الهند والخليج العربي: ولادةُ شراكةٍ استراتيجية في زمنِ التحوُّلات
تتجاوز العلاقة بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي مرحلة الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة، لتدخل طورًا جديدًا من الشراكة الشاملة. فالتغيرات الإقليمية والدولية تدفع الطرفين إلى بناء شبكة مصالح متداخلة تشمل الأمن والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا، في مشهد يعكس إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط وآسيا.

إميل أفدالياني*
شهدت العلاقات بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي خلال العام الماضي تحوُّلًا لافتًا تجاوز الإطار التقليدي الذي حكمها لعقود. فبعدما ارتكزت هذه العلاقات بصورة أساسية على تجارة الطاقة وتدفقات النفط والغاز، بدأت نيودلهي وأبوظبي والرياض والدوحة والمنامة ومسقط والكويت في بناء شبكة أوسع من المصالح المشتركة تشمل الأمن والدفاع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتنسيق السياسي.
ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بأنَّ البيئة الإقليمية والدولية تشهد تغيرات متسارعة تفرض إعادة صياغة الشراكات القديمة على أسس أكثر تنوُّعًا واستدامة. ففي عالم تتراجع فيه اليقينيات الجيوسياسية وتتبدّل فيه موازين القوى، لم تعد الطاقة وحدها كافية لتشكيل قاعدة العلاقات بين الهند والخليج العربي.
وقد تجلّى هذا التوجه بوضوح خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في 15 أيار (مايو)، حيث اتفق الجانبان على إطار عمل لشراكة دفاعية استراتيجية، إلى جانب توقيع سلسلة اتفاقيات شملت احتياطيات النفط الاستراتيجية، ومشتريات الهند من غاز البترول المسال، والتعاون في مجالي الأمن والذكاء الاصطناعي. كما وضع الطرفان هدفًا طموحًا يتمثل في رفع حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 200 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف مستواه الحالي.
ولا تقتصر أهمية هذه الاتفاقيات على قيمتها الاقتصادية المباشرة، بل تكمن أيضًا في الدلالات الاستراتيجية التي تحملها. فإطلاق شراكة دفاعية استراتيجية بين الهند والإمارات يشير إلى انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة إلى مرحلة أوسع تقوم على تقاطع المصالح الأمنية والجيوسياسية.
ويكتسب هذا التحوّل أهمية خاصة في ظل التوترات المتصاعدة التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران. فعلى الرغم من التوصل إلى تفاهمات هدفت إلى احتواء التصعيد، كشفت الأزمة حجم الهشاشة التي يمكن أن تتعرّض لها البنية التحتية والاقتصادات الخليجية في حال اتساع دائرة الصراع. كما أعادت طرح تساؤلات جدية حول حدود المظلة الأمنية الأميركية التقليدية ومدى قدرتها على توفير الضمانات التي اعتمدت عليها دول الخليج لعقود.
في هذا السياق، تبدو الإمارات، شأنها شأن عدد من دول الخليج، في صدد تبني استراتيجية طويلة الأمد تقوم على تنويع شراكاتها الدولية وعدم حصر رهاناتها الأمنية والاقتصادية بطرف واحد. ومن هنا تبرز الهند كشريك واعد يمتلك ثقلًا اقتصاديًا متناميًا، وقدرات تكنولوجية وعسكرية متطورة، ومصالح متشابكة مع استقرار منطقة الخليج، بما يجعل العلاقة بين الجانبين مرشحة للانتقال من شراكة اقتصادية تقليدية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.
الهند والخليج… ما بعد معادلة النفط
ولا يقتصر التقارب الهندي-الإماراتي على الاعتبارات الأمنية والطاقة، بل يمتد أيضًا إلى الرهانات الجيواقتصادية الكبرى التي تعيد رسم خرائط التجارة العالمية. وفي مقدمة هذه الرهانات يبرز مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي أُعلن عنه عام 2023 بوصفه أحد أكثر مشاريع الربط البحري والبري طموحًا في العقد الحالي.
بالنسبة إلى الهند، يمثل المشروع فرصة استراتيجية لفتح مسار تجاري جديد نحو الأسواق الأوروبية، بما يقلل اعتمادها على بعض الممرات البحرية التقليدية ويعزز مكانتها كقوة تجارية وصناعية صاعدة في جنوب آسيا. أما بالنسبة إلى الإمارات العربية المتحدة، فإن المشروع ينسجم مع رؤيتها الرامية إلى ترسيخ موقعها كمركز لوجستي عالمي ومحور رئيس للتجارة العابرة للقارات.
صحيح أنَّ الحرب في غزة وما تبعها من توترات غير مسبوقة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية أضعفت الزخم السياسي الذي رافق الإعلان عن المشروع، إلّا أنَّ ذلك لم يؤدِّ إلى دفنه. فما زالت أبوظبي ونيودلهي، إلى جانب عدد من العواصم الأوروبية، تنظر إليه باعتباره مشروعًا قابلًا للحياة في المدى الطويل، وقادرًا على استعادة زخمه متى توافرت الظروف السياسية المناسبة.
وفي موازاة ذلك، تراقب الهند باهتمام التحوّلات التي تشهدها السياسة النفطية الإماراتية، ولا سيما بعد انسحاب أبوظبي من منظمة “أوبك”. فخروج الإمارات من نظام حصص الإنتاج يتيح لها هامشًا أوسع لزيادة إنتاجها وصادراتها النفطية، وهو تطور يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى نيودلهي التي يتزايد طلبها على الطاقة بوتيرة متسارعة مع استمرار نمو اقتصادها واتساع قاعدتها الصناعية والاستهلاكية.
وتتضاعف أهمية هذا العامل في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة على تجارة النفط بين الهند وروسيا. فمع تزايد التدقيق الغربي في الواردات النفطية الهندية من موسكو، باتت نيودلهي أكثر حرصًا على تنويع مصادر إمداداتها وتعزيز علاقاتها مع المنتجين الخليجيين، بما يحدّ من المخاطر الجيوسياسية ويمنحها هامشًا أكبر من المرونة في إدارة أمنها الطاقوي.
ولا تنفرد الإمارات بهذا التوجه. فغالبية دول الخليج باتت تنظر إلى الهند بوصفها شريكًا استراتيجيًا يتجاوز بكثير دورها التقليدي كمستورد للطاقة. فالهند، التي أصبحت الدولة الأكثر سكانًا في العالم، تمثل سوقًا ضخمة للاستثمارات الخليجية، ووجهة واعدة لرؤوس الأموال الباحثة عن فرص نمو طويلة الأجل، كما تشكل مصدرًا مهمًا للعمالة الماهرة والخبرات التقنية التي تحتاجها اقتصادات الخليج في مرحلة التحول الاقتصادي.
في المقابل، تنظر نيودلهي إلى دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها أكثر من مجرد مورد للطاقة. فهي تمثل مصدرًا مهمًا للاستثمارات الخارجية، وشريكًا اقتصاديًا قادرًا على دعم خطط التنمية الهندية، فضلًا عن كونها شريكًا متنامي الأهمية في مجالات الأمن والدفاع.
ويستند هذا التقارب إلى مجموعة متزايدة من المصالح الأمنية المشتركة. فالجانبان يتشاركان القلق من تهديدات الإرهاب والتطرف، ومن التحديات المرتبطة بأمن الممرات البحرية والجرائم السيبرانية والهجمات على البنى التحتية الحيوية. ومن هنا جاء الاجتماع الذي عقدته الهند والمملكة العربية السعودية لفريق العمل الأمني المشترك في كانون الثاني (يناير)، في مؤشر واضح إلى انتقال التعاون الأمني من المبادرات الظرفية إلى مرحلة أكثر مؤسساتية واستدامة.
كما عززت البحرية الهندية حضورها في الأجزاء الغربية من المحيط الهندي وفي الممرات البحرية الحيوية التي تعتمد عليها اقتصادات الخليج في حركة التجارة والطاقة، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين للترابط بين أمن الخليج وأمن المحيط الهندي.
ويأتي إطلاق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي في شباط (فبراير) ليعكس هذا المسار التصاعدي في العلاقات. ففي حال التوصل إلى اتفاق نهائي، ستوفر الاتفاقية إطارًا مؤسساتيًا يعزز الشراكة الاقتصادية القائمة ويفتح آفاقًا جديدة للتجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي.
وليس من قبيل المصادفة أن يبلغ حجم التبادل التجاري بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي نحو 178 مليار دولار خلال السنة المالية 2024-2025، بما يمثل أكثر من 15 في المئة من إجمالي تجارة الهند العالمية. فهذه الأرقام لا تعكس فقط قوة الروابط الاقتصادية الحالية، بل تشير أيضًا إلى أنَّ العلاقة بين الجانبين تتجه تدريجًا من شراكة قائمة على الطاقة إلى شراكة استراتيجية شاملة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية على نحو غير مسبوق.
الممرات التجارية وصناعة الاعتماد المتبادل
ويأتي المسار التكاملي الجديد بين الهند ودول الخليج مدعومًا بسلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية التي انتقلت بالعلاقات من مرحلة التبادل التجاري التقليدي إلى مرحلة بناء أطر مؤسساتية طويلة الأمد. فقد شكّلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الهند والإمارات العربية المتحدة، التي دخلت حيز التنفيذ في أيار (مايو) 2022، نقطة تحول مهمة في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، إذ ساهمت في توسيع الصادرات الهندية غير النفطية إلى أسواق الخليج وفتحت المجال أمام مستويات أعلى من التكامل التجاري والاستثماري.
ولم يقتصر هذا التوجه على الإمارات وحدها. ففي كانون الأول (ديسمبر)، وقّعت الهند اتفاقية شراكة اقتصادية منفصلة مع سلطنة عُمان، دخلت حيز التنفيذ الكامل مطلع حزيران (يونيو)، مانحة المصدرين الهنود امتيازات واسعة للوصول إلى السوق العُمانية معفاة من الرسوم الجمركية في عدد كبير من القطاعات. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة إلى الصناعات الهندية التي تسعى إلى توسيع حضورها الخارجي، ولا سيما في مجالات السلع الهندسية والمنسوجات والأدوية والأغذية المصنعة والمجوهرات والمنتجات البحرية.
غير أنَّ أهمية عُمان بالنسبة إلى الهند لا تقتصر على البُعد التجاري. فالموقع الجغرافي للسلطنة يمنحها قيمة استراتيجية استثنائية في الحسابات الهندية. فامتداد سواحلها الطويلة على بحر العرب وخليج عُمان يوفر لنيودلهي منفذًا مباشرًا إلى شبه الجزيرة العربية، ويخفف من اعتمادها على المسارات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية وتقلبًا في العالم.
وفي السياق نفسه، مثّلت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى المملكة العربية السعودية في نيسان (أبريل) 2025 محطة بارزة في مسار التقارب المتسارع بين الجانبين. فالسعودية، بوصفها أكبر اقتصاد في مجلس التعاون الخليجي وثقلًا سياسيًا محوريًا في المنطقة، باتت تحتل موقعًا متقدمًا في الاستراتيجية الهندية تجاه الشرق الأوسط. وأسفرت الزيارة عن توسيع نطاق التعاون الثنائي ليشمل قطاعات متنوعة تمتد من الدفاع والصناعات العسكرية إلى السياحة والاستثمار والتكنولوجيا.
ويعزز هذا التقارب ما بات يُنظر إليه بصورة متزايدة على أنه تقاطع بين الرؤيتين الاستراتيجيتين للبلدين. فمن جهة، تسعى الرياض عبر “رؤية 2030″ إلى إعادة هيكلة اقتصادها وتقليل اعتماده على النفط، ومن جهة أخرى تعمل نيودلهي من خلال مشروع «فيكسيت بهارات 2047” على تحويل الهند إلى قوة اقتصادية وصناعية عالمية مع حلول الذكرى المئوية لاستقلالها. وبين المشروعين تتشكل مساحة واسعة من المصالح المشتركة وفرص التعاون طويلة الأمد.
كما تكتسب قطر أهمية متزايدة في الحسابات الهندية، خصوصًا في قطاع الطاقة. فالدوحة تُعد أحد أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال للهند، وهو عنصر أساسي في تلبية احتياجات الاقتصاد الهندي المتنامية. وقد شهدت العلاقات بين البلدين دفعة قوية خلال زيارة أمير قطر الأمير الشيخ تميم بن حمد إلى الهند العام الماضي، حيث قرر الجانبان رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة، ووضع هدف طموح يتمثل في مضاعفة حجم التبادل التجاري الثنائي بحلول عام 2030.
ولم تقتصر المؤشرات على الجانب التجاري فحسب. فقد أعلنت قطر عزمها استثمار نحو 10 مليارات دولار في الاقتصاد الهندي، كما افتتحت هيئة قطر للاستثمار مكتبًا لها في الهند، في خطوة تعكس رغبة الدوحة في تعزيز حضورها داخل واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم.
لكن العامل الاقتصادي ليس وحده ما يدفع الهند إلى توسيع حضورها في الخليج. فهناك أيضًا حسابات استراتيجية تتصل بالتوازنات الإقليمية والمنافسة الجيوسياسية. إذ تراقب نيودلهي عن كثب الجهود التي تبذلها باكستان لتعزيز علاقاتها مع دول الخليج، ولا سيما مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
وخلال العام الماضي، كثّفت إسلام آباد تحركاتها الديبلوماسية والعسكرية في المنطقة، سعيًا إلى ترسيخ موقعها كشريك أمني رئيسي لدول الخليج. وقد أثار هذا التوجه اهتمامًا خاصًا في الهند بعدما وقّعت باكستان والمملكة العربية السعودية خلال عام 2025 اتفاقية تعاون عسكري تضمنت بندًا للدفاع المشترك، وهو تطور نظر إليه بعض المراقبين في نيودلهي بوصفه مؤشرًا إلى اتساع هامش التعاون الأمني بين الرياض وإسلام آباد.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم الانفتاح الهندي المتسارع على الخليج باعتباره مجرد بحث عن أسواق جديدة أو مصادر إضافية للطاقة، بل بوصفه جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تثبيت مكانة الهند كقوة آسيوية صاعدة ذات حضور مؤثر في المعادلات الاقتصادية والأمنية للشرق الأوسط. فكلما ازدادت أهمية الخليج في حسابات الأمن والطاقة والتجارة العالمية، ازدادت أهمية الهند كشريك لا يمكن تجاهله في مستقبل المنطقة.
التنافس الجيوسياسي وإعادة رسم الشراكات
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في قراءة الاتفاق العسكري بين المملكة العربية السعودية وباكستان بوصفه مقدمة لتحالف استراتيجي متكامل. فالعلاقة بين الطرفين ظلت تاريخيًا محكومة بمنطق المصالح المتبادلة أكثر من كونها قائمة على التزامات دفاعية طويلة الأمد. غير أنَّ ذلك لا يقلل من أهمية المؤشرات التي تعكس تنامي التعاون العسكري بين الجانبين، ولو بصورة تدريجية ومدروسة.
فقد أظهرت الأشهر الأخيرة بوادر عملية على هذا التقارب، مع تقارير عن نشر طائرات باكستانية في المملكة خلال نيسان (أبريل)، أعقبها حديث عن انتشار عسكري إضافي في أيار (مايو). ورغم أنَّ هذه الخطوات لا ترقى إلى مستوى التحالف العسكري التقليدي، فإنها تعكس استعداد الطرفين لتوسيع مجالات التعاون الدفاعي في بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتزايد التحديات الأمنية.
وتأتي هذه التطوّرات في سياق أوسع يتمثل في إعادة تموضع دول الخليج داخل النظام الدولي المتغير. فبرغم استمرار الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة، لم تعد العواصم الخليجية تعتمد على شريك واحد كما كان الحال في العقود السابقة. بل باتت تنتهج سياسة أكثر تنوعًا ومرونة تقوم على توسيع شبكة علاقاتها مع القوى الدولية الكبرى، بما في ذلك الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الهند التي تزداد أهميتها بصورة مطردة.
وفي المقابل، تتحرك الهند هي الأخرى وفق مقاربة متعددة المسارات. فهي تعمل على تعميق شراكاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية، من دون التخلي عن استقلاليتها الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه توسع حضورها في دول الجنوب العالمي وتسعى إلى بناء شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والأمنية خارج الاصطفافات التقليدية.
وهنا تحديدًا تبرز جاذبية الهند بالنسبة إلى دول الخليج. فنيودلهي يُنظر إليها باعتبارها قوة صاعدة تمتلك وزنًا اقتصاديًا وديموغرافيًا متناميًا، لكنها في الوقت نفسه تتبنى مقاربة براغماتية بعيدة من الاعتبارات الإيديولوجية. وعلى خلاف العديد من الشركاء الغربيين، لا تربط الهند تعاونها الاقتصادي أو الأمني بشروط سياسية أو اعتبارات مرتبطة بقضايا الحكم وحقوق الإنسان. وفي المقابل، فإنَّ تعزيز العلاقات مع الهند لا يثير الحساسية الجيوسياسية نفسها التي قد ترافق توسيع الشراكات مع الصين في ظل التنافس المتصاعد بين بكين وواشنطن.
من هذا المنطلق، تبدو الشراكة الهندية-الخليجية مرشحة لمواصلة النمو خلال السنوات المقبلة. فالعلاقة لم تعد تقتصر على النفط والعمالة والتحويلات المالية، وهي الركائز التي قامت عليها لعقود طويلة، بل أصبحت تمتد إلى التجارة والاستثمار والأمن البحري والصناعات الدفاعية والبنية التحتية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
وفي الواقع، فإنَّ التحول الجاري يعكس تقاطعًا نادرًا بين المصالح الاستراتيجية للطرفين. فدول الخليج تبحث عن شركاء جدد يساعدونها على تنويع اقتصاداتها وعلاقاتها الدولية، فيما تسعى الهند إلى تأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، وتوسيع نفوذها التجاري، وترسيخ مكانتها كقوة آسيوية ذات حضور مؤثر في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، من المستبعد أن تتطور هذه العلاقة إلى تحالف سياسي أو عسكري رسمي بالمعنى التقليدي. فالأرجح أن تستمر ضمن إطار براغماتي مرن يقوم على المصالح المتبادلة والتعاون العملي أكثر مما يقوم على الالتزامات الاستراتيجية الصلبة. وربما تكمن قوة هذه العلاقة تحديدًا في هذا الطابع البراغماتي؛ إذ يسمح للطرفين بتوسيع مجالات التعاون من دون الاضطرار إلى الانخراط في تحالفات ملزمة أو اصطفافات حادة.
وبذلك، تبدو العلاقات بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي وكأنها دخلت أكثر مراحلها ديناميكية منذ عقود. فهي لم تعد مجرد علاقة بين منتجي الطاقة وأحد أكبر مستهلكيها في العالم، بل أصبحت شراكة متعددة الأبعاد تعكس التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الإقليمي والدولي، وتؤشر إلى صعود نموذج جديد من العلاقات الدولية يقوم على المصالح الاقتصادية والتكامل الاستراتيجي أكثر مما يقوم على التحالفات التقليدية.
- إميل أفدالياني هو أستاذٌ في الجامعة الأوروبية ومدير دراسات الشرق الأوسط في مركز الأبحاث الجورجي “جيوكايس” (Geocase).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.