اليونيفيل: اليوم التالي
الدكتور ناصيف حتي*
في وقتٍ لا تزال الحرب الإسرائيلية على لبنان مُستمرّة، رُغمَ اتفاق وقف إطلاق النار في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 ودخوله حَيِّز التنفيذ في اليوم التالي (27 تشرين الثاني/نوفمبر)، ولم تلتزم به إسرائيل منذ ساعاته الأولى، تتسارع التحوّلات السياسية والإقليمية المحيطة بهذا النزاع. فبعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية التي نصّت على الوقف الفوري والدائم للأعمال العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، ثم إبرام اتفاق الإطار الثلاثي اللبناني–الإسرائيلي–الأميركي، الذي يُفتَرَض أن يفتحَ الباب أمام مسارٍ تفاوضي ديبلوماسي لإنهاء الحرب، يبرز بقوة سؤال المرحلة المقبلة، وتحديدًا: ماذا بعد “اليونيفيل”؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية لأنَّ قوّة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي أُنشِئت عام 1978 وعُزِّزت صلاحياتها وعديدها بعد حرب تموز (يوليو) 2006، تدخل عامها الأخير قبل انتهاء مهمتها نهائيًا. وعليه، لم يعد السؤال مرتبطًا بمصير القوة الدولية، بل بما سيأتي بعدها: مَن سيتولّى الأدوار التي اضطلعت بها على امتداد نحو خمسة عقود؟ وكيف ستُدار معادلة الأمن والاستقرار في جنوب لبنان في ظلّ التحوّلات الميدانية والسياسية الجارية؟
ويأتي ذلك في سياق توجُّهٍ داخل مجلس الأمن الدولي نحو إنهاء، ولو بصورة تدريجية، مهام عدد من عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العالم، في ظل ضغوط مالية متزايدة. غير أنَّ ثمّةَ مَن يرى أنَّ الاعتبارات المالية ليست سوى جُزءٍ من المشهد، وأنَّ القرار يعكس أيضًا مقاربة سياسية جديدة في التعاطي مع بعض النزاعات التي تحوّلت، بالنسبة إلى المجتمع الدولي، إلى جُزءٍ من الواقع القائم، بما يستدعي إعادة تعريف أدوار قوات حفظ السلام فيها.
غير أنَّ الحالة اللبنانية تبدو مختلفة إلى حدٍّ كبير. فالتوقيت الذي يقترب فيه وجود “اليونيفيل” من نهايته يتزامن مع مرحلةٍ هي الأكثر حساسية منذ سنوات، سواء على مستوى الداخل اللبناني، أو على مستوى الجغرافيا الاستراتيجية للنزاع وأبعاده الإقليمية. ففي لحظةٍ تشهد إعادة رسم للتوازنات العسكرية والسياسية، يصبح غياب القوة الدولية عاملًا مؤثرًا في هذه التحوّلات، كما يتأثر بها في الوقت نفسه، بما يجعل مرحلة “ما بعد اليونيفيل” جُزءًا من معادلة إقليمية أوسع، لا مجرد تطوُّر يقتصر على جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، طرح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في تقريره المُقَدَّم إلى مجلس الأمن الدولي مطلع هذا الشهر، ثلاثة خيارات لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل”، بما يضمن، وفق رؤيته، استمرار تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب القوة الدولية.
- الخيار الأول يقوم على إرسال بعثة من 350 مراقبًا عسكريًا غير مسلَّح، على أن تتولى قوة مسلحة تابعة للأمم المتحدة مهمة حمايتهم، ليبلغ إجمالي عديد البعثة نحو 5525 عنصرًا.
- الخيار الثاني يقوم على تخفيض عديد القوة بتركيبتها المشابهة للمقترح الأول، مما يخفض التكاليف.
- الخيار الثالث يأتي في السياق ذاته من حيث خفض العديد لخفض التكاليف.
وفي موازاة ذلك، يُشدّد غوتيريش على أنَّ أيَّ صيغةٍ بديلة ستتطلّب تعزيز القدرات التكنولوجية، ولا سيما في مجال مراقبة الخط الأزرق، لتعويض النقص في العنصر البشري، بما يسمح بتنفيذ المهام الرقابية في مرحلة ما بعد اليونيفيل.
وفي المُحصّلة، يجد لبنان نفسه أمام مفترق استراتيجي بالغ الحساسية. فمن جهة، يواجه الجنوب واقعًا جديدًا يتمثّل في عودة الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولة فرض “نموذج غزة” من خلال تكريس “الخط الأصفر” وإحكام السيطرة على شريط حدودي، بالتوازي مع الاستعداد لإطلاق المسار التفاوضي الذي نصَّ عليه اتفاق الإطار المُوقّع في واشنطن. ومن جهة أخرى، يجري تفكيك إحدى الركائز التي قامت عليها معادلة الاستقرار في جنوب لبنان منذ عام 2006.
وتتضاعف أهمية هذه المفارقة لأنَّ تراجع الدور الأممي يأتي في مرحلة تزداد فيها الحاجة إلى وجوده، في ظل متغيّرات ميدانية وسياسية غير مسبوقة، ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة. فالفترة الانتقالية التي دخلها لبنان والمنطقة لم تتبلور بعد معالمها النهائية، ولا يمكن تقدير مدتها أو استشراف تداعياتها، ليس على الواقع اللبناني فحسب، بل على المشهد الاستراتيجي الإقليمي برمته، الذي يشكل لبنان أحد أبرز ساحاته.
من هنا، تبرز المبادرة الفرنسية-الإيطالية لتشكيل قوة حفظ سلام جديدة في جنوب لبنان باعتبارها محاولة لملء الفراغ الذي سيخلّفه انتهاء مهمة “اليونيفيل”. غير أنَّ نجاح هذه المبادرة لن يتوقف على إنشاء قوة بديلة فحسب، بل على حجم الدعم السياسي والمالي والعملاني الذي ستحظى به، وعلى مستوى الالتزام الفعلي من الدول الداعمة بتمكينها من أداء مهامها في بيئة ميدانية معقدة ومتغيرة، تتقاطع فيها التطورات العسكرية مع التحولات السياسية الإقليمية والدولية.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية استثنائية لأنها تأتي في لحظة مفصلية بالنسبة إلى جنوب لبنان، حيث لا يتعلق الأمر بمستقبل منطقة حدودية فحسب، بل بإعادة رسم معادلة الأمن والاستقرار في لبنان ككل، في ظل مرحلة انتقالية لا تزال ملامحها النهائية قيد التشكل.
ويزداد هذا المشهد تعقيدًا لأنَّ كلَّ ذلك يجري ضمن بيئة إقليمية تشهد تحوّلات متسارعة لم تستقر بعد ضمن تفاهمات قادرة على تنظيم العلاقات الصراعية والتعاونية في الشرق الأوسط. وفي خضم هذه التحولات، تبقى الخصوصية اللبنانية عاملًا يجعل لبنان الأكثر تأثرًا بأيِّ تبدل في موازين القوى أو في مسارات التسويات الإقليمية، بحكم موقعه وتشابك أزماته مع ملفات المنطقة.
ومن هنا، فإنَّ السؤال المطروح اليوم لا يقتصر على ما سيأتي بعد “اليونيفيل”، بل يمتد إلى شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيرسم مستقبل جنوب لبنان، وربما مستقبل لبنان نفسه، في مرحلة لم تتضح نهايتها بعد، ولا يزال موعد استقرارها خارج أي تقدير واقعي.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.



