أميركا تُلَزِّمُ لبنان لإيران وإسرائيل… وسوريا تَتَحَفَّز؟
ابراهيم حيدر*
يتصدّر الاتفاق الإيراني – الأميركي الذي أفضى إلى وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية واجهة المشهد السياسي اليوم، بعدما نجح في احتواء المواجهة العسكرية من دون أن يحسم إحدى أكثر القضايا تعقيدًا، وهي مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة. ومع ذلك، شكّل الاتفاق دفعًا للمسار التفاوضي الذي ترعاه واشنطن بين لبنان وإسرائيل، بانتظار ما إذا كانت الجولة الأخيرة من المفاوضات ستتمكن من بلورة آليات عملية تعيد تثبيت دور الدولة اللبنانية ضمن معادلات الإقليم الجديدة وتوازنات القوى التي أفرزتها الحرب.
غير أنَّ الطريق إلى تسوية نهائية لا يزال طويلًا. فملفات تثبيت وقف إطلاق النار بصورة دائمة، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة وضع سلاح “حزب الله” أو انسحابه من جنوب الليطاني تطبيقًا لاتفاق 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، وفق ما نُقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما زالت جميعها مطروحة على طاولة البحث.
وفي موازاة ذلك، يصعب القفز فوق التداعيات العميقة التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية على “حزب الله”، سواء على مستوى البنية اللبنانية أو على مستوى الخيارات السياسية التي قادت إلى المواجهة. فقد تركت الحرب آثارًا كارثية على الجنوب اللبناني ومجتمعاته المحلية، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول جدوى “حرب الإسناد” التي خاضها الحزب دعمًا لإيران، وما استتبعته من استدراج لمواجهة واسعة النطاق انتهت بتدمير قرى بأكملها وإلحاق خسائر جسيمة بلبنان.
ملف لبنان في التفاوض الأميركي – الإيراني تقدَّمَ على مسار واشنطن اللبناني – الإسرائيلي، إذ أنَّ الإدارة الاميركية تمنح المسار الأول كل الدعم، وتدفع ملف لبنان إلى أن يكون جزءًا من الاستراتيجية الإيرانية، بعدما عملت لفترة طويلة على فصله، لكنها لم تمنح لبنان أوراقًا تمكن دولته من فرض سيطرتها واستعادة الأراضي المحتلة.
وفي الواقع لم يحظَ لبنان باهتمام أميركي قبل أن تشتعل الحرب الإيرانية-الأميركية-الإسرائيلية. إذ كانت لجنة “الميكانيزم” تتولى مهمة مراقبة وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل. وحين نشبت الحرب الإقليمية وتورّط لبنان في كرة نارها عبر قرار “حزب الله” بإسناد إيران وشنّ إسرائيل حرب تدميرية على لبنان، أطلقت رئاسة الجمهورية مبادرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، لكنها لم تلقَ اهتمامًا من الإدارة الأميركية إلى حدِّ اللامبالاة، فبقي لبنان يتعرّض للتدمير وتوسّعت الحرب لتطال العمق اللبناني وبيروت، على الرغم من الهدنة التي أعلنت بين أميركا وإيران.
في التفاوض الإيراني – الأميركي، تكرّس ربط ملف لبنان بطهران، فضغطت واشنطن لوقف إطلاق النار وتحدثت عن مسار للانسحاب الإسرائيلي من دون أن تتوضّح آلياته، ما يعني أنَّ أميركا تُلحِقُ مسار واشنطن بمسارها مع إيران، وإن كان الأول توصّل الى إعلان مبادئ وحديث عن مناطق تجريبية للانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، فيما البحث بآليات عن ترتيبات أمنية وإنهاء الصراع لا تزال معلقة بالمسار الأول الذي شكل خلية لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ومراقبة تنفيذ الإجراءات المرتبطة به.
تشير نتائج المفاوضات الأميركية-الإيرانية في سويسرا إلى أنَّ إيران تمكنت من فرض رؤيتها حول وحدة الساحات والجبهات، فانتزعت مع تشكيل لجنة متابعة دولية دورًا أساسيًا وشريكًا في معالجة ملفات المنطقة ومن بينها لبنان الذي تعتبره ساحتها الرئيسة، فتكرّس دورها مع الاعتراف به ضمن مسار مستمر، ما يكشف لبنان أكثر في محيطه الإقليمي ويفتح شهية دول مثل سوريا لانتزاع حصة في تقرير مصيره، فيما إسرائيل تعمل على تثبيت احتلالها في الخط الأصفر. فكل السيناريوات المطروحة تضعف الدولة اللبنانية التي ستضطر رئاستها إلى فتح خطوط عربية في محاولة لتحصين وضعها بمواجهة الاحتلال والوصايات الجديدة.
سيأخذ مسار الترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل وقتًا طويلًا، في ظل الشروط الإسرائيلية، فيما تسعى أميركا لبناء تفاهمات طويلة الأمد مع إيران، وانتزاع تعهدات لإنهاء حالة العداء مع إسرائيل. ومع إصرارها على إنهاء نفوذ “حزب الله” وتفكيكه، إلّا أنها باتت تدرج هذا الأمر ضمن الصفقة وبالتفاهم مع إيران لتحويله إلى حزب سياسي، سيمنحه القدرة على التحكم مجددًا بالقرار مع الوصاية الإيرانية على لبنان.
- الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على: @ihaidar62
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



