أحد الشروط التي تسمح باستمرار النفوذ الخارجي.
لكن الأدوات التي تمنح النفوذ في زمن التفكك ليست بالضرورة الأدوات القادرة على ترسيخه في زمن الاستقرار. فالشبكات التي تجيد القتال والتعبئة السياسية وامتلاك أدوات التعطيل لا تستطيع بالضرورة بناء اقتصاد منتج، أو توفير الكهرباء والخدمات، أو جذب الاستثمارات، أو إعادة تأهيل المدن والبنية التحتية. بل إنَّ بعض البنى التي تنمو في ظلِّ اقتصاد الحرب قد تصبح عقبة أمام الانتقال إلى اقتصادٍ يحتاج إلى القانون والمؤسسات والاستقرار.
وهنا تظهر إحدى المفارقات التي قد تحدد المرحلة المقبلة: كلما استعادت الدولة قدرتها، تغيرت الأدوات اللازمة لصناعة النفوذ داخلها.
ولا يعني ذلك أنَّ النفوذ الإيراني، أو نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة به، سيتراجع تلقائيًا. فهذه الشبكات تراكمت على مدى عقود، وأصبحت لها امتدادات سياسية واقتصادية واجتماعية لا تختفي بمجرد توقف الحرب. لكن البيئة التي صنعت قوتها قد تتغيّر إذا انتقلت أولويات المجتمعات من النجاة من الصراع إلى البحث عن العمل والخدمات والاستقرار والنمو.
عندها تتغيّر المنافسة نفسها. فلا يعود السؤال فقط مَن يستطيع امتلاك النفوذ داخل الدولة أو تعطيل قراراتها، بل مَن يستطيع بناء علاقات ومصالح تمنحه نفوذًا من نوعٍ مختلف.
ومن هذه النقطة تحديدًا يدخل الخليج العربي إلى المعادلة. فهو لا يحمل النموذج نفسه ولا الأدوات نفسها. وإذا أصبحت إعادة البناء والربط الاقتصادي إحدى ساحات التنافس على المشرق، فقد يصبح الاستثمار أداة للنفوذ بقدر ما كان السلاح أداة له في مرحلة الفراغ.
الخليج… حين يصبح الاقتصاد أداةَ نفوذ
إذا كانت إيران قد بنت جانبًا مهمًا من نفوذها في المشرق خلال مرحلة ضعف الدولة، فإنَّ دول الخليج تدخل المرحلة المقبلة بأدوات مختلفة. فهي تمتلك رأس المال والصناديق السيادية والشركات والخبرة في الطاقة والبنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية، وهي أدوات تزداد قيمتها كلما انتقلت المنطقة من إدارة الحروب إلى البحث عن الاستقرار وإعادة البناء.
ولا يعني ذلك أنَّ الخليج كان غائبًا عن المشرق. فقد حضرت السعودية والإمارات وقطر والكويت سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا بدرجات متفاوتة على مدى عقود. لكنَّ التحوُّلَ المحتمل اليوم يكمن في طبيعة هذا الحضور: من التعامل مع الأزمات ونتائجها إلى بناء مصالح اقتصادية طويلة الأجل تستطيع التأثير في اتجاه المنطقة.
ويبدو العراق أحد أبرز ميادين هذا التحوُّل. فبعد سنوات طغى خلالها التنافس الإيراني-الأميركي على صورته الإقليمية، تزداد أهمية علاقاته الاقتصادية مع محيطه العربي، من الطاقة والربط الكهربائي إلى التجارة والاستثمار والنقل. وكلما اتسعت شبكة شركائه، ازدادت قدرته على تنويع خياراته وتقليل اعتماده المفرط على اتجاه واحد.
أما سوريا ولبنان، فالمعادلة فيهما أكثر صعوبة. فكلاهما يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لاستعادة النشاط الاقتصادي وتأهيل البنية التحتية، لكن قدرة الخليج على الانتقال فيهما من المساعدة إلى الاستثمار ستظل مرتبطة بالظروف التي تسمح ببناء مصالح اقتصادية طويلة الأجل.
لكن الحديث عن “دور خليجي” واحد سيكون مضلِّلًا. فالسعودية والإمارات وقطر والكويت لا تتحرّك وفق استراتيجية موحَّدة، ولكلٍّ منها مصالحها وأدواتها. بالنسبة إلى السعودية، يرتبط استقرار المشرق بالأمن وبامتداد جغرافي يصلها عبر العراق والأردن وسوريا بشرق المتوسط وتركيا. أما الإمارات، فينسجم حضورها بدرجة أكبر مع خبرتها في الموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة والاستثمار الدولي، فيما تجمع قطر بين الاستثمار والوساطة والعلاقات السياسية، وتملك الكويت خبرة طويلة في التمويل التنموي. وقد تتقاطع هذه الأدوار أو تتنافس، لكنها تشترك في امتلاك أدوات اقتصادية تستطيع أن تمنح الخليج وزنًا متزايدًا في مرحلة ما بعد الحرب.
وقد تكون الأهمية الأبعد مدى لهذا الحضور في قدرته على إعادة ربط الجغرافيا. فالسكك الحديدية وشبكات الكهرباء وخطوط الطاقة والطرق والموانئ لا تنقل السلع فقط، بل تنشئ مصالح متبادلة. وهنا يبرز العراق والأردن بوصفهما عقدتين محتملتين بين الخليج وتركيا وشرق المتوسط، فيما تستطيع سوريا، إذا استقرّت، أن تستعيدَ جُزءًا من وظيفتها كجسرٍ بين أقاليم المنطقة بدل أن تبقى خط تماس بينها.
لكن هذا لا يعني أنَّ المال سيحل محل الأدوات الأخرى للقوة. فإيران تمتلك شبكات سياسية وعسكرية واجتماعية تراكمت على مدى عقود، بينما تتحرك دول الخليج أساسًا عبر الاستثمار والعلاقات بين الدول والاندماج الاقتصادي. لذلك لن تكون المرحلة المقبلة، على الأرجح، مواجهة بسيطة بين “النفوذ الإيراني” و”المال الخليجي”، بل تنافسًا بين نماذج مختلفة للنفوذ، تتغيّر أوزانها بحسب طبيعة المرحلة وقدرة كل منها على إنتاج مصالح يصعب الاستغناء عنها.
والخليج ليس وحده من يرى في المشرق مساحة لإعادة ترتيب المصالح. ففي الشمال، تمتلك تركيا ما لا تستطيع أي قوة أخرى اكتسابه بالاستثمار: الجغرافيا. وإلى الغرب، تنظر إسرائيل إلى التحولات الجارية من زاوية أمنية مختلفة، فيما تبقى فلسطين قادرة على وضع حدود لأيِّ تصوُّر لنظام إقليمي يحاول تجاوزها.
تركيا وإسرائيل… وفلسطين التي لا يمكن تجاوزها
إذا كانت دول الخليج تدخل المشرق بأدواتٍ يغلب عليها الطابع الاقتصادي والاستثماري، فإنَّ تركيا وإسرائيل تنظران إليه من زاوية مختلفة. فبالنسبة إليهما، لا يمثل المشرق سوقًا أو مجالًا للاستثمار فحسب، بل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي، حيث تتداخل الحدود مع التجارة والطاقة والمياه والتهديدات العسكرية والقضايا السكانية والسياسية.
تتمتع تركيا، قبل كل شيء، بميزة الجغرافيا. فهي ترتبط مباشرة بالعراق وسوريا، ولا تستطيع التعامل مع ما يجري فيهما باعتباره أزمة بعيدة من حدودها. فالقضية الكردية، واللاجئون، والمياه، والتجارة، وأمن الحدود، والوصول إلى الخليج، تجعل استقرار المشرق جزءًا من حسابات أنقرة الداخلية والخارجية في آن واحد.
وخلال الحرب السورية، طغى الجانب العسكري والأمني على السياسة التركية، سواء عبر وجودها المباشر في شمال سوريا أو علاقاتها مع قوى محلية. لكن الانتقال إلى مرحلةٍ مختلفة يتيح لأنقرة استخدام أدوات أخرى تمتلكها أصلًا: التجارة والصناعة وشركات الإنشاء وشبكات النقل، فضلًا عن قدرتها على ربط أسواق المشرق بتركيا ومنها بأوروبا.
ويبرز العراق هنا بوصفه نقطة التقاء بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية. فمشروع “طريق التنمية”، الذي يفترض أن يربط ميناء الفاو في جنوب العراق بتركيا ومنها بالأسواق الأوروبية، يتجاوز في دلالته مشروعًا للنقل. وإذا أمكن تنفيذه، فقد يمنح العراق وظيفة إقليمية جديدة، ويجعل تركيا حلقة رئيسية في ممرٍّ تجاري يمتدُّ من الخليج إلى أوروبا.
لكن الجغرافيا التي تمنح تركيا نفوذها تضع أمامها قيودًا أيضًا. فأولوية الأمن، وخصوصًا ما يتعلق بالقوى الكردية المسلحة، قد تتعارض أحيانًا مع منطق السيادة الذي تسعى دول المشرق إلى استعادته، كما تبقى ملفات المياه والوجود العسكري التركي داخل العراق وسوريا مصادر محتملة للتوتر. ولذلك سيكون أحد اختبارات المرحلة المقبلة قدرة أنقرة على الجمع بين مصالحها الأمنية ودورها المحتمل كشريكٍ اقتصادي لدول المشرق.
أما إسرائيل، فتدخل هذه المرحلة بأداةٍ مختلفة: تفوُّق عسكري وتكنولوجي كبير، وقدرة على استخدام القوة عبر حدودها. وظلت نظرتها إلى المشرق محكومة إلى حدٍّ بعيد باعتبارات الأمن: إيران، ولبنان، وسوريا، والجماعات المسلحة، وقبل ذلك كله الصراع مع الفلسطينيين. ومن هذا المنطلق، بنت جانبًا أساسيًا من استراتيجيتها على منع تشكل تهديدات قادرة على الاقتراب من حدودها أو تغيير ميزان القوة ضدها.
لكن القدرة على تغيير ميزان عسكري لا تعني بالضرورة القدرة على بناء نظام إقليمي مستقر. فالقوة تستطيع إضعاف الخصم أو ردعه وتغيير الواقع الميداني، لكنها لا تستطيع بمفردها إزالة الأسباب السياسية التي تُعيدُ إنتاج الصراع. وتظهر حدود هذه المعادلة بأوضح صورها في القضية الفلسطينية.
فلسطين… اختبار النظام الإقليمي الجديد
قبل حرب غزة، بدا أنَّ المنطقة تتحرّك نحو تصوُّرٍ يقوم على توسيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وبناء مشاريع اقتصادية وممرات تجارية وشراكات في التكنولوجيا والاستثمار والأمن، فيما تبقى القضية الفلسطينية في مسار يمكن إدارته أو تأجيل تسويته.
لكن الحرب أعادت فلسطين إلى قلب الحسابات الإقليمية، وكشفت حدود الاعتقاد بإمكان إعادة هندسة المنطقة من حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي من دون معالجته. فتداعياته امتدت إلى لبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر، وأثّرت في حسابات القوى الإقليمية وفي قدرة الدول العربية على تطوير علاقاتها مع إسرائيل.
وهنا يصبح السؤال أوسع من مستقبل الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم: هل يمكن بناء نظام إقليمي مستقر فيما يبقى أحد أكثر صراعاته قابلية للانفجار مفتوحًا من دون أفق سياسي؟
ففلسطين ليست منفصلة عن استقرار المشرق. الأردن يتأثر مباشرة بما يجري في الضفة الغربية، ولبنان يحمل منذ عقود تداعيات اللجوء الفلسطيني والصراع مع إسرائيل، فيما ظلت سوريا جزءًا من الجغرافيا السياسية لهذا الصراع. كما إنَّ استمرار النزاع يمنح قوى إقليمية مجالًا لتوظيف القضية في صراعاتٍ أوسع؛ فقد جعلت إيران من دعم الفلسطينيين عنصرًا أساسيًا في خطابها الإقليمي وربطته بشبكة حلفائها.
وفي المقابل، تواجه الدول العربية معادلة معقدة. فهي تريد الاستقرار والاستثمار وربط الاقتصادات، وبعضها يريد تطوير علاقاته مع إسرائيل، لكنها لا تستطيع فصل هذه المسارات بصورة كاملة عن مصير الفلسطينيين. ولذلك سيظل مدى الاندماج الإقليمي مرتبطًا، بدرجاتٍ مختلفة، بوجود أفقٍ سياسي يمنع الصراع من إعادة تفجير المنطقة دوريًا.
ولا يعني ذلك أنَّ حلَّ القضية الفلسطينية سيحل أزمات المشرق الأخرى. فللعراق وسوريا ولبنان أزماتٌ لها أسبابها ومساراتها الخاصة. لكن التجربة أظهرت أنَّ تأجيلَ الصراع الفلسطيني لا يعني تحييده، وأنَّ انفجاره يستطيع تعطيل ترتيبات إقليمية بُنيت على افتراض إمكان إبقائه خارجها.
ومن هنا تصبح فلسطين اختبارًا لطبيعة النظام الجديد نفسه. فإذا قام على موازين القوة والصفقات الاقتصادية وحدها، فقد يستطيع احتواء الصراع لبعض الوقت، لكنه سيظل معرَّضًا للاهتزاز. أما بناء منطقة أكثر ترابطًا وأقل قابلية للحرب، فيصعب فصله عن أفق سياسي قابل للحياة للفلسطينيين، وعن أمنٍ لإسرائيل لا يعتمد على التفوق العسكري وحده.
وهكذا تتجمّع في المشرق أدوات مختلفة للقوة: رأس المال الخليجي، والجغرافيا التركية، والقوة العسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية، وشبكات النفوذ الإيرانية. لكن هذه القوى الإقليمية، مهما بلغ تأثيرها، لا تعمل وحدها. فخلفها تقف الولايات المتحدة بثقلها الأمني والعسكري، وأوروبا بثقلها الاقتصادي والمؤسسي، والصين بحضورها التجاري والاستثماري المتنامي.
ومن هنا ينتقل السؤال إلى المستوى الأوسع: هل ما زالت قوة دولية واحدة قادرة على رسم قواعد اللعبة، أم أنَّ المشرق يدخل عصر تعدد الشركاء؟
أميركا وأوروبا والصين… عصر تعدد الشركاء
لا يتحدد مستقبل المشرق بتوازنات القوى الإقليمية وحدها. فالمنطقة التي ظلت لعقود ساحة لتنافس القوى الكبرى تدخل اليوم مرحلة دولية أكثر تعقيدًا، لم تعد فيها الولايات المتحدة اللاعب الخارجي الوحيد القادر على التأثير، من دون أن يعني ذلك أنَّ قوة أخرى أصبحت جاهزة للحلول محلها. وبين واشنطن وأوروبا وبكين تتوزع أدوات القوة والمصالح بصورة تجعل النظام المقبل أقرب إلى تعدد الشركاء منه إلى هيمنة دولية منفردة.
ولا تزال الولايات المتحدة صاحبة الثقل الأمني والعسكري الخارجي الأكبر. فهي تحتفظ بعلاقات وتحالفات عميقة في المنطقة، وبقدرة على التأثير في ملفات تمتد من إسرائيل وفلسطين إلى العراق وسوريا والخليج. لكن التجربة التي بدأت بغزو العراق عام 2003، ثم امتدت إلى مكافحة الإرهاب والحرب على تنظيم “داعش” واحتواء إيران وإدارة الأزمات الإقليمية، أظهرت الكلفة العالية لمحاولة إعادة تشكيل المنطقة بالقوة.
ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كانت واشنطن ستبقى في المشرق، بل أي نوع من الحضور تريده. فالاتجاه الأميركي يميل إلى تقليل كلفة الانخراط المباشر مع الاحتفاظ بالقدرة على التدخل عندما تتعرض المصالح الأساسية للخطر، وإلى تحميل الحلفاء والشركاء المحليين مسؤولية أكبر. وبذلك يصبح الدور الأميركي أقل ارتباطًا بمحاولة صناعة النظام الإقليمي بصورة مباشرة، وأكثر ارتباطًا بالتأثير في توازناته ومنع انهيارها.
لكن هذه المقاربة تحمل تناقضًا يصعب تجاوزه. فالولايات المتحدة تريد شركاء إقليميين أكثر قدرة على تحمّل مسؤولية أمنهم، فيما يجعل ضعف الدولة في بعض ساحات المشرق أي تقليص للحضور الخارجي فرصة لقوى أخرى كي توسّع نفوذها. ومن هنا يبقى التحدي بين الرغبة الأميركية في تخفيف الأعباء والحاجة إلى منع نشوء فراغ جديد يعيد إنتاج المشكلات التي تريد واشنطن الابتعاد عنها.
أما أوروبا، فتنظر إلى المشرق من موقعٍ مختلف. فالجغرافيا تجعل اضطرابه أقرب إلى الأمن الأوروبي مما هو إلى الأمن الأميركي أو الصيني. وقد أظهرت الحرب السورية كيف يمكن لانهيار دولة في المشرق أن تصل آثاره إلى أوروبا عبر اللجوء والهجرة والإرهاب والاستقطاب السياسي. ويضاف إلى ذلك أمن شرق المتوسط، والطاقة، والتجارة، والعلاقة مع تركيا، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
وتملك أوروبا أدوات مهمة: سوقًا واسعة، وتمويلًا ومساعدات تنموية، وشركات وخبرات مؤسسية، وعلاقات اقتصادية عميقة مع دول المنطقة. لكن ثقلها الاقتصادي لا يتحول دائمًا إلى نفوذ سياسي موازٍ له، إذ تجعل اختلافات الدول الأوروبية، ولا سيما في القضايا الأمنية وإسرائيل وفلسطين، بناء سياسة موحدة أمرًا صعبًا. ولذلك تستطيع أوروبا أن تكون شريكًا مهمًا في استقرار المشرق وإعادة بنائه، لكنها تجد صعوبة أكبر في أداء دور القوة السياسية القادرة منفردة على فرض التسويات أو ضمانها.
وفي المقابل، تدخل الصين من بوابة مختلفة. فقد توسعت علاقاتها مع المنطقة أساسًا عبر التجارة والطاقة والاستثمار والبنية التحتية، من دون بناء شبكة التحالفات العسكرية التي تملكها واشنطن، أو تبنّي الدور السياسي والمؤسسي الذي تحاول أوروبا ممارسته. وهذا النموذج قد يكون جذابًا لدول المشرق التي تحتاج إلى رأس المال والموانئ والطرق والطاقة والاتصالات، كما يمنح موقع المنطقة بين الخليج وتركيا والبحر المتوسط قيمة محتملة في شبكات التجارة التي تربط آسيا بأوروبا.
لكن اتساع المصالح الصينية يطرح على بكين مُعضِلة ستزداد أهمية: إلى أيِّ مدى تستطيع حماية نفوذ اقتصادي متنامٍ من دون تحمل جزء من كلفة الاستقرار السياسي والأمني الذي يعتمد عليه؟ حتى الآن، تبدو الصين أكثر ميلًا إلى الاستفادة من الاستقرار من تحمُّل مسؤولية إنتاجه. ولذلك يصعب تصوُّرها، في المدى المنظور، بديلًا كاملًا من الولايات المتحدة بوصفها القوة الأمنية الخارجية الأثقل. لكنها لا تحتاج إلى الحلول محل واشنطن حتى تغير المعادلة؛ فوجودها يمنح دول المنطقة خيارات أوسع، ويجعل علاقاتها الخارجية أقل قابلية للاختزال في شريك دولي واحد.
وهنا قد تكمن إحدى السمات الأساسية للنظام المقبل. فبدل أن تبحث دول المشرق عن قوة خارجية واحدة تؤدي كل الأدوار، قد تتوزّع علاقاتها بين شركاء يمتلك كل منهم ميزة مختلفة: الولايات المتحدة في الأمن والتحالفات، وأوروبا في التجارة والتمويل والخبرة المؤسسية، والصين في الاستثمار والبنية التحتية. وهذه ليست حدودًا ثابتة، لكنها تعكس تعدد مراكز القوة والأدوات المتاحة أمام دول المنطقة.
غير أنَّ تعدُّد الشركاء لا يعني تلقائيًا استقلال القرار. فقد يتحول تنويع العلاقات إلى مجرد تنويع لمصادر الاعتماد إذا لم تعرف الدولة ما الذي تريده من كلِّ شريك وما الذي تريد الاحتفاظ به لنفسها. لذلك لا تكمن قيمة النظام الأكثر تعددًا في عدد الخيارات التي يعرضها على دول المشرق فقط، بل في قدرتها على استخدامها.
وهنا تحديدًا ينتقل السؤال من القوى الدولية إلى دول المشرق نفسها: هل ستتعامل مع تعدد الشركاء باعتباره مجرد تعدد في القوى التي تتنافس عليها، أم تستطيع أن تدخل هذه المعادلة وهي تعرف مصالحها وما تريد تحقيقه؟
وهذا هو السؤال الذي يقود إلى المعركة الحقيقية: مَن يملك المشروع؟
المعركة الحقيقية… من يملك المشروع؟
قد توحي كثرة القوى المنخرطة في المشرق بأنَّ مستقبل المنطقة سيُرسَم مرة أخرى خارجها. فإيران ودول الخليج وتركيا وإسرائيل تدخل المرحلة المقبلة بمصالح وأدوات مختلفة، فيما تتحرك الولايات المتحدة وأوروبا والصين وفق حساباتها الخاصة. لكن وراء هذا التنافس سؤال أكثر جوهرية: ماذا تريد دول المشرق نفسها، وهل تمتلك القدرة على تحويل ما تريده إلى مشروع؟
وهنا لا تعني كلمة “المشروع” البحث عن وحدة سياسية جديدة، أو استعادة شعارات القرن الماضي. فالعراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين دول ومجتمعات مختلفة، لكلٍّ منها أزماتها ومصالحها وأولوياتها. لكن الجغرافيا التي تجمعها تجعل كثيرًا من مصالحها مترابطًا، سواء في الطاقة والمياه والتجارة والنقل والهجرة والأمن.
وقد يكون هذا الترابط نقطة البداية الأكثر واقعية. فالمشرق لا يحتاج بالضرورة إلى كتلة سياسية موحَّدة بقدر حاجته إلى شبكة من المصالح تجعل التعاون أكثر فائدة من الصراع. فالطاقة التي تُنتَجُ في دولة يمكن أن تعبر أخرى، والموانئ تحتاج إلى طرق وأسواق خلفها، والسكك الحديدية تزداد قيمتها كلما تجاوزت الحدود، فيما تستطيع شبكات الكهرباء والنقل والتجارة أن تُعيدَ وصل أجزاء من المنطقة فصلتها الحروب والانقسامات.
وامتلاك مشروع لا يعني الانكفاء عن الخارج. على العكس، قد يكون المشرق المقبل أكثر ارتباطًا بالخليج وتركيا وأوروبا وآسيا مما كان عليه في مراحل سابقة. لكن الفارق هو بين أن تستخدم دول المنطقة هذه العلاقات لتحقيق أولويات تُحدّدها هي، وأن تصبح علاقاتها الخارجية انعكاسًا لأولويات يحددها الآخرون.
فالمسألة ليست منع القوى الخارجية من التأثير في المشرق؛ فهذا غير واقعي في منطقة تقع عند تقاطع مصالح إقليمية ودولية كبرى. المسألة هي أن تعرف دوله ماذا تريد من هذه القوى، وأين تتقاطع مصالحها معها، وكيف تحوَّلَ تعدُّد الشركاء من تنافسٍ عليها إلى خيارات متاحة أمامها.
وهنا تكتسب الدولة أهميتها، لا بوصفها موضوع هذه الحلقة، بل بوصفها الأداة التي تجعل الاختيار ممكنًا. فهي التي تستطيع التفاوض، وتحويل رأس المال إلى تنمية، والجغرافيا إلى تجارة، والعلاقات الخارجية إلى شراكات. أما إذا بقي القرار ضعيفًا وموزعًا، فقد تتحول الأدوات نفسها التي يفترض أن توسّع خيارات المشرق إلى قنوات جديدة للنفوذ والتبعية.
لهذا لا تكون المعركة الحقيقية على المشرق مجرد منافسة بين النفوذ الإيراني ورأس المال الخليجي، أو بين الجغرافيا التركية والقوة الإسرائيلية، أو بين الحضور الأميركي والصعود الصيني. السؤال الأهم هو ما إذا كانت دول المشرق ستتعامل مع هذا التعدد بوصفها ساحات له، أم ستستخدمه لبناء مساحة أوسع من الخيارات والمصالح المشتركة.
وهنا تنتقل المعركة من التنافس على المشرق إلى قدرة دوله على امتلاك مشروعها داخله.
ليس السؤال من ينتصر… بل أي مشرق يولد؟
بعد عقدين من الحروب والانقسامات وتراجع الدولة، قد يبدو السؤال الطبيعي هو: أيُّ القوى ستخرج أكثر نفوذًا من التحوّلات الجارية؟ إيران أم دول الخليج؟ تركيا أم إسرائيل؟ وهل تبقى الولايات المتحدة القوة الخارجية الأثقل، أم يفتح صعود الصين وتزايد الحضور الأوروبي الباب أمام توازن دولي أكثر تعدُّدًا؟
لكن قياس المرحلة المقبلة بمَن يربح ومَن يخسر لا يكفي. فالأهم هو نوع المشرق الذي سينشأ من هذه التحوّلات.
هل تبقى اقتصادات المنطقة أسيرة الريع والحرب والمساعدات، أم تنتقل إلى الاستثمار والإنتاج والاندماج في شبكات التجارة والطاقة والنقل؟ وهل تظل الجغرافيا مصدرًا للصراع، أم تصبح مصدرًا للقيمة، فتتحوّل الحدود من خطوط تماس إلى نقاط اتصال بين اقتصادات المنطقة والعالم؟ وهل تبقى القضية الفلسطينية أزمة قابلة للانفجار بين مرحلة وأخرى، أم تدخل في أفق سياسي يسمح بقيام نظام إقليمي أكثر استقرارًا؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية معنى “النظام الجديد”. فالنظام الإقليمي ليس مجرد ميزان بين القوى الكبرى أو خريطة لمناطق النفوذ، بل شبكة من المصالح والقواعد والعلاقات التي تحدّد ما إذا كان الاستقرار والتعاون أكثر فائدة للدول من الصراع.
ولسنوات طويلة، اعتاد المشرق أن يسأل ماذا تريد إيران، وماذا تريد الولايات المتحدة، وماذا تريد إسرائيل وتركيا ودول الخليج. وكانت هذه أسئلة منطقية في منطقة تراجعت فيها قدرة عدد من دولها على التحكّم بمسارها. لكن التحوُّل الأهم يبدأ عندما يضاف إليها سؤال آخر: ماذا يريد المشرق لنفسه؟
لن يعود المشرق إلى المركز الذي احتله في مراحل سابقة من التاريخ. فالاقتصاد العالمي تغير، ومراكز الثقل الإقليمية تغيرت معه، والخليج أصبح قوة اقتصادية وسياسية، فيما رسخت تركيا وإيران وإسرائيل مواقعها كقوى إقليمية، وأصبح النظام الدولي نفسه أكثر تعددًا. لكن المشرق لا يحتاج إلى استعادة الماضي لكي يستعيد أهميته.
بدأت هذه السلسلة بالسؤال عما إذا كانت قواعد اللعبة القديمة قد انتهت. ثم انتقلت إلى الدولة التي لا يمكن إعادة الإعمار من دونها، وإلى رأس المال الخليجي الذي يستطيع أن يكون شريكًا في النهوض، وإلى الجغرافيا التي قد تمنح المشرق فرصة ليصبح ضروريًا من جديد. وفي هذه الحلقة انتقل السؤال إلى القوى التي تتنافس على تشكيل النظام المقبل، وإلى قدرة دول المنطقة على ألّا تكون مجرد ساحة لهذا التنافس.
فالمشرق لن يستعيد دوره باستبدال نفوذ بنفوذ، ولا بالعودة إلى ماضٍ لم يعد موجودًا. فرصته هي أن يصنع لنفسه وظيفة جديدة في منطقة تتغير موازينها ومساراتها الاقتصادية وتحالفاتها.
ولهذا، فإنَّ السؤال الذي تتركه هذه الحلقة مفتوحًا ليس فقط: مَن سيصنع النظام الجديد في المشرق؟ بل: أيُّ مشرقٍ سيخرج من هذا النظام؟
وهذا السؤال يقود مباشرة إلى الحلقة السادسة والأخيرة. لأنَّ شكل النظام الإقليمي، مهما تغير، لن يحسم وحده مستقبل المنطقة. فبعد السؤال عمّن يصنع النظام من حول دول المشرق، يبقى السؤال الأصعب: ماذا يجب أن يتغير داخل هذه الدول لكي تصبح المرحلة الجديدة بداية استقرار، لا مجرد هدنة بين حربين؟
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.