ما بَعدَ هرمز… الخليج يُعيدُ رَسمَ خريطةِ الطاقة

لم تَعُد خطوط الأنابيب مجرّد مشاريع لنقل النفط، بل أصبحت جُزءًا من معادلة الأمن القومي وأمن الطاقة. فبعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، دخل الخليج سباقًا لإعادة رسم خريطة صادراته، في محاولة لتقليل الاعتماد على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

دول الخليج تُسارع إلى تمديد وتوسيع ومد خطوط أنابيب للتخفيف من حدة الاضطرابات في مضيق هرمز.

هاني مكارم*

شكّلت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران نقطة تحوّل في التفكير الاستراتيجي لدول الخليج بشأن صادرات الطاقة. فعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، ظل مضيق هرمز يمثل الشريان الرئيس الذي تعبر من خلاله صادرات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، رغم ما شهده من أزمات وتوترات متكررة. وكان الافتراض السائد أنَّ حماية حرية الملاحة، مدعومة بالوجود العسكري الدولي، كفيلة بضمان استمرار تدفُّق الإمدادات حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.

غير أنَّ المواجهة الأخيرة بدّدت هذه الفرضية، بعدما أظهرت أنَّ أيَّ اضطرابٍ في المضيق، حتى وإن كان محدودًا زمنيًا، كفيلٌ بإرباك أسواق الطاقة ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وإجبار المنتجين والمشترين على إعادة حساباتهم. ولم يعد السؤال يقتصر على كيفية حماية الناقلات، بل أصبح يدور حول كيفية تقليل الاعتماد على هذا الممر الحيوي من الأساس.

ويكتسب هذا التحوُّل أهمية خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار أنَّ مضيق هرمز لا يزال يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فوفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، مر عبره خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل البترولية، أي ما يزيد على ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. كما تعتمد عليه صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، أحد أكبر مصدري الغاز في العالم، ما يجعل أي اضطراب فيه حدثًا تتجاوز آثاره حدود المنطقة ليطال الاقتصاد العالمي بأكمله.

ولهذا، لم تعد خطوط الأنابيب تُنظر إليها بوصفها مجرد وسيلة بديلة للنقل، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في منظومة أمن الطاقة. فالدول التي تمتلك منافذ برية إلى البحر الأحمر أو خليج عُمان، أو تستطيع إنشاء ممرات تصدير جديدة، باتت تتمتع بقدرة أكبر على إدارة المخاطر الجيوسياسية، وتقليل تعرض صادراتها للاختناقات البحرية، وتعزيز موثوقيتها بوصفها مورّدًا طويل الأجل للأسواق العالمية.

سباق جديد على طرق التصدير

أدّى التحوُّل في مفهوم أمن الطاقة إلى إطلاق سباق جديد في الخليج، لا يتمحور حول زيادة الإنتاج النفطي بقدر ما يركز على تنويع منافذ التصدير. فالهدف لم يعد يقتصر على استخراج المزيد من النفط، بل ضمان وصوله إلى الأسواق العالمية بأقل قدر ممكن من المخاطر الجيوسياسية.

وتبدو دولة الإمارات في موقع متقدّم ضمن هذا السباق، مستفيدة من استثمارات بدأت قبل سنوات في إنشاء مسارات بديلة لمضيق هرمز. ويشكل خط أنابيب حبشان–الفجيرة، الذي ينقل النفط الخام من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، أبرز هذه المشاريع، إذ مكّن الدولة من تصدير جُزءٍ مهم من إنتاجها بعيدًا من المضيق. ومع تصاعد المخاطر الإقليمية، تسارع العمل على إنشاء خط موازٍ جديد من شأنه مضاعفة القدرة الاستيعابية للمسار الحالي، ما يعزز مكانة الفجيرة ليس فقط بوصفها منفذًا للتصدير، بل أيضًا مركزًا عالميًا لتخزين النفط وتداوله وإعادة تصديره.

أما السعودية، فتمتلك بالفعل أكبر بديل بري في المنطقة عبر خط الأنابيب الشرقي–الغربي الممتد من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. ويمنح هذا الخط المملكة مرونة كبيرة في إدارة صادراتها، فيما تدرس الرياض زيادة طاقته الاستيعابية لمواكبة النمو المتوقع في الإنتاج والصادرات. غير أن تجربة السنوات الأخيرة أظهرت أن تجاوز مضيق هرمز لا يعني التخلص الكامل من المخاطر، إذ أصبحت الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب بدورها عرضة للتوترات الأمنية، الأمر الذي يفرض مقاربة أشمل لأمن طرق التصدير.

وفي العراق، تبدو الحاجة إلى منافذ بديلة أكثر إلحاحًا. فالغالبية العظمى من صادراته النفطية تنطلق من موانئ البصرة عبر الخليج، ما يجعل أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على إيرادات الدولة. ولهذا أعادت بغداد إحياء عدد من المشاريع الاستراتيجية، من بينها إنشاء خطوط تربط البصرة بمدينة حديثة، تمهيدًا لربطها مستقبلًا بموانئ البحر المتوسط عبر تركيا أو سوريا ولبنان. كما يجري تقييم خيارات أخرى تستهدف تنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على منفذ واحد، رُغمَ أنَّ تنفيذ هذه المشاريع سيظل مرتبطًا بالاستقرار السياسي وتوافر التمويل.

وتواجه الكويت تحديًا مختلفًا، فهي تبقى الدولة الخليجية الأكثر اعتمادًا على مضيق هرمز، في ظلِّ غياب خطوط أنابيب تصديرية بديلة. وقد دفعت التطوّرات الأخيرة إلى فتح نقاشات مع كل من السعودية والعراق بشأن إمكان الربط بشبكات الأنابيب الإقليمية، إلّا أن هذه الأفكار ما زالت في مراحلها الأولية، وستتطلّب توافقات سياسية واستثمارات ضخمة قبل أن تتحوّل إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

لكن المُشتَرَك بين جميع هذه الخطط أنها لا تستهدف استبدال مضيق هرمز، بقدر ما تهدف إلى تقليل الاعتماد عليه. فحتى في حال اكتمال معظم المشاريع المقترحة، سيظل المضيق منفذًا رئيسيًا لصادرات النفط والغاز الخليجية، غير أنَّ امتلاك بدائل برية سيمنح المنتجين مرونة أكبر في إدارة الأزمات، ويحدُّ من قدرة أيِّ اضطرابٍ جيوسياسي على شل حركة الإمدادات بالكامل.

لماذا تنجح بعض المشاريع وتتعثّر أخرى؟

رغم الزخم الذي تشهده مشاريع خطوط الأنابيب في الخليج، فإنَّ الطريق من الإعلان إلى التشغيل ليس قصيرًا ولا مضمونًا. فتاريخ صناعة النفط حافلٌ بمشروعات طموحة توقفت عند مرحلة الدراسات أو تأجَّلَ تنفيذها لسنوات بسبب تغيُّر الأولويات الاقتصادية أو التطوّرات السياسية أو الأوضاع الأمنية.

ويجمع خبراء الطاقة على أنَّ المشروعات الأكثر حظًا بالنجاح ليست بالضرورة الأكبر أو الأطول، بل تلك التي تعتمد على بنية تحتية قائمة وتنفذ داخل حدود الدولة الواحدة. فهذه المشاريع تواجه تحديات هندسية وتمويلية أقل، ولا تحتاج إلى مفاوضات سياسية معقدة أو اتفاقيات عبور طويلة الأجل، وهو ما يفسّر التقدُّم الذي أحرزته الإمارات في مشروع خط حبشان–الفجيرة، وكذلك اهتمام السعودية بتوسعة خطها الشرقي–الغربي بدل إنشاء مسارات جديدة بالكامل.

أما المشروعات العابرة للحدود، فتواجه معادلة أكثر تعقيدًا. فإلى جانب التمويل، تتطلّب هذه الخطوط توافقًا سياسيًا مستدامًا بين الدول المشاركة، واتفاقيات تنظّم رسوم العبور، وآليات تشغيل وصيانة مشتركة، وترتيبات أمنية تضمن استمرار تدفق النفط لعقود. كما إنَّ أيَّ تغيُّرٍ في العلاقات السياسية أو الأوضاع الأمنية على طول مسار الخط قد ينعكس مباشرة على جدواه الاقتصادية.

وتبرز هنا تجربة عدد من المشاريع التاريخية التي لم تستطع الصمود أمام التحوُّلات الجيوسياسية. فخط الأنابيب العراقي–السعودي (IPSA)، الذي أُنشئ في ثمانينيات القرن الماضي لنقل النفط العراقي إلى البحر الأحمر، توقف عن العمل منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990، ولم تنجح المحاولات المتكررة لإعادة تشغيله حتى الآن. وينطبق الأمر نفسه على خط “التابلاين” (Tapline)، الذي كان عند تشغيله عام 1950 أحد أكبر المشاريع النفطية في العالم، إذ نقل النفط السعودي إلى ساحل البحر المتوسط عبر الأردن وسوريا ولبنان قبل أن يخرج من الخدمة مطلع الألفية الحالية نتيجة اعتبارات اقتصادية وسياسية وأمنية.

ولا تقتصر التحديات على الجغرافيا السياسية، فالتغيُّرات في أسواق الطاقة نفسها أصبحت عاملًا مؤثّرًا في قرارات الاستثمار. فمشروعات تتجاوز كلفتها مليارات الدولارات تحتاج إلى ضمانات بأنَّ الطلبَ العالمي على النفط سيظل قويًا لعقود، في وقتٍ يشهد فيه العالم تحوُّلًا تدريجيًا نحو مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات. ولهذا، لم تعد الجدوى الاقتصادية تُقاسُ فقط بعدد البراميل التي سينقلها الخط، بل أيضًا بقدرته على التكيُّف مع التحوُّلات المستقبلية في قطاع الطاقة.

وفي المقابل، قد تمنح هذه التحوُّلات بعض خطوط الأنابيب قيمة إضافية. فعدد من الدول الخليجية يخطط للتوسع في إنتاج الهيدروجين منخفض الكربون ومشتقاته، ويشيرُ بعضُ الدراسات إلى أنَّ أجزاءً من شبكات الأنابيب الحالية يمكن تكييفها مستقبلًا لنقل الهيدروجين أو مزجه بالغاز الطبيعي بعد إجراء التعديلات الفنية اللازمة. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإنَّ بعض الاستثمارات التي تُنفذ اليوم لخدمة النفط قد تتحول غدًا إلى جُزءٍ من البنية التحتية لاقتصاد الطاقة الجديد، وهو ما يعزز جدواها على المدى الطويل.

وهكذا، فإنَّ مستقبل سباق خطوط الأنابيب لن تحدده الاعتبارات الهندسية وحدها، بل سيكون نتاج توازن معقّد بين السياسة والاقتصاد والأمن والتحوّلات التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي. وفي هذا السياق، قد لا يكون الخط الأسرع تنفيذًا هو الأكثر تأثيرًا، بل ذلك الذي ينجح في الجمع بين الجدوى الاقتصادية والاستقرار السياسي والقدرة على التكيُّف مع متطلبات المرحلة المقبلة.

الخليج يُعيدُ رسم خريطة الطاقة

من المبكر الحديث عن نهاية الدور الاستراتيجي لمضيق هرمز. فحتى مع اكتمال المشاريع الجاري تنفيذها، سيظل المضيق المنفذ الرئيس لصادرات النفط والغاز الخليجية خلال المستقبل المنظور، كما إنَّ أيَّ شبكة جديدة من خطوط الأنابيب لن تمتلك في المدى القصير القدرة على استيعاب كامل الكميات التي تعبره يوميًا. غير أنَّ ما تغيّرَ بالفعل هو طريقة التفكير في إدارة المخاطر. فبعدما كان الهدف حماية الممرات البحرية، أصبح التركيز ينصب على تنويع طرق الوصول إلى الأسواق، بحيث لا يؤدي تعطُّل مسار واحد إلى شلِّ حركة الصادرات.

ويمثل هذا التحوُّل جُزءًا من إعادة تشكيل أوسع لجغرافيا الطاقة في المنطقة. فالموانئ لم تعد مجرد نقاط تحميل، بل أصبحت مراكز متكاملة للتخزين والتكرير والتجارة والخدمات اللوجستية، بينما تحولت خطوط الأنابيب إلى أدوات لتعزيز المرونة الاقتصادية وجذب الاستثمارات، وليس فقط لنقل النفط الخام. ومن المرجح أن تستفيد موانئ مثل الفجيرة وينبع من هذا التحوُّل، مع تنامي دورها بوصفها مراكز بديلة لتصدير الطاقة بعيدًا من الخليج العربي.

وفي الوقت نفسه، قد تفتح هذه المشاريع الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل الإقليمي. فشبكات الأنابيب العابرة للحدود، إذا كُتب لها النجاح، لن تقتصر وظيفتها على نقل النفط، بل قد تشكل نواة لبنية تحتية أوسع تربط بين مشاريع الغاز والبتروكيماويات والهيدروجين منخفض الكربون، بما ينسجم مع استراتيجيات التحوُّل الاقتصادي التي تتبناها دول الخليج خلال العقود المقبلة.

غير أنَّ تحقيق هذا الهدف سيظل مرهونًا بعاملٍ لا يقل أهمية عن التمويل أو التكنولوجيا، وهو الاستقرار السياسي. فكلما تراجعت التوترات الإقليمية، ازدادت فرص تنفيذ المشاريع المشتركة وتسارع تكامل أسواق الطاقة. أما إذا استمرّت المنطقة في دوامة الصراعات، فقد تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى إعطاء الأولوية للمشاريع الوطنية، حتى وإن كانت أقل كفاءة من الناحية الاقتصادية.

وفي المحصّلة، لا يبدو أنَّ المنطقة تتجه إلى الاستغناء عن مضيق هرمز، بقدر ما تتجه إلى إنهاء احتكاره لحركة صادراتها النفطية. وإذا كان القرن الماضي قد شهد تنافسًا على السيطرة على طرق الملاحة، فإنَّ المرحلة المقبلة قد تشهد سباقًا من نوع آخر، عنوانه بناء شبكة أكثر تنوعًا ومرونة لطرق تصدير الطاقة. وفي عالمٍ تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية، قد تصبح مرونة البنية التحتية، وليس حجم الاحتياطيات النفطية وحده، أحد أهم معايير القوة في أسواق الطاقة العالمية.

  • هاني مكارم هو مدير تحرير “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى