المسار العُماني… يُعيدُ رَسمَ مُعادَلة هُرمُز

خالد الجابر*

يعود مضيق هرمز إلى واجهة الجدل الإقليمي والدولي، ليس لأنَّ الجغرافيا تبدّلت، بل نتيجة لاستمرارية النهج السياسي المُتَّبَع من قِبل طهران من دونِ تغييرٍ ملموس في سياساتها الإقليمية. فحتى بعد مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الولايات المتحدة الأميركية، التي تعهّدت فيها طهران باستئناف حركة السفن خلال 30 يومًا مع مراعاة حاجتها إلى إزالة العوائق، ما زالت إيران تتخذ من مضيق هرمز أداة ضغط تُهدد بها أمن الممرات الدولية، وكأنها ترى في الاتفاق فرصة لتكريس هذا النهج، ولا ترى فيه محطة لإعادة النظر في عقلية فرض وصايتها على المنطقة.

تشير القراءات المستمرة للمواقف الإيرانية، ما قبل توقيع الاتفاقية، وما بعدها، إلى سعي طهران المستمر لتحويل هذا الشريان المائي الحيوي الذي يمرّ عبره نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية، إلى ورقة ضغط جيوسياسي تُلوّح بها كلّما تعثرت مفاوضاتها أو اشتدت أزماتها الداخلية والخارجية. في المقابل، انطلقت دول الخليج في صياغة رؤية مغايرة، تتمسّك فيها بأنّ الأمن البحري في القرن الحادي والعشرين ليس مسؤولية دولة واحدة، وأنّ التعامل مع التحديات يتطلّب تقاسم المسؤولية وتعزيز التعاون الدولي، وأنَّ إيجاد بدائل استراتيجية أصبح ضرورة أمنية لا مجرّد خيارٍ سياسي.

بين هاتين المقاربتين، يتضح أنّ التبايُنَ مع الجمهورية الإسلامية لا يكمن في خلافٍ فني حول خطوط الملاحة، بل في طبيعة المشروع السياسي الذي يحكم قرارات طهران تجاه مضيق هرمز، وإصرارها على التعامل مع هذا الممر الحيوي كورقة سيادية وأمنية قابلة للتوظيف السياسي، ورفضها لأيِّ مساراتٍ ملاحية لا تنسجم مع حساباتها السياسية.

هذه العقلية لم تظهر عند مضيق هرمز فحسب، بل هي امتداد لسياسة إيرانية قامت لعقود في التعامل مع دول عربية على أنها ساحة نفوذ من خلال دعمها فاعلين غير حكوميين في عدد من الدول العربية، واستخدامها سياسة التهديد بديلًا من الشراكة، والتدخُّل في الشؤون الداخلية للدول لدول الجوار والمنطقة.

ولذلك فإنَّ معركة هُرمُز اليوم ليست معركة حول مسار سفينة، بل معركة بين منطق الدول ذات السيادة التي تلتزم بالقانون الدولي، ومنطق الخروج عن الشرعية الدولية وإخضاع الجغرافيا لإرادة سياسية أحادية.

في هذا السياق، جاءت خطوة سلطنة عُمان بتخصيص مسارَين مؤقتين لتسهيل خروج السفن من المنطقة بأمان، وبالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، كتحوّلٍ نوعي مهم في إدارة ملف هرمز. فقد جسّد القرار العُماني خطوة مسؤولة من دولة تحترم سيادتها وقوانينها والتزاماتها الإقليمية والدولية، وتؤمن بأنّ أمن الممرات البحرية مسؤولية مشتركة لا يجوز احتكارها أو توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية.

كذلك، عكست هذه الخطوة قدرة هذه الدولة الخليجية على تقديم نموذج عقلاني لإدارة أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وأكدت القدرة الخليجية على ابتكار بدائل عملية تحمي الملاحة من دون الانجرار إلى منطق التصعيد. لتأتي تصريحات وزير الخارجية العُماني، السيد بدر البوسعيدي، التي شدّد فيها على رفض فرض أي رسوم على السفن العابرة والتزام بلاده بحرية الملاحة وفق القانون الدولي، وتضع الأمور في نصابها القانوني والسياسي، وتؤكد أنَّ المضيق ليس شريانًا حيويًا لدول الخليج فقط، بل للاقتصاد العالمي كله، بما في ذلك إيران نفسها.

بهذه الخطوة، قلبت عُمان بهدوء معادلة الضغط السياسي، وأرسلت رسالة واضحة بأنَّ أمنَ الممرات المائية لا يمكن أن يبقى رهينة قرار طرف واحد أو حسابات أجنحة عسكرية داخل نظام سياسي يواجه ضغوطًا خارجية. ويعكس استياء طهران من المسار العُماني إدراكًا لتراجع قدرة طهران أمام تنامي الخيارات الاستراتيجية الخليجية البديلة، أكثر مما يرتكز على مخاوف قانونية أو أمنية حقيقية. فالنظام الذي بنى نفوذه الإقليمي على إدارة الأزمات يرى في الاستقرار خطرًا على أدواته، وفي البدائل الخليجية إضعافًا لموقعه التفاوضي، وفي السيادة العُمانية تحدّيًا لا ينسجم مع صورة الجوار الضعيف الذي يحاول ترويجها.

ومن الأهمية الإشارة هنا أيضًا إلى التباين في المواقف الإيرانية وسلوكها السياسي.  ففي الوقت الذي يؤكد خطابها الرسمي على احترام السيادة والأمن المشترك، تعكس الممارسات العملية في مضيق هرمز النزعة المستمرة نحو تغليب الاعتبارات الأمنية الخاصة على حساب قواعد الملاحة الدولية. وبالتالي، فإنّ هذا التناقض لم يعد قابلًا للاستمرار، ولم يعد من الممكن تكريسه في بيئة إقليمية أدركت حجم المخاطر الناجمة عن الجغرافيا. يفرض هذا الوعي الجيوسياسي الجديد انتقالًا حتميًا نحو مرحلة من التضامن الاستراتيجي الخليجي.

  • خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا بنينسولا” (The Peninsula) اليومية الرائدة باللغة الإنكليزية في قطر
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى