إنفجاراتُ دمشق: رسالةٌ للشرع أم ماكرون؟

محمّد قوّاص*

قد يفهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنَّ تفجيرات الثلاثاء في دمشق ليست مُوَجَّهة ضد سوريا ونظامها الجديد برئاسة أحمد الشرع فقط. قد يستنتج، وحوله مستشاروه يحملون تقارير “الأجهزة”، أنَّ الاعتداءات التي تحمل بصمات إرهابية تستهدفه وتستهدف فرنسا الطامحة إلى لعبِ دورٍ ينافس لاعبين آخرين.

في البال أنَّ لسوريا الجديدة رعاة ومهندسين من واشنطن إلى أنقرة مرورًا بموسكو وتل أبيب وعواصم أخرى قد لا تستسيغ مناورات ماكرون الخارجة عن أيِّ سياق.

يعرف ماكرون أنَّ “فعل فاعل” يعمل على إخراج فرنسا من ملف لبنان وحرمان باريس من تاريخٍ من النفوذ في بيروت. ليس سرًّا أنَّ فرنسا غابت عن “الخماسية” المعلّقة. ولا مكان لها في لجنة “الميكانيزم” التي ربما انتهت صلاحيتها.

فيما مبادرة الرئيس اللبناني جوزيف عون بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، وتلقفها ودعمها من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، جرت من وراء ظهر فرنسا ومن دون خدماتها. وإذا كان الموسم يميل إلى تجاهل فرنسا في لبنان، فإنَّ الموسم نفسه قد يمقت إطلالتها من خلال سوريا.

إسرائيل قد تكون وراء رسالة دمشق النارية. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يكره فرنسا ويكره ماكرون الذي ترأس مع السعودية مؤتمرًا لدعم “حلِّ الدولتين” وجعلَ من الاعتراف بالدولة الفلسطينية سابقة يُحتذى بها لدى الدول الغربية.

وإذا كان ما يهمُّ نتنياهو اعتبار لبنان وسوريا ملفَّين استراتيجيين إسرائيليين، فمن الطبيعي أن يعرقل مسعى فرنسا وأوروبا من ورائها من النفاذ إلى ما قد يعتبره “مجالًا” إسرائيليًا يحظى حتى الآن برعاية واشنطن وترامب.

العواصم الفاعلة كثيرة في سوريا. وقد برز ذلك بشكلٍ علني منذ اللحظات الأولى لسقوط نظام الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024. ولئن تتقدّم الرعاية العربية سندًا لتحوُّلات أسقطت نفوذ إيران وقوّضت هلالها من طهران إلى بيروت، فإنَّ تركيا ترى في سوريا أكثر وأخطر من ذلك.

بدت سوريا ميدان مواجهة فاترة بين تركيا وإسرائيل، وحقل تحوّلات بشأن “الخطر” الكردي ومستقبل التعامل معه داخل تركيا كما في الجوار.

ولئن تُنسَب اعتداءات دمشق إلى “الصراع الدولي”، فإنَّ فرنسا تُدرِكُ ربما أكثر من دمشق متاهة المُمكِن والمُستحيل.

تستهدفُ الرسالةُ الإرهابيةُ حكمَ الشرع، وأعداءُ هذا الحكم كُثُرٌ في الداخل والخارج. وفيما قد تهتدي أجهزة الأمن السورية إلى مرتكبي ذلك الإثم، فإنَّ دمشق تعرف أنَّ إسقاط الأدوات لا ينهي توالد أدوات أخرى بأسماء مختلفة لصالح كبار خارج أي محاسبة.

وإذا كانت انفجارات الثلاثاء قد سبقتها انفجارات أخرى قبلها بأيام، فإنَّ البلد مُعرَّض لاعتداءات لاحقة بسبب الدور المفصلي الذي باتت سوريا تلعبه في الإقليم والعالم، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو في خطوط التجارة والطاقة وخرائطها المستحدثة.

تبدو سوريا التي تجاهلها العالم وجعلها هامشًا طوال أعوام الصراع (2011-2024) قد صارت وجهة تتقاطع داخلها ومنها التحوّلات الكبرى.

قبل أيام أعلن السياسي العراقي عزت الشابندر أنَّ مداولات تجري مع دمشق لقيام رئيس الحكومة العراقي علي الزيدي بزيارة مرقد السيدة زينب في العاصمة السورية بشكلٍ علني برفقة الرئيس الشرع. يكشف أنَّ في الأمر سعيًا لتهدئة النفوس ووأد الفتنة.

ومما يُستنتج، من مصادر أخرى، أنَّ الأمر يجري بتشجيع من المبعوث الرئاسي الأميركي توم برّاك، ضمن مشروع لتوقيع البلدين اتفاقية ربط اقتصادي قد تنضم إليها دول عربية أخرى.

قد يجوز التنويه أنَّ طهران لم تعد وجهة بغداد الأولى، خصوصًا بعد “صولة الفجر” ضد الفساد، وأنَّ دمشق وما تعنيه في المشهد الدولي باتت الوجهة المثالية للتحوّلات الجاذبة للرسائل القذرة الصادرة عن المتضرّرين.

معادلة تدركها دمشق كما تدركها باريس، اللتان ترسمان علاقتهما وفق مشهد له أعراضه الجانبية الدموية.

  • الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى