سهرةٌ في بيت شاعر
هنري زغيب*
دعوةٌ غاليةٌ، السبتَ الماضي، حمَلَتْني إِلى دير القمر، عاصمتِنا التُراثيةِ الْـيَضُوعُ منها عبَقٌ من مجد لبنان..
بعد المناسبةِ موضوعِ الدعوة، كان لا بُدَّ من جلْسَة سمَرٍ في واحة الأُمراء، ننادمُ فيها قمَر دير القمَر.. وإِذا في الطريق لافتةٌ تنادينا إِليها: “دير الأُمراء – فندُق ومطعم”، فَـ”تَدَيَّرْناها”.. وإِذا نحن أَمام هَيْبةٍ قَصْريةٍ كأَنها صدًى من قصر بيت الدين.. دخلْنا إِلى الباحة، تُزَنِّرها فوقَنا قناطرُ وأَبوابٌ في صمتها حَكَايا من ذكريات وجمال.. سمعَتْني صبيَّةٌ أَقول:”شو حلُو هالمكان”، فتقدَّمَتْ منا: “أَهلًا بكُما…أَنتُما هنا في قصر الشاعر بطرس كرامة”..
وانفتحَت في بالي صفحةٌ من تاريخ “أَبو سعدى” كما رواها أُستاذُنا فؤَاد افرام البستاني: احتاجَ الشهابيُّ الثاني مَن يُدَرِّس العربيةَ ولَدَيه خليل وأَمين.. سمعَ عن الشاعر السوري بطرس كرامة، متمكِّنًا بالتركية وشاعرًا بالعربية ومترجمًا متمرِّسًا، فأَرسل سنة 1810 يطلبه إِلى قصره في بيت الدين.. وإِذ لاحظ الأَميرُ نباهةَ ضيفه وذكاءَه وكفاءَاته، اصطفاه “الكَتَخْدَا” (نائبه) وكرَّسَه “شاعرَ البلاط” و”معتَمَدَ الأَمير” إِلى عكَّا ومهامَّ أُخرى، حتى إِذا نُفِي الأَمير إِلى مالطة فالآستانة سنة 1840، اصطحَب معه شاعرَه.. وحين تُوُفي الشهابي سنة 1850، رثاه شاعرُهُ ورفيقُ أَيامه:
هو البشيرُ الشهابيُّ انقضى أَجَلًا فأَظلَمَتْ بعدَهُ العلياءُ أَقمارا
يا لَوعتي كيف صارَ اللحدُ منزلَهُ وكان لا يرتضي متْنَ السُهى دارا
والحُكْمُ أَصبحَ لَمَّا غاب كوكبُه يبكي بلبنانَ أَطلالًا وآثارا
ها نحن إِذًا في القصر الذي أَهداه بشير الثاني سنة 1827 إِلى شاعره بطرس كرامة (حمص 1774- الآستانة 1851).. لم يأْخذْني أَنه كان نَظَّامًا تقليديًّا أَكثرَ منه مُبْدعًا مجدِّدًا، وأَنَّ ديوانَه “سجع الحمامة” (بيروت 1898) معظمُهُ مدائحُ في سيِّده الأَمير بشير.. كنتُ مأْخوذًا بأَنني في قصر شاعر..
تُكملُ لنا شرحَها الصبيَّة: “زمنَ الانتداب الفرنسي تحوَّل هذا القصر مدرسةً داخلية، وعلى عهد الرئيس كميل شمعون تحوَّلَ مدرسةً رسمية.. وبعد سنواتِ ركودٍ، تعهَّده المهندس مُنْذر بن فؤَاد افرام البستاني فرمَّمَه سنة 2011، وسمَّاه “دَير الأُمراء”، جاعلًا منه تحفةً هندسيةً، ومؤَسَسةً فندقيةً جميلةً شكلًا ومحتوًى.. بعد وفاة مُنذر (2020) تَوَلَّتْهُ زوجتُه مارتْ البستاني، وما زالت تَتَعَهَّدُه باحترافيةٍ عاليةٍ قصرًا تراثيًّا في قلب “عاصمة الأُمراء”، وَوُجْهةً سياحيةً بهيةً إِلى بيتِ ضيافةٍ رحيبٍ، غُرَفهُ ذاتُ طابعٍ جبَليٍّ ممهورةٌ بلمسات عصرية، يستقبل كلَّ موسمٍ نزلاء محليين وسيَّاحًا أَجانبَ وبهجاتِ أَعراس.. وبحكمةِ إِدارتها وعنايتها، نجحَت السيّدة بستاني في إِدراجه على لائحة وزارة السياحة للأَماكن التراثية المهمَّة”..
في الباحة الوُسطى، أَمامَ مائدةٍ تأْرجُ بالأَطايب اللبنانية، أَسأَلُ موفدَها إِلينا عمَّا بيننا هنا وهذا الهناكَ الليليّ، فيشير إِلى بعقلين مشعشِعةً في البعيد، إِلى كتِفِها بيتُ الدين بقصره الرابض عند مدخل التاريخ، وعلى جبينه قصرُ “المير أَمين”.. وأَشعُر بغبطةٍ لا لغةَ لها في أَبجدية الـمَشاعر: أَنْ أَكونَ في حضْن ليلةٍ تاجُها بيتُ شاعر، ونبْضُها دقَّاتُ الوقت الْــيَمضي في الزمان لا في المكان، فيبقى في ذاكرة المستقبل شاهدًا على صوت التاريخ في مجد لبنان..
يَحْدَعْشِرُ الليل، ويَحينُ أَن نُغادر.. سوى أَننا لم نَرتوِ من أَلقِ الإِرث في زيارةٍ أُولى.. نُعاهدُنا أَن نَعود، ونُواعدُ “دير الأُمراء” بزيارةٍ تاليةٍ نَنْهلُ منها زادًا روحيًّا في مكانٍ تُظلِّله ليلةٌ قمَرية في دير القمَر..
“وعْد”؟ سأَلتُها، فأَجابَتْني بثقَةٍ: “وعْد”..
وغادرْنا… ولَم تُغادرنا سهرةٌ “دَيريةٌ غالية” قضَيناها معًا في… بيت شاعر.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت(



