سقوطُ “الأذرُع”: هل انتهى زمنُ الوكلاء؟

محمّد قوّاص*

استقال النظام العربي باكرًا من فكرة المواجهة الواحدة إثر قرار التقسيم في فلسطين عام 1947. بدت مواقف العواصم متباينة متفاوتة السرعات على النحو الذي ظهر في التحرّك العسكري “الجماعي” المرتجل لـ “جيش الإنقاذ” عام 1948.

وحين قررت جامعة الدول العربية إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، كان في خلفية ذلك الحدث إرادة إيكال الأمر إلى “أصحابه” وانسحاب الدول الرسمية من المهمات المباشرة. بدا من ذلك الواقع أنَّ العرب قرروا إدخال استراتيجية الفصائل المسلحة لتكون رديفًا للجيوش ثم بديلًا منها لاحقا.

فلم ينتظر النظام العربي طويلًا لتسليم “منظمته” لتحرير فلسطين إلى المنظمات الفلسطينية المسلحة التي كانت منذ عام 1965 تقودها حركة “فتح” بزعامة ياسر عرفات. حتى إنَّ النظام العربي تدخّل لحماية تلك الفصائل والعمل على نقلها بعد أزمة الأردن عام 1970 إلى لبنان واجتراح “اتفاق القاهرة” وفرضه على بيروت.

داخل الحالة الفلسطينية راجت ظاهرة “الأذرع” التي تتشارك جميعها في شعار تحرير فلسطين. شهد ذلك الفضاء الحيوي، إلى جانب الفصائل الكبرى، انتشار “ودائع” عربية على شكل منظمات سياسية مسلحة كانت تابعة لعواصم المنطقة، لا سيما سوريا والعراق وليبيا، تأتمر بأجنداتها وتتقيّد بحساباتها، علمًا أنَّ هذه العواصم كانت تمتلك نفوذا أو “مَونة” على بقية الفصائل الكبرى بسبب حاجة العمل السياسي الفلسطيني إلى احتضانٍ سياسي ومعنوي ومالي عربي عام.

شكّل اجتياح لبنان عام 1982 وخروج الفصائل الفلسطينية المسلحة أول نكسة لظاهرة “الأذرع”، فيما لم تعد هذه الظاهرة فاعلة أو ذات نجاعة حتى في عزّ تعرّض نظام صدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا لأقصى الضغوط المصيرية. بالمقابل لعبت الجماعات الفلسطينية التابعة لنظام بشار الأسد في سوريا الدور الذي لعبته فصائل “محور المقاومة” دفاعًا عن هذا النظام.

منذ “طوفان الأقصى” تعرّضت “الأذرع” في المنطقة إلى ما يشبه عملية “إبادة” للظاهرة وفضح لتقادم لزوميتها. ولئن يمثّل اتفاق تسليم/ تخزين سلاح حركة “حماس” (كفصيل فلسطيني أساسي) المبرم حديثا في القاهرة واجهة جديدة صارخة، فإنَّ الضغوط التي تتعرّض لها “أذرع” إيران في العراق واليمن بعد تلك التي نالت من فائض قوة “حزب الله” في لبنان، تندرج ضمن سياق لا رجعة عنه بسقوط بدعة “الوكلاء” وانكشاف حدود قدراتها على حماية “المركز”، كما انكشاف أنها كانت تعمل مُتظلِّلة بنظام دولي تعايش معها بخبث خلال عقود.

تتصادف أو تتزامن نكبة “أذرع” إيران مع قرار تركي مستقوٍّ بتحوّلات النظام الدولي للانتهاء من ظاهرة ميليشيا حزب العمال الكردستاني (PKK). تناسل من قرار حلّ الحزب الذي اتخذه زعيمه التاريخي عبد الله أوجلان من سجنه، قرارٌ آخر لدمج تمدد الحزب في سوريا (قوات سوريا الديموقراطية/”قسد” وأخواتها) داخل أجهزة وهياكل الدولة الجديدة في سوريا برئاسة أحمد الشرع.

والأرجح أنَّ الدول جميعها احتاجت في مرحلةٍ ما إلى الوكلاء لتبادل تصفية الحسابات أو الهروب من المواجهات المباشرة المُّكلفة، فيما قرار إسقاط هذه “البدعة”، بما في ذلك إضعاف تنظيمَي “داعش” و”القاعدة”، يؤشر إلى استغناء النظام الدولي عن أدوات لم تعد ناجعة في زمن الحروب الجديدة وتقنياتها.

يبقى أنَّ نهاية الظاهرة لا تحمل ترياقًا للصراعات التي أُنشِئت “الأذرع” من أجلها وتحت عناوينها. ولئن تنشط عملية سياسية قانونية برلمانية في تركيا تسعى بتعثّر إلى وضع حلٍّ لـ”القضية الكردية”، فإنَّ سقوط “أذرع” زايدت على أصحاب القضية الفلسطينية، لا سيما تلك التي كانت وكيلة عواصم قريبة وبعيدة، سيفرض على النظام الدولاتي في المنطقة من إندونيسيا إلى تركيا مرورًا بباكستان والرياض والقاهرة وبقية العواصم إعادة تولي المسؤولية المباشرة عن صراعٍ فشل أمر تأجيله وإيكاله إلى ما دون الدولة وتكليف “الأذرع” بالتعامل الإشغالي البليد معه.

  • الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى