شكسبير: إِكشِف لنا أَسرارَك العشرة (9 من 10)

هنري زغيب*
فترةً بعد فترة، يتَّضح أَنَّ وليم شكسبير (1564-1616) لا شبيهَ له ولا مثيل: فهو أَشهرُ كاتب عالمي على الإِطلاق في جميع اللغات. ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. سوى أَنَّ مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة والشخصية. لذا أَنشأْتُ هذه السلسلة من 10 حلقات، لأَكشفَ صفحات مطويَّةً من سيرته الشخصية.
في الحلقات السابقة سردتُ لمحة عن نشأَته، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وكارثة الإِفلاس التي وقَع فيها والده، ونحو سبع سنوات ضائعة من سيرته، وانكسار حياته الزوجية، ومآسٍ عائلية أَطلع منها روائع مسرحية، والشك في كونه هو كاتب مسرحياته، وتأْثيره على مفردات اللغة الإِنكليزية، ما كان لمسرحياته من تمثيلها في لهجات مختلفة.
في هذه الحلقة، نجاح مسرحياته في زمانه ما لنجاح أَفلام هوليوود اليوم.
خدمة الأُسرة الملَكية
المعروف أَنَّ المملكة المتحدة تتشكَّل من أَربع دُوَل: إِنكلترا، سْكوتْلِند، ويلز، إِيرلندا الشمالية. والمعروف أَيضًا أَنَّ فترة حُكْم سلالة تودور Tudor الملَكية حكَمَت إِنكلترا وويلز بين 1485 و1603 (ضمْنها الفترة الإِليزابيتية)، أَيْ منذ وصول هنري السابع إِلى العرش (بعد انتصاره على ريتشارد الثالث في معركة بُوسْوُوْرْث) حتى وفاة إِليزابيت الأُولى. وشهدَت تلك الفترة خلافات دينية عقبَت النهضة بدءًا من 1533، لكن الفنون عرفَت ازدهارًا واسعًا، وانتشر خلالها المسرح شعبيًّا أَكثر أَشكال الترفيه الثقافي لدى العموم، وازدحمَت مسارح لندن بالأَعمال المسرحية المتعدِّدة.
فترتئذٍ كان الممثِّلون يبتعدون عن التعقيد في أَدائهم ولفظهم، كي يُرضوا أَوسع مساحة من المشاهدين. لذا كان المؤَلفون المسرحيون يتَّخذون، تأْليفًا مبتكَرًا شخصيًّا أَو اقتباسًا من التاريخ، مواضيع شبيهة يعالجونها بحوارات أَقرب إِلى المحكية منها إِلى اللغة الأَدبية. وهو ما لا يزال حتى اليوم يعتمدُه من يلعبون مسرحيات شكسبير، باللغة البسيطة المعاصرة كي يجتذوا إِليهم الجمهور، وإِلَّا يبتعد هذا عنهم فتسقط أَعمالهم في الفراغ والفشل. من هنا أَن مسرحيات شكسبير في زمانها كانت تشد إِقبال الجمهور بما تتعمَّده حاليًّا صناعة الجذْب السينمائي في هوليوود ومثيلاتها.

ملامح من حياته الخاصة
معظم مسرحيات شكسبير كانت تظهر فيها ملامح أَو مقاطع حوارية من حياته الخاصة. وتعمَّمَت بعده هذه الظاهرة لكسب الجمهور في اكتشاف تلك الحوارات وما ومَن وراءَها. وكانت تلك طريقة جذْب الجمهور، حتى إِذا نجحت المسرحية شعبيًّا تلقَّى كاتبها عرضًا جديدًا ليكتب مسرحية جديدة، أَو عرضًا على تمثيلها في مناطق أُخرى على مسارح أُخرى. وأَكثر بعد: مَن تكون مسرحيتُه استثنائيةَ الإِقبال الشعبي، كان يحظى بعرضِ طباعةِ نصِّه المسرحي في كتاب، يشتريه المهتمُّون المثقَّفون الميسورون، ويحتفظون بالنص لديهم يُعيدون قراءتَه، واستذكارَ مشاهده المكتوبة كما كانوا شاهدوها على الخشبة. على العكس من ذلك: مَن لم يكن يعتمد هذا الأُسلوب، كان يبقى عاطلًا عن العمل، لا يُقْدِم أَحد على تكليفه كتابةَ نصٍّ مسرحيٍّ جديد.
الدليل على ذلك: خلود مسرحيات شكسبير حتى اليوم، وتمثيلها وإِعادة تمثيلها مرارًا في بلدان عدة ولغات عدة، ما يعني نجاحه ككاتب مسرحي في زمانه، وتمتُّعه بمدخولٍ ماديٍّ لائق من أَعماله، لأَنها كانت تنتقل تمثيلًا من مسرح إِلى آخر. وأَخذَت مسرحياته تُطبَع كتبًا منذ سنة 1623، ما جعلها تصل لاحقًا إِلى المهتمين والمعنيين الذين لولا صدورها مطبوعةً لكانت ضاعت في النسيان ولم تصلْنا.

نُسَخ معدَّلة لبعض أَعماله
من عوامل نجاح أَعماله، خصوصًا بعد طبعها، أَن الجمهور كان يعرف معظم قصصها قبل مُشاهدتها أَو قراءتها مجدَّدًا. وهو وعى تلك الظاهرة وأَفاد منها، فكتب “الملك جون”، ثم “ريتشارد الثالث”، ثم “هنري الرابع” الجزء الأَول ثم الجزء الثاني، ثم “هنري الخامس”، ثم “هنري السادس” (الجزء الأَول والثاني والثالث)، ثم عودة إِلى “ريشارد الثالث” ثم “إِدوارد الثالث”، فكان انتشار مسرحياته فترتئذٍ كانتشار الأَفلام اليوم في صالات السينما.
كان بين جمهوره طبقة فقيرة تقتصد قروشها فرادى حتى يتجمَّع لها ثمن بطاقة لحضور مسرحية شكسبيرية. وهو ما دعاه إِلى اعتبار ذلك فكتب نصوصًا يحب الجمهور مشاهدتها وفق ذوقه ومتطلباته وذوقه ومستوى فهمه واستيعابه. وكان شكسبير من الذكاء أَن اتخذ مواضيع تاريخية تثقِّفُ جمهوره وتمجّد أَعلام الأُسرة الملَكية الحاكمة، مقابل التعتيم على الكاثوليك أَو سائر الانتماءات الدينية. من هنا أَن سلسلة مسرحيات الملوك “هنري” تضيْءُ واسعًا وإِيجابيًّا على حُكْم “آل تودور”. وكان شكسبير يعمَد أَحيانًا إِلى تعديلات بسيطة في بعض مسرحياته المستعادة، خصوصًا تلك التي تلاقي نجاحًا في عروضها الأُولى. من تلك، مثلًا، مسرحية “روميو وجولييت” الْكان قسم كبير من الجمهور يعرف قصتها من المدرسة أَو من الميثولوجيا اليونانية.
أَكثر مؤَلف في جميع اللغات
هكذا كانت مسرحيات شكسبير في زمانها تستقطب جمهورًا واسعًا، ما يدل على انتقال معظمها إِلى السينما. وفي إِحصاء أَخير صدر عن مؤِسسة “غينيس” للأَرقام القياسية أَن 410 أَعمال سينمائية وتلفزيونية اقتُبسَت من مسرحيات شكسبير، ما جعلت منه أَكثر مؤَلف في العالَم صُوِّرت أَعماله في جميع اللغات.
الحلقة المقبلة (الأَخيرة): ملامح أَخيرة من سيرته.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.