ما جمعه الحُب لا يُفرِّقه العشَّاق (1 من 3)

هنري زغيب*
قالاها في اليوم الأَول: “أُحبُّك”، وما زالا يقولانها كلَّ يوم حتى اليوم..
جورج ونانسي سْتراوسْمان (Strausman) عاشقان نموذجيان. هو (102 سنة) وهي (89 سنة) يشعران أَنهما في ربيع العمر وفي زهو العشق الأَول. وعوض أَن يتبادلا الرسائل الإِلكترونية أَو الورقية، كانا يتكاتبان مباشرةً بالقصائد في مناسبات عدة، منها ذكرى الولادة، ذكرى الزواج، واحتفاءات أُخرى طيلة حياتهما السعيدة معًا.
هي هذه مسيرة الحب بين عاشقَين/زوجَين، منذ التقيا يومًا في ملعب كرة المضرب (التِنِس) وما زالا يمارسان كتابة الحب بقصائد بينهما في شغف اللحظة الأُولى.

آلاف الآلاف من الأَسطر
لأَن الزواج المديد السنوات يشكِّل طائفةً كثيرةً من الذكريات (صُوَر عتيقة مركونة في ملفات، بطاقات بريدية مرسَلَة من مدن مختلفة، بطاقات متروكة في الأَدراج تهنئةً بأَعياد حميمة، أَرقام هواتف نائمة في علبة بطاقات الأَرقام والعناوين، …)، يَعمُرُ زواج جورج ونانسي بعدد كبير منها منذ انطلقَت حياتهما العاطفية معًا سنة 1959.
سوى أَن لديهما ما يميِّزهما عن سائر الأَزواج والعشاق. فهما يتبادلان، بخطِّهما، كتابة قصائد الحب منذ 66 سنة. منها القصائد العاطفية، ومنها اللَعوبة، ومنها الطريفة الساخرة التي تتنامى ضاحكةً مع عقودٍ طويلةٍ من الحياة اليومية للزوجين. ومجموع هذه القصائد يشكِّل سيرة زوجَين سعيدَين، أَنجبا أَولادًا رعياهم، وهرما معًا، ويعاينون العالَم من حولهما يتغيَّر تدريجيًّا عمَّا كان عليه أَيام التقيا قبل ستة عقود.
حاليًّا، وهو في السنة الثانية بعد المئة، وهي تقترب من التسعين، تلاقي قصةُ حبهما الفريدة رواجًا واسعًا على منصَّات التواصل الإِلكتروني التي تنشُرها حفيدتُهُما فرنشِسكا رييتّي (Rietti)، باسطة حياتهما الغنية النموذجية وعلاقتهما المثالية إِلى ملايين زوَّار تلك المنصَّات.

في ملعب التنِس
كان ذلك يومًا عاديًّا بعد ظهر الخميس 20 آب/أُغسطس 1959، في ملعب التنِس، لدى نادٍ رياضيٍّ في لونغ آيلِند (ضاحية بَحْرية من ولاية نيويورك). يومها جاءت الآنسة نانسي (22 سنة) لتلعب التنِس مع صديقة لها، وإِذا بشاب طويل وسيم يمر بهما، يراقبُ لعبَهُما، يتطلَّع بها ويبادرها بثقةٍ وتحبُّب: “لاعب التنس الماهر يُعرَف من وضعية اليد الخلفية”. ذاك الشاب يومها كان… جورج.
وإِذ كان ينتظر شقيقه إِدوارد ليلعب معه، سأَل نانسي إِن كانت ترغب في رمي بضع طابات معه ريثما يصل شقيقه. وافقَت، وراحا يتحادثان بين قَذْفة طابة وأُخرى، ثم تبادلا رقمَيْهما الهاتفيَّين. وحين انتهت تلك الفترة القصيرة، كان وُلدَ بينهما ما سيجمعُهُما للفترة الطُولى… بعد ثمانية أَشهر، كانا يقولان “نعم” لعقْد زواجهما السعيد.
فرنشِسكا ومنصَّاتها
ما زالت فرنشسكا تنشر على منصاتها الإِلكترونية (فايسبوك، تيك توك، إِنستاغرام، لنكْدإِن، …) روايةَ ستة عقود من هذا الزواج السعيد، وفي مطلع كل رسالة تكتب: “إِنها قصةُ العصر: جدي جورج (102 سنة)، وجدَّتي نانسي (89 سنة)، يتبادلان كتابة القصائد منذ 66 سنة”.
ولتوضيح أَيِّ التباس في كتابات الحب، وفيها أَحيانًا اسم آنِّي، تشرح فرنشسكا أَن آنّي ونانسي اسمان لامرأَة واحدة، اسمها الكامل: إِليزابيت نانسي. لكن شقيقها روبرت أَصرَّ على أَن تُعرَف بـ”نانسي” فاشتهرت بهذا الاسم، وإِذا بها نانسي في ملعب التنِس، ونانسي في القصائد، ونانسي في التواقيع. وحين وُلِدَ حفيدُها الأول صعُبَ عليه لفظُ “نانسي” فسماها آنِّي. وأَخذ أَحفادها تباعًا يسمونها آنِّي.
وبين الثلاثة الأَسماء لا تحبُّ واحدًا منها. كلُّ الذي يهمُّها ما يناديها به جورج: “حبيبتي”، منذ كتبَت أُولى قصائدها عن ذاك اللقاء الأَوَّل بعد ظهر ذاك الخميس في ملعب التنِس، ومعه تغيَّرت كلُّ حياتهما.
القصيدة وما تلاها: في الحلقة الثانية.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.