المياه والليثيوم وفلسطين: ما الذي تريده إسرائيل من الأرجنتين؟

لم يعد التقارب المُتسارِع بين الأرجنتين وإسرائيل يقتصر على الديبلوماسية أو المواقف السياسية. فمن المياه والليثيوم إلى الخصخصة وحرية التعبير، يثير هذا التحالف الجديد أسئلة متزايدة حول طبيعة النفوذ الإسرائيلي المتنامي في عهد خافيير ميلي.

نقابات الأرجنتين العمالية تنظم إضرابًا عامًا ضد إصلاحات ميلي.

دانييلا فرنانديز ريالين*

في نيسان (أبريل) الماضي، سَجَّلَ الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي سابقة ديبلوماسية لافتة عندما أصبح أول رئيس دولة أجنبي يشارك في مراسم الاحتفال بما يُعرف بـ”عيد استقلال” إسرائيل. وخلال المناسبة، أكد ميلي أنَّ “الأرجنتين وإسرائيل ليستا مجرّد شريكتين، بل أمّتان صديقتان”، مُجَدِّدًا تعهّده بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، في خطوةٍ تعكس مستوى غير مسبوق من التقارُب السياسي بين الجانبين.

وجاء هذا الموقف في وقتٍ تواجه إسرائيل موجة متصاعدة من الانتقادات الدولية بسبب حربها على غزة واستمرار سياسات الضم الفعلي في الضفة الغربية. غير أنَّ ظهور ميلي إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كشف عن مسارٍ مغاير يتبلور في بوينس آيرس؛ فمنذ وصوله إلى السلطة، تحوّلت الأرجنتين إلى واحدة من أكثر الدول دعمًا لإسرائيل على الساحة الدولية. وترافَقَ هذا التحوّل السياسي مع توسُّعٍ ملحوظ لحضور الشركات الإسرائيلية في قطاعات أرجنتينية استراتيجية، ولا سيما في مجال المعادن الحيوية المرتبطة بصناعات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التحوُّل الطاقوي.

ومنذ توليه الرئاسة في كانون الأول (ديسمبر) 2023، أطلق ميلي برنامجًا واسعًا لإعادة هيكلة الدولة الأرجنتينية، مُستندًا إلى رؤيته التي يصفها بـ”الرأسمالية الفوضوية”. وقد اشتهر خلال حملته الانتخابية بحمله منشارًا كهربائيًا رمزًا لوعوده بخفض حجم الدولة والإنفاق العام. وفي إطار هذه السياسة، ألغت حكومته عددًا من الوزارات وقلّص مخصصات قطاعات أساسية، من بينها الصحة العامة والتعليم الجامعي وبرامج دعم ذوي الإعاقة. وتُقارَن توجّهاته الاقتصادية والسياسية على نطاقٍ واسع بنهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يصفه ميلي بأنه “صديقٌ شخصي” و”مصدرُ إلهامٍ” له.

ورُغمَ هذا التقارب المتسارع، فإنَّ العلاقات بين الأرجنتين وإسرائيل لم تكن تاريخيًا خالية من التوتّر. فقد شهدت محطات خلافية بارزة، من بينها الأزمة الديبلوماسية التي أعقبت العملية الإسرائيلية عام 1960 لاعتقال مجرم الحرب النازي أدولف أيخمان في بوينس آيرس. كما ظلَّ ملف التحقيقات في التفجيرات التي استهدفت السفارة الإسرائيلية ومركز “أميا” (AMIA) اليهودي في العاصمة الأرجنتينية خلال تسعينيات القرن الماضي مصدر احتكاك بين الطرفين، في ظلِّ انتقادات إسرائيلية متكررة لبطء السلطات الأرجنتينية في كشف ملابسات تلك الهجمات. إلّا أنَّ هذه الخلفية التاريخية لم تعد تشكل عائقًا أمام بناء شراكة آخذة في التوسع، تداخلت فيها الاعتبارات الإيديولوجية والاقتصادية والجيوسياسية على نحوٍ غير مسبوق.

مدفوعًا بتقارُبٍ إيديولوجي واضح وإعادة توجيه أوسع للسياسة الخارجية الأرجنتينية نحو الولايات المتحدة وحلفائها المقرّبين، يسعى ميلي إلى ترسيخ إسرائيل بوصفها أحد أبرز الشركاء الدوليين لبلاده. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تكون إسرائيل أول دولة يزورها بعد توليه الرئاسة في شباط (فبراير) 2024. وفي وقتٍ لاحق من العام نفسه، تخلت الأرجنتين عن نهجها الديبلوماسي التقليدي وصوتت ضد الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة. كما حصل ميلي عام 2025 على جائزة “جينيسيس” البالغة قيمتها مليون دولار، ليصبح أول شخصية غير يهودية تنال هذا التكريم المخصص للمساهمين في دعم القيم اليهودية ودولة إسرائيل.

وفي إطار هذا التقارب المتسارع، أطلق ميلي ونتنياهو مطلع العام الجاري ما أُطلق عليه اسم “اتفاقيات إسحاق”، المستوحاة من “اتفاقيات أبراهام” التي دشنت مسار التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية عام 2020. وتهدف الاتفاقيات الجديدة، وفق الطرفين، إلى توسيع التعاون في مجالات الابتكار والديموقراطية والتحرير الاقتصادي. كما تتضمّن حزمة من الإجراءات العملية، من بينها خط ائتماني بقيمة 150 مليون دولار لدعم الشركات الإسرائيلية العاملة في الأرجنتين، إلى جانب تدشين رحلات جوية مباشرة بين تل أبيب وبوينس آيرس اعتبارًا من تشرين الثاني (نوفمبر).

وبالنسبة إلى الأرجنتين، التي تعاني منذ سنوات أزمات مزمنة تتعلق بشحِّ العملات الأجنبية والديون السيادية والاعتماد على التمويل الخارجي، تبدو الاستثمارات الجديدة فرصة يصعب تجاهلها. غير أنَّ هذا الانفتاح يثير في المقابل مخاوف متزايدة من أن تتحول الاتفاقيات إلى بوابة أمام الشركات الأجنبية للوصول إلى الموارد الطبيعية الضخمة التي تمتلكها البلاد.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي ماريانو روزا أنَّ “اتفاقيات إسحاق”، إلى جانب الاتفاقيات السابقة التي صادقت عليها الحكومة، تعزّز موقع الأرجنتين كمنصة لاستخراج الموارد والسلع الاستراتيجية، مشيرًا إلى أنَّ توسيع هذه الترتيبات يجري في ظل انسجام إيديولوجي بين حكومة يمينية متشددة مؤيدة لإسرائيل في بوينس آيرس ونظيرتها في تل أبيب.

المياه والليثيوم

بالتوازي مع إعادة تموضع الأرجنتين سياسيًا، أطلق ميلي برنامج خصخصة واسع النطاق يهدف إلى جمع مليارات الدولارات عبر بيع أصول عامة تشمل قطاعات حيوية مثل السكك الحديدية وشبكات الكهرباء. ولتشجيع تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، استحدثت حكومته ما يُعرف بـ”نظام حوافز الاستثمارات الكبرى”، الذي يمنح مزايا ضريبية وجمركية وتنظيمية سخية للمشاريع الضخمة في قطاعات استراتيجية، أبرزها التعدين والطاقة والبنية التحتية.

وفي هذا السياق، أثارت خطة خصخصة 90% من شركة “AySA”، المسؤولة عن توفير مياه الشرب في بوينس آيرس، مخاوف متزايدة لدى منظمات المجتمع المدني. ويرى منتقدو الخطة أنها قد تفتح الباب أمام توثيق العلاقة مع شركة المياه الوطنية الإسرائيلية “ميكوروت”، التي تواجه اتهامات من مسؤولين أمميين ومنظمات حقوقية بالمساهمة في نظام تمييزي لإدارة المياه في الأراضي الفلسطينية من خلال تفضيل المستوطنات الإسرائيلية على التجمعات الفلسطينية.

وكانت “ميكوروت” قد وسعت حضورها في الأرجنتين خلال عامي 2022 و2023، عبر توقيع اتفاقيات تعاون مع ما لا يقل عن 12 ولاية من أصل 23 ولاية أرجنتينية. وتشمل هذه الاتفاقيات تحديث البنية التحتية للمياه وتعزيز الأمن السيبراني وإعداد خطط لإدارة الموارد المائية. ورغم محدودية المعلومات المتاحة حول معظم العقود، أظهرت وثائق منشورة أنَّ إحدى الاتفاقيات الموقعة مع مقاطعة ريو نيغرو تمنح الشركة حق الوصول إلى بيانات فنية ووضع تصورات طويلة الأمد لإدارة المياه.

وتعتبر راكيل بيرير، وهي عالمة أحياء وناشطة بيئية، أنَّ هذه الاتفاقيات تتجاوز الجانب التقني لتطال مسألة السيادة على المعلومات الاستراتيجية المرتبطة بالموارد المائية. وتشارك بيرير في حملة “فويرا ميكوروت” المناهضة لتوسع الشركة في أميركا اللاتينية، وترى أن حصولها على بيانات تفصيلية حول طبقات المياه الجوفية والأحواض المائية والتخطيط المستقبلي للموارد يمنحها نفوذًا يتجاوز مجرد تقديم الاستشارات الفنية. وتقول إنَّ الخطر لا يكمن في السيطرة المباشرة على المياه بقدر ما يكمن في السيطرة على المعرفة الاستراتيجية المرتبطة بها، محذّرة من أنَّ ذلك قد يضعف الرقابة الديموقراطية على إدارة الموارد الطبيعية.

في المقابل، ينفي مسؤولو “ميكوروت” وجود أي نية للاستحواذ على شركة “AySA”، مؤكدين أنَّ دور الشركة في الأرجنتين يقتصر على تقديم الخدمات الاستشارية والدعم الفني لقطاع المياه.

ويمثل الليثيوم محورًا آخر للجدل في العلاقة الاقتصادية المتنامية بين الأرجنتين وإسرائيل. فالأرجنتين، إلى جانب تشيلي وبوليفيا، تشكل ما يُعرف بـ”مثلث الليثيوم”، الذي يضم الجزء الأكبر من الاحتياطيات العالمية المؤكدة لهذا المعدن الاستراتيجي. غير أنَّ استخراج الليثيوم يثير مخاوف بيئية متزايدة بسبب اعتماده على استهلاك كميات ضخمة من المياه الجوفية في مناطق تعاني أصلًا من ندرة الموارد المائية.

وفي عام 2025، وقعت شركة النفط الحكومية الأرجنتينية “YPF” اتفاقية بقيمة 100 مليون دولار مع الشركة الإسرائيلية “إكسترا ليت” لتقييم تقنيات الاستخراج المباشر لليثيوم في المسطحات الملحية الواقعة شمال غربي البلاد. وتؤكد الشركة الإسرائيلية أنَّ تقنيتها أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للمياه من أساليب الاستخراج التقليدية، إلّا أنَّ المشروع أثار مخاوف لدى منظمات السكان الأصليين التي تخشى من انعكاساته على الموارد المائية المحلية.

وتقول إيرما بيريو، وهي ناشطة من شعب المابوتشي وعضو في حركة “نساء السكان الأصليين من أجل العيش الكريم”، إنَّ مشاريع الاستخراج، مهما اختلفت تقنياتها، تظل مرتبطة باستهلاك هائل للمياه، مضيفةً أنَّ الأولوية غالبًا ما تُمنح لشركات التعدين والطاقة على حساب احتياجات المجتمعات المحلية.

تقلُّص الحَيِّز المدني

بالتوازي مع هذا التقارب السياسي والاقتصادي، يثير عدد من النشطاء مخاوف بشأن تداعياته على الحريات العامة. ففي عام 2020، اعتمدت الأرجنتين التعريف العملي لمعاداة السامية الصادر عن “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست”، وهو تعريف تعرَّضَ لانتقاداتٍ من جهات حقوقية وأكاديمية اعتبرت أنه قد يؤدي إلى الخلط بين معاداة السامية وانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية.

ومنذ وصول ميلي إلى السلطة، عززت السلطات الأرجنتينية تعاونها مع “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست”، كما كثفت استخدام الأطر القانونية الخاصة بمكافحة التمييز في مواجهة بعض أشكال الخطاب والأنشطة المرتبطة بانتقاد السياسات الإسرائيلية، وهو ما دفع منتقدين إلى التحذير من تضييق محتمل على مساحة النقاش العام بشأن إسرائيل والقضية الفلسطينية.

ويشير منتقدو الحكومة إلى أنَّ هذا المناخ لا يقتصر على إعادة رسم أولويات السياسة الخارجية، بل يمتد أيضًا إلى المجال العام. ففي السنوات الأخيرة، سُجلت حوادث أثارت جدلًا بشأن حدود حرية التعبير في القضايا المرتبطة بإسرائيل وفلسطين؛ من بينها إلغاء برنامج إذاعي لصحافية انتقدت نفوذ حكومة بنيامين نتنياهو في الخطاب السياسي الأرجنتيني وقضايا إدارة الموارد الطبيعية، إلى جانب إزالة ملصقات مؤيدة لفلسطين من جامعات عدة، في خطوة اعتبرتها مجموعات طلابية شكلًا من أشكال الرقابة. كما أثار فصل مدرّس جغرافيا العام الماضي بعد استخدامه خريطة توضّح التوسّع التاريخي للأراضي الإسرائيلية، ومنع الناشط البرازيلي تياغو أفيلا من دخول البلاد في آذار (مارس) الماضي، مزيدًا من التساؤلات حول مساحة النقاش المتاحة بشأن القضية الفلسطينية.

وتقول سيليست فييرو، العضوة السابقة في المجلس التشريعي لمدينة بوينس آيرس والمشاركة في إحدى بعثات “أسطول غزة”، إن الضغوط التي يتعرض لها المدافعون عن الحقوق الفلسطينية ليست جديدة، لكنها ازدادت وضوحًا خلال الفترة الأخيرة، في ظل تشدد أكبر تجاه الأصوات المنتقدة لإسرائيل.

وفي المحصلة، لم يعد الجدل الدائر حول تعميق الشراكة بين الأرجنتين وإسرائيل مقتصرًا على الاعتبارات الديبلوماسية أو الاقتصادية. فبالنسبة إلى كثيرين من الأرجنتينيين، ترتبط هذه العلاقة بأسئلة أوسع تتعلق بالسيادة على الموارد الطبيعية، وإدارة القطاعات الاستراتيجية، وحدود حرية التعبير في الفضاء العام. ومع استمرار خافيير ميلي في تقديم نفسه بوصفه “أكثر الرؤساء صهيونية في العالم”، يرى منتقدوه أنَّ التقارب المتسارع مع إسرائيل لا يعكس مجرد توجه في السياسة الخارجية، بل يساهم في إعادة تشكيل موازين النفوذ والسلطة داخل الأرجنتين نفسها.

  • دانييلا “إيلا” فرنانديز ريالين هي صحافية ومصورة وصانعة أفلام كوبية مستقلة. وهي تقيم في بوينس آيرس، وتركز في عملها على قضايا تتعلق بالنسوية والهجرة والحركات الاجتماعية في جميع أنحاء أميركا اللاتينية.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى