حرب ابتكار واستنزاف في سماء أوكرانيا!

هُدى الحُسَيني*

بدأ المشهد عند محطة ياهودين، على الحدود الأوكرانية – البولندية، حيث كانت المُسَيَرة (الدرونز) الروسية تحلق فوق قطارات تقل مسؤولين وشخصيات غربية عائدة من مؤتمر أمني في كييف. غادر قطار ديبلوماسي يقل رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون ومسؤولين أوروبيين قبل موعده بدقائق، بعدما عُدل جدول الرحلة لأسباب أمنية. وفي قطار آخر كان الجنرال دافيد بيترايوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، يسمع هدير المسيّرات فوقه قبل إجلاء الركاب. وبعد وقت قصير، أصابت مسيّرة نفاثة قاطرة قطار مجاور، من دون وقوع ضحايا. ورجحت شركة السكك الحديدية الأوكرانية أن يكون القطار الديبلوماسي هو الهدف المقصود، لكن لا دليل حاسمًا على ذلك حتى الآن.

هذه الحادثة تختصر صورة الحرب في أوكرانيا اليوم. فالدرونز لم تعد مجرّد أداة لمراقبة الخنادق أو ضرب الدبابات على خطوط القتال، بل أصبحت سلاحًا يلاحق القطارات ويعطّل المعابر ويصل إلى مقار الأجهزة الأمنية في قلب العاصمة. وهي تفرض على السكان والمسؤولين والزوار نمطًا جديدًا من الحياة، تتحوّل فيه رحلة بالقطار أو اجتماع رسمي إلى عملية أمنية تحسب بالدقائق.

ولا تقتصر المواجهة على السماء، إذ أصبحت شبكات السكك الحديدية ومحطات الطاقة ومراكز الاتصالات جُزءًا من ساحة القتال. فاستمرار حركة القطارات يمنح أوكرانيا قدرة على نقل الجنود والمساعدات وإجلاء المدنيين، بينما تسعى موسكو إلى تعطيل هذه الشرايين ورفع الكلفة الاقتصادية والنفسية للحرب، من دون خوض معارك برية واسعة داخل العاصمة.

قبل حادثة القطار بأيام، تعرّضَ المقر الرئيسي لجهاز الأمن الأوكراني في وسط كييف لضربة مباشرة. ويعد هذا الجهاز، المعروف باسم “أس بي يو”، المؤسسة الأساسية المسؤولة عن الأمن الداخلي ومكافحة التجسّس والإرهاب وحماية أسرار الدولة. إلّا أنَّ مهماته توسعت خلال الحرب، فبات يؤدي دورًا استخباراتيًا وعملياتيًا يشمل تنفيذ ضربات بعيدة المدى وملاحقة شبكات روسية والمشاركة في عمليات سرية داخل الأراضي الروسية. لذلك لم يكن اختيار المقر عشوائيًا. فالضربة حملت رسالة واضحة مفادها أنَّ موسكو تعرف مواقع المؤسسات الأكثر أهمية، وأنها تملك مسيّرات تستطيع اختراق دفاعات العاصمة وإصابة أهداف محددة. وقد أدى الهجوم إلى وقوع إصابات وإلحاق أضرار بالمبنى، لكنه لم يشل الجهاز، لأنَّ أوكرانيا وزعت مراكز القيادة وأنشأت مقار بديلة تحسُّبًا لاستهداف المؤسسات الرئيسية.

تكمن الخطورة الكبرى في نوع المسيّرات الروسية الجديدة. فمسيّرات “إيران” النفاثة أسرع من طائرات “شاهد” التقليدية وأكثر قدرة على المناورة والوصول إلى أهدافها. وتقول تقديرات ميدانية إنَّ الدفاعات الأوكرانية تستطيع اعتراض نسبة كبيرة من المسيّرات البطيئة، لكن قدرتها تنخفض أمام الطائرات النفاثة السريعة. كما تعاني البلاد نقصًا في الصواريخ المخصّصة لاعتراض الصواريخ الباليستية، بعدما استنزفت الغارات المتواصلة جزءًا كبيرًا من مخزونها.

وكانت كييف تتمتع منذ بداية الحرب بأقوى مظلة دفاع جوي في أوكرانيا، لأنها تضم مؤسسات الدولة ومراكز القيادة ومقار الأجهزة العسكرية والأمنية. غير أنَّ تزايد أعداد المسيّرات وتطوّر سرعتها جعلا إغلاق سماء العاصمة مهمة أكثر صعوبة. فروسيا تستطيع إطلاق أعداد كبيرة دفعة واحدة، بهدف إرباك الدفاعات وإجبارها على استهلاك ذخائر باهظة الثمن في مواجهة طائرات أقل كلفة.

ومع ذلك، لا تبدو كييف مدينة مشلولة بالخوف. فبعد استهداف مقر جهاز الأمن، وصلت سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ خلال دقائق، ثم عاد الناس إلى أعمالهم وتسوّقهم وتنقلاتهم. كان ازدحام الطرق وتعطل حركة المرور مصدري الضيق المباشر لكثيرين، وكأن السكان طوروا قدرة نفسية على احتواء الصدمة ومواصلة يومهم، مع أنهم يدركون احتمال وقوع ضربة ثانية تستهدف المسعفين والمتجمعين حول مكان الانفجار.

لكن الاعتياد على الخطر لا يعني غياب القلق. ففي المدن، يتزايد الخوف على الأطفال والمنازل ومحطات الكهرباء والتدفئة، وخصوصًا مع اقتراب الشتاء. أما في الجبهة، فتبدو الصورة مختلفة نسبيًا، إذ تستفيد القوات الأوكرانية من انتشار “الدرونز” فوق ميادين القتال ومن قدرتها على مراقبة التحركات الروسية وضرب المجموعات الصغيرة قبل وصولها إلى المواقع الدفاعية.

لقد غيّرت المسيّرات طبيعة المعركة. فالجندي الذي يتحرك في أرض مكشوفة أصبح مرئيًا في معظم الأحيان، والدبابة التي كانت تشكّل قوة اقتحام كبيرة قد تتحوّل إلى هدفٍ لطائرة صغيرة تحمل عبوة متفجرة. ومَن يملك قدرة أفضل على جمع المعلومات ومراقبة الأرض وتحليل الصور يستطيع تحديد مسار القتال، حتى لو كان الطرف الآخر يمتلك عددًا أكبر من الجنود والأسلحة التقليدية.

وتشير تقديرات نقلها ضابط استخبارات أميركي سابق من كييف إلى أنَّ نسبة الخسائر على بعض الجبهات قد تصل إلى 8 جنود روس مقابل جندي أوكراني. ويعود ذلك إلى التفوق الأوكراني في الاستطلاع والمراقبة، وإلى اعتماد القوات الروسية على إرسال جنود في مجموعات صغيرة لمحاولة التسلل. لكن هذه الأفضلية ليست مضمونة، لأنَّ موسكو تطور تقنياتها هي الأخرى وتتعلم من أخطائها باستمرار.

إنها حرب ابتكار واستنزاف في آنٍ واحد. فكلُّ وسيلة دفاعية جديدة تستدعي سلاحًا قادرًا على تجاوزها، وكلُّ مسيّرة أسرع تفرض تطوير جهاز رصد أو صاروخ اعتراض جديد. ولهذا لم يعد التقدّم التقني في أوكرانيا مرتبطًا بوزير أو قائد واحد، بل أصبح جهدًا تشارك فيه المؤسسات العسكرية والشركات الخاصة والمهندسون والجنود على الأرض.

من مطاردة القطارات قرب الحدود البولندية إلى ضرب مقرٍّ أمني في كييف، تؤكد “الدرونز” أنَّ الحرب دخلت مرحلة أشد اتساعًا وخطورة. روسيا تستخدمها للضغط على الدولة والسكان وطرق الإمداد، فيما تعتمد عليها أوكرانيا لتعويض الفارق في القوة البشرية والنيران. وبين الهجوم والدفاع، تبقى كييف في قلب المواجهة: مدينة تعمل نهارًا تحت هدير المسيّرات، وتنام ليلًا على صفارات الإنذار، لكنها ما زالت تقاوم محاولة تحويل الخوف إلى هزيمة.

  • هُدى الحُسَيني هي صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، تعملُ في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية. عملت سابقًا في صحفٍ ومجلّات عدّة منها: “الأنوار” في بيروت، و”النهار العربي والدولي” و”الوطن العربي” في باريس، و”الحوادث” و”الصياد” في لندن. غطّت حربَ المجاهدين في أفغانستان، والثورة الإيرانية، والحرب الليبية-التشادية، وعملية “الفالاشا” في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الأولى. حاورت زعماءَ دول عربية وأجنبية عديدين بينهم الإمام روح الله الخميني (الذي رافقته على الطائرة التي نقلته من باريس إلى طهران)، والملك الحسن الثاني، والملك حسين، والرؤساء أنور السادات، صدام حسين، ياسر عرفات، جعفر النميري، وعيدي أمين …
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى