مُعضِلة جرائم الحرب في سوريا: هل يَقتُلُ الإعدامُ الحقيقة؟

تواجه سوريا ما بعد الأسد تحدِّيًا مُعقّدًا في محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، وسط مطالب شعبية بالقصاص من جهة، وحاجة ملحّة إلى كشف مصير آلاف المفقودين من جهة أخرى. وبين العدالة والحقيقة، تبرز أسئلة صعبة لا تملك البلاد ترف تجاهلها.

عاطف نجيب، الرئيس السابق للأمن السياسي في محافظة درعا جنوب سوريا وابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسد، في دمشق في 10 أيار/مايو.

ديبورا آموس*

عندما ألقت السلطات السورية القبض مؤخّرًا على أمجد يوسف، المعروف باسم “جزّار حي التضامن”، خرج سكان الحي الواقع في ضواحي دمشق إلى الشوارع احتفالًا. ولم يكن سبب الترحيب الواسع باعتقاله محل جدل يُذكر، إذ ارتبط اسمه بإحدى أكثر الجرائم توثيقًا خلال سنوات الحرب السورية، بعدما كشفت تسجيلات مصورة عن دوره المباشر في عمليات قتل جماعي استهدفت مدنيين.

وتُظهر مقاطع فيديو صوّرها الجناة أنفسهم عام 2013 يوسف ومسلحين آخرين وهم يقتادون 41 مدنيًا مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين، بينهم سبع نساء، إلى حفرة أُعدّت مُسبقًا وبُطّنت بالإطارات. وهناك جرى إعدامهم واحدًا تلو الآخر. وفي أحد المشاهد يظهر يوسف وهو يطلق رصاصة إضافية على أحد الضحايا بعدما بدا أنه ما زال على قيد الحياة وهو يصرخ في وجهه: “مُت أيها الوغد! ألم يَكفِك هذا؟”، فيما يُظهر تسجيل آخر قيامه بقطع رأس أحد القتلى. وبعد انتهاء عمليات الإعدام أُضرمت النيران في الإطارات لإحراق الجثث وإخفاء آثار الجريمة.

وبحسب باحثين تمكنوا من الحصول على هذه الأدلة، إلى جانب عدد كبير من المقاطع المصورة الأخرى، فإنَّ عدد المدنيين الذين قُتلوا في حي التضامن يُقدّر بنحو 288 شخصًا، بينهم 12 طفلًا، ما جعل المجزرة واحدة من أكثر الجرائم التي وثّقت تفاصيلها خلال النزاع السوري.

ولعلَّ من السهل فهم أسباب مطالبة كثير من السوريين الذين عانوا تحت حكم بشار الأسد بمحاسبة يوسف وغيره من المتَّهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة. ففي منطقة أنهكتها الحروب والانقسامات الطائفية، غالبًا ما يرتبط مفهوم العدالة لدى الضحايا بفكرة القصاص. ويعكس ذلك ما يقوله جاد نوري، وهو خريج حديث لكلية الحقوق في دمشق: “نحن بحاجة إلى أعلى درجات المساءلة. الشعب بحاجة ماسة إلى محاسبة هؤلاء المجرمين. يجب إعدامهم شنقًا”.

سميرة الإبراهيم، والدة حمزة الخطيب، في الجيزة في 8 أيار/ مايو.

من المجزرة إلى معضلة العدالة

غير أنَّ هذه المطالب الشعبية وضعت الرئيس أحمد الشرع أمام مُعضِلة مُعقَّدة منذ توليه السلطة عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024.

فالسلطات الجديدة تواجه تحديات متشابكة تتجاوز ملاحقة المتهمين بارتكاب الانتهاكات. فمن جهة، تسعى إلى تحقيق قدر من العدالة وتقديم إجابات لعائلات القتلى والمفقودين الذين ما زال مصير كثيرين منهم مجهولًا. ومن جهة أخرى، تحتاج إلى تعزيز الاستقرار الداخلي وإنعاش اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والعقوبات والعزلة الدولية. كما إنَّ نجاح هذه الجهود يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار التعاون مع المجتمع الدولي والمنظمات المتخصّصة.

وتبرز أهمية هذا التعاون بشكلٍ خاص في ملف المفقودين والمقابر الجماعية. إذ تعتمد سوريا على خبرات ومساعدات منظمات دولية، من بينها المؤسسة المستقلة المعنية بالأشخاص المفقودين في الجمهورية العربية السورية التابعة للأمم المتحدة ( IIMP)، واللجنة الدولية المعنية بالأشخاص المفقودين  (ICMP)، وهي منظمة حكومية دولية مقرها لاهاي تمتلك تقنيات متقدمة، من بينها اختبارات الحمض النووي، التي تُعد ضرورية لتحديد هوية الضحايا المدفونين في ما لا يقل عن 66 موقعًا يُشتبه بأنها تضمُّ مقابر جماعية في أنحاء البلاد.

ويرى ريد برودي، وهو محامٍ متخصص في قضايا حقوق الإنسان ويتمتع بخبرة طويلة في تمثيل ضحايا الأنظمة الاستبدادية، أنَّ المؤسسة الأممية الخاصة بالمفقودين تمثل أداة أساسية لكشف مصير عشرات الآلاف الذين اختفوا داخل سجون النظام السابق. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أنَّ المؤسسة تعمل وفق قواعد الأمم المتحدة التي تمنع التعاون مع الدول التي تطبق عقوبة الإعدام.

وبموجب هذه القواعد، فإنَّ المعلومات والأدلة التي تجمعها المؤسسة بشأن الضحايا لا يمكن استخدامها أمام محاكم سورية تصدر أحكامًا بالإعدام بحق المدانين. أما وضع اللجنة الدولية المعنية بالأشخاص المفقودين فيبدو أقل وضوحًا من الناحية القانونية، إلّا أنَّ أيَّ قيود قد تؤثر في مستوى تعاونها مع السلطات السورية قد تنعكس مباشرة على جهود التعرّف إلى ضحايا الاختفاء القسري.

وتزداد أهمية هذا الدعم الخارجي في ظل محدودية القدرات التقنية المتاحة داخل سوريا. فالعقوبات التي فُرضت خلال عهد الأسد حدّت من قدرة البلاد على الحصول على تقنيات فحص الحمض النووي، فيما لا تمتلك الحكومة الحالية الموارد الكافية لتوفير هذه المعدات بشكل مستقل. ولهذا يحذّر برودي من أنَّ اللجوء إلى إعدام المُدانين في هذه المرحلة قد يهدد التعاون الدولي الذي تحتاجه سوريا الآن.

سراقة الخطيب يزور قبر شقيقه حمزة في الجيزة في الثامن من أيار/ مايو.

العدالة الانتقالية بين الضحايا والقانون

ومع ذلك، فإنَّ مسار العدالة في سوريا لا يقتصر على ملاحقة المُتَّهمين بارتكاب الجرائم، بل يرتبط بمهمّة أوسع تتمثل في تحقيق ما يُعرف بـ”العدالة الانتقالية”؛ أي السعي إلى تحقيق المساءلة وترسيخ الاستقرار في الوقت نفسه خلال مرحلة التعافي من عقود من الحكم الاستبدادي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وهي مهمة بالغة التعقيد، ليس أقلها أنَّ مطالب العدالة الشعبية لا تتوافق دائمًا مع متطلبات الشرعية والتعاون الدوليين.

وقد بدأت هذه العملية فعليًا بخطواتها الأولى. ففي نيسان (أبريل)، انطلقت أول محاكمة لمسؤول سابق في نظام الأسد متهم بارتكاب جرائم خلال سنوات الصراع. والمتهم هو عاطف نجيب، ابن عم بشار الأسد، الذي كان يرأس الجهاز الأمني في درعا، ويُتَّهم بلعب دور رئيسي في الأحداث التي ساهمت في إشعال الانتفاضة ضد النظام في ربيع عام 2011.

وتتضمّن لائحة الاتهام الموجهة إلى نجيب مجموعة من التهم، من بينها الإشراف على اعتقال وتعذيب أطفال في محافظة درعا بسبب كتابتهم شعارات مناهضة للأسد على جدران مدارسهم. وقد تقدم 75 مدّعيًا للإدلاء بشهاداتهم في القضية، فيما ينفي نجيب جميع الاتهامات الموجَّهة إليه.

وتحتل قضية الأطفال المعتقلين في درعا مكانة خاصة في الذاكرة السورية. ففي نيسان (أبريل) 2011، اعتُقل حمزة الخطيب، وهو فتى يبلغ من العمر 13 عامًا، بعد مشاركته في واحدة من حركات الاحتجاج. وبعد 26 يومًا أُعيدت جثته إلى عائلته وعليها آثار تعذيب شديد. ورغم تحذيرات الأجهزة الأمنية لأفراد أسرته من التحدث علنًا عن القضية، عمدت العائلة إلى نشر صور ومقاطع مصورة لجثمانه، لتنتشر بسرعة بين الصحافيين والناشطين ووسائل الإعلام العربية والدولية.

وأثار مقتل حمزة موجة غضب واسعة داخل سوريا، وسرعان ما تحول اسمه إلى أحد أبرز رموز الاحتجاجات المناهضة للنظام، حيث ردده المتظاهرون في مختلف أنحاء البلاد أسبوعًا بعد أسبوع.

وقبل يوم واحد من مثول عاطف نجيب أمام المحكمة، زرتُ عائلة حمزة الخطيب. وهناك قالت لي والدته، سميرة الإبراهيم، إنها شعرت بقدر من الارتياح عندما رأت الرجل الذي تحمّله مسؤولية ما تعرض له ابنها، واقفًا داخل قاعة المحكمة مكبل اليدين داخل قفص معدني. وأضافت: “الحكومة تفعل كل شيء على ما يرام. نشعر الآن براحة كبيرة وكرامة”.

وعلى الأقل، تعرف عائلة حمزة الخطيب مكان دفنه. ففي مقبرة صغيرة تقع خلف منزل الأسرة يرقد الفتى الذي تحوّل اسمه إلى أحد رموز الانتفاضة السورية، فيما يتولى شقيقه الأصغر، سراقة الخطيب، العناية بقبره.

لكن قصة العائلة مع الفقد لم تنتهِ عند حمزة. ففي عام 2019 توفي شقيقه الأكبر، عمر الخطيب، داخل سجن صيدنايا شمال دمشق، الذي اشتهر خلال سنوات حكم الأسد بوصفه أحد أكثر مراكز الاحتجاز قسوة. وبعد سقوط النظام، عثرت العائلة على وثائق تؤكد وفاته في السجن، لكنها لم تتضمّن أي معلومات عن مكان دفنه أو مصير جثمانه.

وعندما تحدثتُ إلى والدة الشقيقين، سميرة الإبراهيم، بدا الفارق واضحًا بين الحالتين. فبالنسبة إلى حمزة، هناك قبر يمكن زيارته وحداد يمكن ممارسته. أما عمر، فما زال غيابه مفتوحًا على الأسئلة. وقالت: “الأمر أكثر صعوبة لأننا لا نملك جثمانه، ولا نعرف مَن نُحمّله المسؤولية”.

ولم يكن حديث سميرة الإبراهيم منصبًّا على التعقيدات القانونية أو على المعايير التي تُحدّد ما إذا كانت الأدلة مقبولة أمام المحاكم. بل كان يدور حول أمور أكثر مباشرة وإنسانية: ابن دفنته بيديها، وآخر لا تعرف أين انتهى به المطاف، ورغبتها في أن تكون حاضرة عندما تصدر أحكام الإعدام بحق من تصفهم بـ”جميع مجرمي” نظام الأسد. ولم تبدُ مُدرِكة أنَّ تطبيق عقوبة الإعدام قد يحد من فرص الحصول على مزيد من المعلومات حول مصير عمر وغيره من المفقودين.

ويقول ريد برودي، محامي حقوق الإنسان الذي يتابع هذه الملفات منذ سنوات: “المفارقة الأشد قسوة هنا هي أنَّ العائلات التي تطالب بالإعدامات والعائلات التي تطالب بمعرفة مصير المختفين قسرًا غالبًا ما تكون هي نفسها”.

وفي الواقع، لا تمثّل المحاكمات الجارية في سوريا أولى المحاولات لمحاسبة المتَّهمين بارتكاب جرائم مرتبطة بالنزاع السوري. فعلى مدى أكثر من عقد، أصدرت محاكم أوروبية في دول مثل ألمانيا والسويد وفرنسا وهولندا أحكامًا بحق متهمين جرى توقيفهم على أراضيها.

وفي مدينة كوبلنز الألمانية، تجري حاليًا محاكمة خمسة رجال بتهمة المشاركة في حصار مخيم اليرموك قرب دمشق. وتُعد هذه القضية الأولى من نوعها عالميًا التي يُنظر فيها إلى تجويع المدنيين المتعمَّد بوصفه جريمة حرب. غير أنَّ السلطات السورية الحالية تصرُّ على أن تُجرى المحاكمات الرئيسية داخل سوريا وأمام قضاة سوريين، بما يتيح لأهالي الضحايا حضور الجلسات ومتابعة إجراءات العدالة بصورة مباشرة.

إلّا أنَّ قضية عقوبة الإعدام تعود لتفرض نفسها هنا أيضًا. فغالبية الدول الأوروبية ترفض تسليم مطلوبين إلى دول قد يواجهون فيها حكمًا بالإعدام، ما يعني أن نقلَ متَّهمين أو مُدانين إلى سوريا سيبقى أمرًا بالغ الصعوبة إذا ظلت هذه العقوبة مطبّقة. وينطبق الأمر نفسه على شخصيات بارزة من النظام السابق، من بينها بشار الأسد نفسه، الذي لجأ إلى روسيا، فيما ترفض موسكو تسليمه للمثول أمام القضاء.

هل تصل المحاسبة إلى رأس الهرم؟

ولا تقتصر التحديات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا على القضايا السياسية أو الخلافات المتعلقة بعقوبة الإعدام، بل تمتد إلى بنية النظام القضائي نفسه. فسنوات الحرب والانهيار المؤسسي تركت آثارًا عميقة على السلطة القضائية، بعدما غادر عدد من القضاة الذين عملوا خلال عهد الأسد البلاد أو أُبعدوا عن مواقعهم، فيما لا يزال الإطار القانوني القائم يفتقر إلى نصوص واضحة تتناول جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أو المسؤولية القيادية عن الانتهاكات.

ويُعد القاضي فخر الدين العريان مثالًا على هذه التعقيدات. فقد انشق عن نظام الأسد عام 2013، وصدر بحقه حكم بالإعدام غيابيًا، قبل أن يعود من منفاه بعد فرار الأسد من البلاد. ويتولى العريان حاليًا رئاسة المحاكمة البارزة الخاصة بعاطف نجيب. لكن التحديات التي تواجه القضاء لا تقتصر على الأفراد، إذ تعاني مؤسسات العدالة الأخرى من نقاط ضعف مماثلة، في وقت لا تزال الحكومة تفتقر إلى برلمان فاعل قادر على سن تشريعات جديدة. ويرى كثيرون أنَّ هذا الواقع يفسر جانبًا من البطء الذي يطبع انطلاق عملية العدالة الانتقالية.

ومع ذلك، فإن بطء هذه العملية وتردّدها الظاهر يثيران قلق شريحة من السوريين الذين كانوا يأملون في إحداث قطيعة أعمق مع إرث النظام السابق. ويخشى بعضهم أن تنحصر المحاسبة في عدد محدود من المسؤولين ذوي الرتب المتوسطة أو الدنيا، من دون التطرّق إلى الطابع المنهجي للجرائم أو مساءلة من صاغوا السياسات وأصدروا الأوامر وأداروا منظومة القمع على مدى سنوات.

ومن هذا المنطلق، يرى منتقدون أنَّ شخصيات مثل أمجد يوسف لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد متهمين بارتكاب جرائم فردية، بل باعتبارها مصادر محتملة لمعلومات قد تساعد على كشف البنية الأوسع التي سمحت بوقوع تلك الانتهاكات.

وبعد فترة قصيرة من اعتقال يوسف في نيسان (أبريل)، كتب فاضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان: “إنَّ وجود أمجد يوسف حيًا أمام محكمة مستقلة أكثر قيمة من إعدامه بإجراءات موجزة. يجب استغلال وجوده رهن الاحتجاز الحكومي لكشف الشبكة الأوسع، وتحديد أماكن الجثث، وربط الجرائم بسلسلة القيادة، وتوسيع دائرة المساءلة من المنفذين المباشرين لتشمل مَن أمروا بالإعدام، وتستروا عليه، ومكّنوا منه، وأخفوه”.

غير أنَّ اعترافات يوسف التي ظهرت خلال احتجازه لم تبدّد هذه المخاوف. ففي تسجيل مصور نشرته وزارة الداخلية السورية، قال يوسف إنه يتحمّل المسؤولية الكاملة عن عمليات الإعدام، واصفًا إياها بأنها “قراراته الشخصية”. لكن هذا الطرح أثار تساؤلات لدى منتقدين للحكومة، رأى بعضهم أن مثل هذه الرواية قد تختزل القضية في مسؤولية فردية وتغفل السياق المؤسسي الأوسع. ووصف أحد المنتقدين ما يجري بأنه شكل من أشكال “العدالة الانتقائية والاستعراضية”.

وتزداد هذه المخاوف مع الحديث عن تسويات أُبرِمَت مع بعض الشخصيات النافذة المرتبطة بالنظام السابق. فبحسب روايات متداولة، حصل عدد من المسؤولين السابقين على نوع من الحصانة أو الحماية مقابل تقديم معلومات استخباراتية للسلطات الجديدة. ومن بين الأسماء التي يكثر تداولها في هذا السياق فادي صقر، القائد السابق لقوات الدفاع الوطني، وهي الميليشيا التي أُنشئت خلال الحرب الأهلية لدعم قوات الحكومة السورية السابقة.

المقابر الجماعية والبحث عن الحقيقة

وبعد سقوط نظام الأسد، أفادت تقارير بأنَّ فادي صقر لعب دورًا في التواصل مع بعض الموالين السابقين للنظام والتوسُّط بينهم وبين السلطات الانتقالية الجديدة. غير أنَّ هذا الدور لم يُبدّد الشكوك المحيطة به. فعدد من النشطاء السوريين ومنظمات حقوق الإنسان لا يزالون يربطونه بسلسلة القيادة التي يُعتقد أنها كانت مسؤولة عن مجزرة حي التضامن عام 2013. أما صقر، فينفي أي مسؤولية له عن تلك الأحداث، مؤكدًا أنه لم يتولَّ القيادة إلّا بعد وقوع المجزرة.

وفي حي التضامن نفسه، يقول السكان إنَّ عمليات القتل لم تتوقف عند المجزرة التي وثّقتها التسجيلات المصوَّرة، بل استمرت بأشكال مختلفة حتى سقوط الحكومة. ويطرح ذلك أسئلة أوسع حول العدد الحقيقي للضحايا المدفونين في الموقع. ويتساءل المجلس الوطني السوري للمفقودين عن حجم المقبرة التي تراكمت فيها الجثث على مدى أكثر من عقد من الزمن.

وقد بدأت أعمال التنقيب في الموقع مؤخّرًا، وهي خطوة يقول ستيفن راب، السفير الأميركي السابق المتجوّل لشؤون جرائم الحرب، إنها جاءت إلى حد كبير نتيجة إعطاء الأولوية للتحقيقات والمحاكمات المرتبطة بقضية أمجد يوسف.

وكان راب قد زار سوريا أخيرًا للمشاركة في ندوة بجامعة دمشق خُصصت لطلاب القانون الذين يتلقون تدريبًا على بناء ملفات القضايا المتعلقة بالجرائم الجسيمة. ويقول إنَّ المؤشرات الأولية التي ظهرت خلال أعمال التنقيب والتحقيق تشير إلى أنَّ ما يصل إلى 200 حافلة محمّلة بالمعتقلين ربما أُوقفت عند نقاط التفتيش ونُقل ركابها إلى الموقع في حي التضامن قبل إعدامهم.

وأضاف راب: “دُفنوا في خنادق، ووُضعت إطارات بين طبقات الجثث، ثم أُضرمت النيران في تلك الإطارات، ما أدى إلى تحلُّل الجثث بصورة شديدة”.

ولم تكن مثل هذه المشاهد استثناءً في سوريا خلال سنوات حكم الأسد، بحسب باحثين ومتخصصين في توثيق الجرائم. وتشير تقديراتهم إلى أنَّ أكبر مواقع الدفن الجماعي المعروفة يقع في منطقة القطيفة شمال دمشق، بالقرب من قاعدة عسكرية سابقة، وقد يضم رفات ما يصل إلى 100 ألف شخص قُتلوا بصورة منهجية.

غير أنَّ كشف حجم هذه الجرائم لا يعني أنَّ التعرّف إلى الضحايا سيكون مهمة سريعة. فقد أوضح أنس حوراني، مدير مركز تحديد الهوية السوري في دمشق، في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أنَّ عملية تحديد هويات القتلى ستستغرق سنوات طويلة. فالكثير من الرفات وصل إلى مراحل متقدمة من التحلّل تجعل التعرّف إليه مهمة شديدة التعقيد، فضلًا عن أنَّ حجم المقابر وعدد الضحايا المحتملين يفرضان تحديًا هائلًا على الجهات المختصة.

وهكذا، بين مطالب القصاص، والسعي إلى كشف مصير عشرات الآلاف من المفقودين، ومحاولات بناء منظومة قضائية قادرة على التعامل مع إرث سنوات من الانتهاكات، تجد سوريا نفسها أمام واحدة من أكثر تجارب العدالة الانتقالية تعقيدًا في تاريخها الحديث.

  • ديبورا آموس هي مراسلة إذاعية وتلفزيونية أميركية مخضرمة، تشغل حاليًا منصب أستاذة للصحافة في جامعة برينستون.
  • يَصدُرُ هذا التحقيق بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع نشره في مجلة “فورِن بوليسي” الأميركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى