بين التفوُّق العسكري والاستنزاف البنيوي… لمَن الغَلَبة في مستقبل إسرائيل؟

البروفِسور بيار الخوري*

ثمة سرديتان تتنازعان الخطاب حول إسرائيل اليوم، وكلتاهما تدّعي القراءة الصحيحة لواقع واحد. الأولى ترى فيها قوة إقليمية بلغت ذروة نفوذها العسكري، تعيد تشكيل موازين الشرق الأوسط بضربات استباقية واختراقات استخباراتية واصطفاف دولي (ولو اضطراراي) غير مسبوق لصالحها. والثانية ترى العكس تمامًا: كيانًا يترنّح تحت وطأة استنزافٍ داخلي، يقترب من لحظة انهيارٍ حتمي. الملفت أنَّ كلا السرديتين تستدلان بالوقائع نفسها تقريبًا، وتخرج بنتيجتين متضادتَين.

السبب أنَّ السرديتين تخلطان بين مستويين مختلفين تمامًا من التحليل. الأولى تقيس القوة بمقياس القدرة العسكرية الآنية: النتائج على الأرض، ميزان الردع، حجم الدعم الخارجي. والثانية تقيس بمقياس آخر هو الاستدامة البنيوية طويلة الأمد: الموازنة العامة، التماسك الاجتماعي، رأس المال البشري. وحين يُقاس الشيء نفسه بمعيارين مختلفين، تظهر نتائج متعارضة ظاهريًا وإن لم تكن كذلك في جوهرها.

فالسؤال الحقيقي ليس هل تنهار إسرائيل أو هل بلغت ذروة قوتها، بل سؤال أدق وأكثر حشرية: هل تملك القدرة على تحويل تفوّقها العسكري الراهن إلى استدامة مستقبلية، أم أنَّ هذا التفوُّق نفسه يُسرّع استنزافًا بُنيويًا كانت تحاول تفاديه؟

الاستنزاف الاستراتيجي (strategic attrition) ظاهرة تراكمية بطيئة، تختلف جوهريًا عن كلٍّ من الانهيار المفاجئ والذروة الظاهرة. لا يحدث في لحظةٍ واحدة قابلة للرصد، ولا يترك أثرًا فوريًّا على موازين القوى المعلنة. إنه تآكلٌ تدريجي في القاعدة التي تقوم عليها القوة ذاتها، يستمر سنوات قبل أن تظهر نتائجه في مؤشر واحد قابل للقياس. القوة العسكرية قد تبقى ظاهريًا على حالها بينما الأسس التي تسندها تتفكّك تحتها.

الكلفة الدفاعية المتصاعدة أول مظاهر هذا الاستنزاف. الحروب المُتعدّدة الجبهات تفرض إنفاقًا عسكريًا يتجاوز في نموّه معدلات النمو الاقتصادي العام، فتلتهم حصة متزايدة من الموازنة العامة على حساب البنية التحتية والصحة والتعليم.

هذا نمطٌ تكرّر تاريخيًا في دولٍ خاضت حروبًا مطوّلة متعددة الجبهات: بريطانيا في أواخر مرحلتها الإمبراطورية، والاتحاد السوفياتي في عقده الأخير. في الحالتين، لم يكن الانهيار عسكريًا في جوهره، بل كان نتيجة تراكم عبء مالي لم تعد البنية الاقتصادية قادرة على استيعابه من دون تقويض قطاعات أخرى بالغة الأهمية للاستدامة.

العنصر الثاني يتمثل في التراجع التعليمي وهجرة الكفاءات. رأس المال البشري شكّل تاريخيًا أحد أعمدة القوة الإسرائيلية غير العسكرية، عبر منظومة بحثية وتقنية متقدّمة غذّت الاقتصاد والصناعات الدفاعية معًا. حين تتصاعد حالة الحرب المستمرة، وتتراجع بيئة الاستقرار التي تجذب الكفاءات وتُبقيها، يبدأ هذا العمود بالتآكل. الهجرة المعاكسة للكفاءات العلمية والتقنية ليست حدثًا منعزلًا بل مؤشّرٌ بنيوي على أنَّ القاعدة التي أنتجت التفوق تفقد قدرتها على تجديد نفسها.

أما الاستقطاب الداخلي المتصاعد فيمسُّ جوهر القدرة على صياغة قرار استراتيجي موحّد. حين ينقسم المجتمع والمؤسسات حول أسئلة وجودية تتعلق بطبيعة الدولة ذاتها، تضعف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية متماسكة تتجاوز الأفق القصير. التماسك المؤسسي، لا القوة العسكرية وحدها، هو ما يسمح لأيِّ كيان بترجمة قدراته إلى سياسة مستدامة. حين يتصدّع هذا التماسك، يصبح التفوّق العسكري أداة بلا يد موجِّهة قادرة على استخدامه بعقلانية استراتيجية طويلة الأمد.

غير أن هذا التآكل المتراكم لا يسوّغ بذاته القفز إلى حتميّة الانهيار، فالفارق التحليلي بين الاستنزاف والانهيار ليس فارقًا في الحدّة بل في الطبيعة الزمنية للظاهرة نفسها. الاستنزاف يُقاس بعقود لا بسنوات، وتتوفّر له آليات امتصاص متعددة تمنحه مساحة زمنية طويلة قبل أن يتحوّل إلى أزمة حادة: الدعم الخارجي المستمر، الاندماج في بنى تحالفية إقليمية ودولية، ورصيد تكنولوجي متراكم يصعب تبديده في مدى قصير.

هذه الآليات لا تُلغي الاستنزاف، لكنها تُبطئ إيقاعه إلى درجةٍ تجعل الحديث عن انهيارٍ وشيك تسرُّعًا منهجيًا لا يقل خطأً عن الاحتفال بالذروة. وتاريخ الدول التي عرفت مسارات استنزاف مشابهة يؤكد هذا التمييز: بريطانيا والاتحاد السوفياتي لم ينهارا في لحظة واحدة، بل خضعا لإعادة تموضع مؤلمة وممتدة في مكانتهما ووظيفتهما، من دون أن يعني ذلك زوال الدولة ذاتها. الاستنزاف، إذن، قد لا يُفضي إلى انهيار على الإطلاق، بل إلى تحوّل بنيوي طويل الأمد في طبيعة القوة نفسها وحدودها.

هنا تكمن المفارقة المركزية: التفوّق العسكري الآني لا يُترجَم تلقائيًا إلى استدامة، بل قد يُسرّع أحيانًا أشكالًا من الإنهاك البنيوي بدل أن يحول دونها. فكلُّ انتصارٍ عسكري يتطلّب تعبئة موارد إضافية، وكل تعبئة تعمّق الكلفة الدفاعية، وكل تصعيد يُبقي حالة الاستقطاب الداخلي مشتعلة بدل أن يُخمدها. القوة العسكرية، حين تُستخدَم بلا توقف، تستهلك القاعدة التي أنتجتها بدل أن تُعيدَ إنتاجها.

هذا ما تُغفله السرديتان معًا، وإن بدرجات متفاوتة. سردية الذروة تحتفل بمؤشر لحظي وتتجاهل الاتجاه الذي يسير فيه على المدى الطويل. وسردية الانهيار تستعجل نتيجة لم تنضج بعد شروطها الزمنية، فتُحوّل عملية تراكمية بطيئة إلى حدثٍ درامي مفاجئ. والحقيقة أنَّ الاستنزاف الاستراتيجي لا يُعلن عن نفسه بلحظة كاشفة، بل يتقدّم بصمت، وقد يمتد عقودًا من دون أن يفضي إلى ما تتوقعه سردية الانهيار، تمامًا كما قد لا يفضي إلى ما تحتفل به سردية الذروة.

فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس أين تقف إسرائيل اليوم على مقياس القوة أو الضعف، بل: هل يتسع الفارق الزمني بين لحظة التفوق العسكري ولحظة ظهور كلفته البنيوية الكاملة، أم يضيق هذا الفارق مع كلِّ جولة قتال جديدة؟ فكل حرب تُطيل المسافة بين الإنجاز الآني وثمنه المؤجَّل، لكنها في الوقت نفسه تُقرّب موعد استحقاق ذلك الثمن.

الجواب لا يكمن في موازين القوى المعلنة اليوم، بل في معدّل التقاء هذين الخطين: خط الإنجاز العسكري المتصاعد، وخط الكلفة البنيوية المتراكمة. وهذا المعدّل لا يُقاس بمؤشر واحد، ولا يُعرَف اتجاهه على وجه اليقين إلّا حين يفوت أوان تغييره.

  • البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى