كيفَ تُعيدُ البنوكُ السعودية تعريفَ دورها في الاقتصاد؟
تتجاوز قيمة المشاريع والاستثمارات المرتبطة برؤية السعودية 2030 تريليونات عدة من الدولارات، وهو ما يطرح سؤالًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن المشاريع نفسها: مَن سيُمَوِّل هذا التحوّل؟

على مدى عقود، ارتبطت قوة الاقتصاد السعودي بصورةٍ وثيقة بقدرة الدولة على توظيف عائدات النفط في بناء البنية التحتية وتمويل التنمية. وكانت الحكومة هي المحرّك الرئيس للاستثمار، فيما اضطلعت البنوك التجارية بدور الوسيط المالي التقليدي، الذي يجمع الودائع ويحوّلها إلى قروضٍ للشركات والأفراد. وقد نجح هذا النموذج في دعم مراحل متعاقبة من التنمية، لكنه لم يعد كافيًا لاقتصادٍ يسعى إلى إعادة تشكيل نفسه بوتيرة غير مسبوقة.
فاليوم، لم يَعُد السؤال الاقتصادي في المملكة يدور حول حجم الإيرادات النفطية أو مستويات الإنفاق الحكومي فحسب، بل حول كيفية تمويل مشروع اقتصادي ضخم ومتعدد الأبعاد يهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وبناء قطاعات جديدة في الصناعة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة. ويعني ذلك أنَّ القطاع المالي، وفي مقدمته البنوك، لم يعد مجرّد ناقلٍ للسيولة داخل الاقتصاد، بل أصبح أحد المحرّكات الأساسية التي يتوقّف عليها نجاح عملية التحوُّل نفسها.
وتكتسبُ هذه المسألة أهمية خاصة في ظلِّ حجم الاستثمارات التي تستهدفها رؤية 2030. فالمملكة لا تُنفّذُ مشاريع منفصلة، بل تُعيدُ بناء أجزاء واسعة من اقتصادها في وقتٍ واحد، من المدن الذكية والمناطق الاقتصادية الجديدة، إلى الإسكان، والبنية التحتية، والصناعة، والسياحة، والتحوُّل الرقمي. وكلُّ مشروعٍ من هذه المشاريع يحتاج إلى تمويلٍ طويل الأجل، وإدارة متطوّرة للمخاطر، وأدوات مالية أكثر تنوُّعًا من القروض المصرفية التقليدية.
ولهذا، أصبح القطاع المصرفي السعودي يقف أمام مرحلة مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفها خلال العقود الماضية. فالتحدّي لم يعد تحقيق نمو في الأرباح أو زيادة حجم المحافظ الائتمانية فحسب، بل تطوير نموذج أعمال قادر على مواكبة اقتصاد يتغيَّر بسرعة، ويحتاج إلى تمويلٍ أكثر تعقيدًا، وخدمات مالية رقمية، وأسواق رأسمال أكثر عمقًا، وقدرة أكبر على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
ولا يأتي هذا التحوُّل من فراغ. فقد دخلت البنوك السعودية هذه المرحلة من موقع قوة نسبيًا. فهي تتمتع برسملة مرتفعة، وجودة جيدة في الأصول، وربحية مستقرة، ومستويات سيولة مريحة مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة، وهو ما وفّرَ لها قاعدة صلبة للتوسُّع في تمويل المشاريع الكبرى والقطاع الخاص. كما ساهمت الإصلاحات التنظيمية التي قادها البنك المركزي السعودي (ساما)، إلى جانب النمو الاقتصادي الذي شهدته المملكة خلال السنوات الأخيرة، في تعزيز متانة القطاع وقدرته على التكيُّف مع المتغيرات المحلية والعالمية. ويؤكد التقرير الأخير الصادر بالتعاون بين “أكسفورد بيزنس غروب” (Oxford Business Group) والبنك السعودي الفرنسي أنَّ القطاع المصرفي يدخل هذه المرحلة وهو يستند إلى مؤشرات مالية قوية، لكنه يواجه في الوقت نفسه متطلبات جديدة تختلف جوهريًا عن تلك التي حكمت عمله في الماضي.
لكن قوة القطاع اليوم لا تعني أنَّ الطريق أمامه خالٍ من التحديات. فكلما اتسعت طموحات الاقتصاد، ازدادت الحاجة إلى رؤوس أموال أكبر، وإدارة أكثر كفاءة للمخاطر، وابتكار أدوات تمويل جديدة، وتحقيق توازن دقيق بين تمويل مشاريع التحوُّل والمحافظة على متانة الميزانيات العمومية للبنوك. ومن هنا، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت البنوك السعودية قادرة على تمويل الاقتصاد، بل كيف ستُعيدُ تعريف دورها في اقتصادٍ لم يعد يشبه اقتصاد العقد الماضي.
من الإقراض التقليدي إلى تمويل التحوُّل الاقتصادي
لم يكن دور البنوك السعودية، حتى وقت قريب، يختلف كثيرًا عن دور معظم البنوك التجارية في الاقتصادات النفطية. فقد ارتكز نشاطها بصورةٍ رئيسية على تلقّي الودائع، وتقديم القروض للأفراد والشركات، وتمويل التجارة المحلية، مع اعتمادٍ نسبي على الإنفاق الحكومي بوصفه المحرّك الأساسي للنشاط الاقتصادي. وكانت الدولة، بفضل إيرادات النفط، تضطلع بالدور الأكبر في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية، فيما بقيت مساهمة القطاع الخاص محدودة نسبيًا.
غير أنَّ هذا النموذج بدأ يتغير تدريجًا مع إطلاق رؤية 2030، التي لم تقتصر على تنويع مصادر الدخل، بل أعادت رسم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والقطاع المالي. فمع توسُّع برامج الخصخصة، وارتفاع مساهمة الشركات الخاصة في الاستثمار، وإطلاق مشاريع ضخمة في قطاعات السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتعدين والطاقة المتجددة، لم يعد التمويل الحكومي وحده قادرًا على تلبية الاحتياجات المتزايدة للاقتصاد، وأصبح القطاع المصرفي مُطالَبًا بأداءِ دورٍ أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
ولذلك، لم تعد البنوك مجرّد مؤسسات تمنح القروض، بل أصبحت شريكًا في هيكلة التمويل، وترتيب القروض المشتركة، وإدارة التدفقات النقدية، وتقديم حلول تمويلية متخصصة تتناسب مع المشاريع العملاقة التي تمتد لسنوات طويلة وتتطلّب استثمارات بمليارات الدولارات. كما ازداد دورها في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعد إحدى الركائز الأساسية لرؤية 2030، وفي توفير أدوات تمويل تدعم توسُّع القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.
ويعكس هذا التحوُّل تغيُّرًا أعمق في طبيعة النشاط المصرفي نفسه. فالبنوك لم تعد تقيس نجاحها فقط بحجم محافظ الإقراض أو نمو الودائع، بل أيضًا بقدرتها على تقديم خدمات مالية متكاملة للشركات والمستثمرين، تشمل إدارة السيولة، والخدمات المصرفية الاستثمارية، وتمويل التجارة، والخزينة، والاستشارات المالية، وإدارة المخاطر. وتشير تقارير القطاع إلى أنَّ مصادر الدخل غير المعتمدة على الفوائد بدأت تكتسب أهمية متزايدة، في موازاة استمرار نمو التمويل التقليدي، بما يعكس انتقال البنوك إلى نموذج أعمال أكثر تنوُّعًا واستدامة.
وفي الوقت نفسه، فرضت المشاريع العملاقة التي تشهدها المملكة تحدّيًا جديدًا يتمثل في حجم التمويل المطلوب. فمشروعات مثل “نيوم”، والبحر الأحمر، والقدية، ومشاريع الإسكان والبنية التحتية، تحتاج إلى هياكل تمويل معقدة تجمع بين القروض المصرفية، وأسواق الدين، والصناديق الاستثمارية، ورؤوس الأموال الخاصة، وهو ما دفع البنوك إلى توسيع تعاونها مع المؤسسات المالية المحلية والدولية، بدل الاعتماد على التمويل التقليدي وحده.
ومن هنا، يمكن القول إنَّ التحوُّل الذي تشهده البنوك السعودية لا يتمثل في نموِّ حجم أعمالها فحسب، بل في إعادة تعريف وظيفتها داخل الاقتصاد الوطني. فهي لم تعد تعمل على تمويل النشاط الاقتصادي بعد حدوثه، بل أصبحت تشارك في تصميمه وتمكينه منذ مراحله الأولى، بما يجعلها أحد الأعمدة الرئيسة للتحوُّل الاقتصادي الذي تشهده المملكة.
وفي المقابل، يطرح بعض المراقبين تساؤلًا مشروعًا حول الكيفية التي سيُدار بها التوسُّع الائتماني خلال السنوات المقبلة. فمع ازدياد الحاجة إلى تمويل المشاريع الكبرى، قد تتجه نسبة متزايدة من المحافظ الائتمانية نحو عدد محدود من القطاعات أو المشاريع ذات الأحجام الضخمة. ولا يعني ذلك وجود مصدر قلق مباشر، خصوصًا في ظلِّ الأُطُرِ الرقابية التي يعتمدها البنك المركزي السعودي، لكنه يسلط الضوء على أهمية تنويع المحافظ الائتمانية، والحفاظ على توازن بين تمويل المشاريع الاستراتيجية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الإنتاجية الأخرى. فنجاح القطاع المصرفي لن يقاس فقط بحجم التمويل الذي يقدّمه، بل أيضًا بقدرته على توزيع المخاطر بكفاءة، بما يحافظ على متانة النظام المالي واستدامة النمو الاقتصادي.
إنَّ التحوُّل الذي تشهده البنوك السعودية ليس ظاهرة محلية معزولة، بل يأتي في وقتٍ تُعيدُ بنوكٌ عديدة حول العالم تعريف نماذج أعمالها، تحت ضغط الرقمنة، وصعود التكنولوجيا المالية، وتشديد المتطلبات التنظيمية، وتراجُع الاعتماد على الإيرادات التقليدية القائمة على الفوائد. لكن ما يُميِّز التجربة السعودية هو تزامن هذا التحوُّل مع أكبر برنامج لإعادة هيكلة الاقتصاد في تاريخ المملكة الحديث، وهو ما يمنح القطاع المصرفي دورًا يتجاوز التكيُّف مع المتغيّرات إلى المساهمة في صناعتها.
هل يكفي النمو التقليدي لتمويل اقتصادٍ جديد؟
إذا كانت رؤية 2030 قد غيّرت وظيفة البنوك السعودية، فإنها غيرت أيضًا طبيعة الطلب على الخدمات المالية. فالاقتصاد الذي يتجه نحو التنويع لم يعد يحتاج إلى مؤسّسات تقتصر مهمّتها على الإقراض، بل إلى قطاعٍ مالي قادرٍ على توفير منظومة متكاملة من الحلول التمويلية والاستثمارية وإدارة المخاطر، تتناسب مع اقتصادٍ أكثر تعقيدًا وانفتاحًا.
فالتحوُّل الجاري في المملكة لا يقتصر على إنشاء مشاريع ضخمة أو تطوير بنية تحتية حديثة، بل يشمل أيضًا نمو قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا المالية، والاقتصاد الرقمي، والصناعات المتقدّمة، والطاقة المتجدّدة، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتعدين. ولكلٍّ من هذه القطاعات احتياجات تمويلية تختلف جذريًا عن تلك التي اعتادت البنوك التعامل معها في الماضي.
ومن هنا، لم يعد نجاح البنك يُقاس فقط بحجم محفظة القروض أو نمو الودائع، بل بقدرته على تقديم حلول مالية متكاملة ترافق الشركات في مختلف مراحل نموها. وتشمل هذه الحلول إدارة النقد والسيولة، وتمويل التجارة، والخدمات المصرفية الاستثمارية، وترتيب إصدارات السندات والصكوك، وإدارة الخزينة، وتمويل سلاسل الإمداد، إضافة إلى الاستشارات المتعلّقة بعمليات الاندماج والاستحواذ. ويشير التقرير إلى أنَّ هذه الأنشطة أصبحت تمثل أحد أهم محركات النمو المستقبلي للقطاع، في وقتٍ تتزايد أهمية الإيرادات القائمة على الرسوم والخدمات مقارنةً بالنموِّ التقليدي القائم على الفوائد وحدها.
ويواكب ذلك تحوّلٌ رقمي واسع داخل القطاع المصرفي. فقد أصبحت الخدمات المصرفية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، عناصر أساسية في المنافسة بين البنوك، وليس مجرّد أدوات لتحسين الكفاءة التشغيلية. كما أدّى الانتشار السريع لشركات التكنولوجيا المالية (FinTech) إلى إعادة تشكيل توقعات العملاء، سواء من حيث سرعة الخدمات أو سهولة الوصول إليها أو تنوُّع المنتجات المالية. ولم يَعُد التحدّي يتمثل في منافسة البنوك بعضها بعضًا فحسب، بل في قدرتها على التكيُّف مع بيئةٍ مالية تتداخل فيها المؤسسات المصرفية التقليدية مع شركات المدفوعات الرقمية، ومنصّات التمويل، ومزوّدي الخدمات المالية غير المصرفية.
وفي هذا السياق، اتخذ البنك المركزي السعودي (ساما) نهجًا يجمع بين تشجيع الابتكار والحفاظ على الاستقرار المالي. فقد أسهم تطوير البيئة التنظيمية، وإطلاق المختبرات التشريعية (Regulatory Sandboxes)، وتحديث أنظمة المدفوعات، في تسريع نمو قطاع التكنولوجيا المالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستويات مرتفعة من الرقابة وإدارة المخاطر. وهذا التوازن بين الابتكار والانضباط التنظيمي أصبح أحد العوامل التي ينظر إليها المستثمرون بوصفها مصدر قوة للقطاع المصرفي السعودي.
غير أنَّ هذا التحوُّل يفرض على البنوك تحديات لا تقل أهمية عن الفرص التي يتيحها. فتمويل المشاريع العملاقة يتطلب رؤوس أموال كبيرة، وإدارة دقيقة للمخاطر، والقدرة على تنويع مصادر التمويل، في وقت قد تؤدي فيه تقلبات أسعار الفائدة، أو تباطؤ الاقتصاد العالمي، أو تغيُّر أوضاع السيولة، إلى زيادة الضغوط على هوامش الربحية. كما إنَّ المنافسة المتزايدة، سواء من المؤسسات المالية المحلية أو من اللاعبين الدوليين وشركات التكنولوجيا المالية، تفرض على البنوك الاستثمار المستمر في التكنولوجيا والكوادر البشرية والابتكار، للحفاظ على قدرتها التنافسية في سوق تتغير ملامحها بسرعة.
ولذلك، فإنَّ التحدي الحقيقي أمام البنوك السعودية لا يتمثل في تمويل مشاريع رؤية 2030 فحسب، بل في التحوُّل إلى مؤسسات مالية أكثر تنوُّعًا ومرونة، قادرة على مواكبة اقتصاد ينتقل من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد تقوده الاستثمارات، والابتكار، والقطاع الخاص، وأسواق رأس المال.
بين الفرص والمخاطر… اختبار المرحلة المقبلة
ورُغمَ المؤشرات الإيجابية التي يتمتع بها القطاع المصرفي السعودي، فإنَّ المرحلة المقبلة قد تكون الأكثر تحدّيًا منذ سنوات. فكلما تسارع تنفيذ مشاريع رؤية 2030، ازدادت الحاجة إلى التمويل، وارتفع الطلب على الائتمان، واتسعت مسؤولية البنوك في إدارة مخاطر تتجاوز ما اعتادته خلال العقود الماضية.
ويتمثل أحد أبرز هذه التحديات في تحقيق التوازن بين التوسع في الإقراض والمحافظة على متانة الميزانيات العمومية. فالمشاريع العملاقة، بطبيعتها، تحتاج إلى تمويل طويل الأجل، في حين تعتمد البنوك في جُزءٍ كبير من مواردها على ودائع قصيرة أو متوسطة الأجل. وهذا يفرض إدارة دقيقة للسيولة، وتنويعًا في مصادر التمويل، وتطوير أدوات جديدة، مثل إصدارات الصكوك والسندات، والقروض المشتركة، بما يخفف الضغط على الميزانيات ويعزز القدرة على تمويل المشاريع الكبرى بصورة مستدامة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل مستقبل القطاع المصرفي السعودي عن البيئة الاقتصادية العالمية. فالتقلبات في أسعار الفائدة، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وتراجع أسعار النفط -إن حدث- أو اضطرابات الأسواق المالية الدولية، جميعها عوامل قد تؤثر في تكلفة التمويل، والطلب على الائتمان، وربحية البنوك. ورُغمَ أنَّ الاقتصاد السعودي أصبح أكثر تنوُّعًا مما كان عليه قبل عقد من الزمن، فإنه لا يزال يتأثر، بدرجات متفاوتة، بالمتغيرات الخارجية التي تنعكس على مستويات السيولة والاستثمار.
ويبرز تحدٍ آخر يتمثل في المنافسة المتزايدة داخل القطاع المالي نفسه. فإلى جانب البنوك المحلية الكبرى، تشهد المملكة نموًا سريعًا في شركات التكنولوجيا المالية، ومنصّات المدفوعات الرقمية، ومؤسسات التمويل المتخصصة، التي بدأت تستحوذ على شرائح من الخدمات التي كانت حكرًا على البنوك التقليدية. كما إنَّ الانفتاح المتزايد على المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية قد يرفع مستوى المنافسة في مجالات إدارة الأصول، والخدمات المصرفية الاستثمارية، وتمويل الشركات.
لكن هذه المنافسة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تهديدًا فحسب، بل قد تكون أيضًا عاملًا يدفع القطاع إلى تسريع الابتكار وتحسين الكفاءة. فقد أظهرت التجارب الدولية أنَّ الأنظمة المصرفية الأكثر قدرة على التكيُّف هي تلك التي تنجح في دمج التقنيات الحديثة، وتطوير الخدمات الرقمية، والاستفادة من الشراكات مع شركات التكنولوجيا المالية، بدل الاكتفاء بمنافستها.
ومن جهة أخرى، تفرض المتطلبات التنظيمية الدولية، ولا سيما ما يتعلق بكفاية رأس المال، وإدارة المخاطر، والحوكمة، والتمويل المستدام، ضغوطًا إضافية على البنوك، لكنها في المقابل تعزّز ثقة المستثمرين وتدعم استقرار النظام المالي على المدى الطويل. وقد استفاد القطاع المصرفي السعودي خلال السنوات الماضية من الإطار الرقابي الذي طوره البنك المركزي السعودي (ساما)، والذي أسهم في الحفاظ على مستويات مرتفعة من الرسملة والسيولة وجودة الأصول، حتى في فترات التقلب الاقتصادي.
وربما يكون التحدي الأهم هو كيفية الحفاظ على هذا التوازن الدقيق: تمويل التحوُّل الاقتصادي بوتيرة تواكب طموحات رؤية 2030، من دون الإفراط في تحمُّل المخاطر أو إضعاف متانة القطاع المالي. فنجاح البنوك لن يُقاس فقط بقدرتها على زيادة الأرباح أو توسيع محافظ الإقراض، بل أيضًا بقدرتها على تمويل النمو بطريقة مستدامة، تحافظ على الثقة في النظام المصرفي، وتضمن استمراره في أداء دوره كمحرّك رئيس للاقتصاد السعودي.
وفي المقابل، يطرح بعض المراقبين تساؤلًا مشروعًا حول الكيفية التي سيُدار بها التوسع الائتماني خلال السنوات المقبلة. فمع ازدياد الحاجة إلى تمويل المشاريع الكبرى، قد تتجه نسبة متزايدة من المحافظ الائتمانية نحو عدد محدود من القطاعات أو المشاريع ذات الأحجام الضخمة. ولا يعني ذلك وجود مصدر قلق مباشر، خصوصًا في ظل الأطر الرقابية التي يعتمدها البنك المركزي السعودي، لكنه يسلط الضوء على أهمية تنويع المحافظ الائتمانية، والحفاظ على توازن بين تمويل المشاريع الاستراتيجية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الإنتاجية الأخرى. فنجاح القطاع المصرفي لن يقاس فقط بحجم التمويل الذي يقدمه، بل أيضًا بقدرته على توزيع المخاطر بكفاءة، بما يحافظ على متانة النظام المالي واستدامة النمو الاقتصادي.
من قطاعٍ مصرفي قوي إلى مركزٍ مالي إقليمي؟
إذا نجحت البنوك السعودية خلال العقود الماضية في ترسيخ مكانتها داخل أكبر اقتصاد عربي، فإنَّ التحدّي الذي يلوح في الأفق يتجاوز حدود السوق المحلية. فمع تسارع تنفيذ رؤية 2030، وتوسع أسواق الدين، ونمو قطاع إدارة الأصول، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، يبرز سؤال جديد: هل يستطيع القطاع المصرفي السعودي أن يتحوّلَ من داعمٍ للاقتصاد الوطني إلى لاعبٍ مالي ذي حضور إقليمي ودولي؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا. فالرياض تعمل بالتوازي على تنفيذ إصلاحات تهدف إلى تعزيز مكانتها مركزًا ماليًا، مستفيدة من حجم الاقتصاد السعودي، وعمق السوق المحلية، والتطوُّر المستمر في سوق الأسهم والصكوك، إلى جانب البرامج الرامية إلى جذب المؤسسات المالية العالمية ونقل مقارها الإقليمية إلى المملكة. وإذا نجحت هذه الجهود، فإنَّ دور البنوك لن يقتصر على تمويل المشاريع داخل المملكة، بل سيمتد إلى ترتيب الصفقات العابرة للحدود، وإدارة الإصدارات المالية، وتمويل التجارة الإقليمية، وتقديم الخدمات المصرفية للشركات التي تتخذ من السعودية قاعدة لعملياتها في المنطقة.
لكن الوصول إلى هذا المستوى يتطلب أكثر من زيادة حجم الأصول أو الأرباح. فالمراكز المالية العالمية لا تُبنى على الرسملة القوية وحدها، بل على عمق الأسواق، وتنوُّع المنتجات المالية، وشفافية البيئة التنظيمية، وكفاءة القضاء التجاري، وسهولة تدفق رؤوس الأموال، ووجود كوادر بشرية متخصصة قادرة على إدارة العمليات المالية المعقدة. كما يتطلّب تطوير أسواق رأس المال، بحيث تصبح الشركات أقل اعتمادًا على التمويل المصرفي المباشر، وأكثر قدرة على تنويع مصادر تمويلها عبر السندات، والصكوك، والطروحات العامة، وأدوات التمويل المبتكرة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى البنوك بمعزل عن بقية مكوّنات المنظومة المالية. فنجاح القطاع خلال العقد المقبل سيعتمد بدرجة متزايدة على تكامله مع سوق المال، وشركات التأمين، ومديري الأصول، وشركات التكنولوجيا المالية، ومؤسسات التمويل التنموي، بما يخلق منظومة مالية متكاملة قادرة على تلبية احتياجات اقتصاد يتوسّع في الحجم والتعقيد معًا. وتشير تقارير عدة إلى أن هذا التكامل سيكون أحد العوامل الحاسمة في تعزيز قدرة القطاع على مواكبة الطلب المتزايد على التمويل والخدمات المالية المتخصصة.
وفي المقابل، ستظل المحافظة على الاستقرار المالي شرطًا لا غنى عنه. فالخبرة التي اكتسبها القطاع المصرفي السعودي خلال فترات تقلب أسعار النفط، والأزمات المالية العالمية، وجائحة “كوفيد-19″، تؤكد أنَّ النمو السريع لا يكون مستدامًا إلّا إذا رافقته إدارة حذرة للمخاطر، ورقابة تنظيمية فعالة، ومرونة في مواجهة الصدمات الخارجية. ومن هنا، فإنَّ قدرة البنوك على الجمع بين الطموح والانضباط ستكون العامل الحاسم في نجاحها خلال المرحلة المقبلة.
وإذا كان النفط قد صنع الثروة التي قامت عليها الدولة السعودية الحديثة، فإنَّ القطاع المالي سيكون أحد أهم الأدوات التي ستُحدّد شكل اقتصادها في العقود المقبلة. فنجاح رؤية 2030 لن يُقاس فقط بعدد المشاريع التي تُبنى، أو بحجم الاستثمارات التي تُعلن، بل أيضًا بقدرة النظام المالي على تحويل هذه الطموحات إلى نشاط اقتصادي مستدام، وشركات منتجة، وأسواق أكثر عمقًا، وفرص عمل ذات قيمة مضافة. وفي هذا المعنى، لم تعد البنوك مجرّد مُمَوِّلٍ للاقتصاد، بل أصبحت شريكًا في إعادة تشكيله.
- راغب الشيباني هو مراسل “أسواق العرب” في الرياض.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.