بيكاسو… بيكاسو… ما هو سرُّك؟ (الأَخيرة: 7 من 7)

امرأَة تبكي (1938)

هنري زغيب*

جمهورُ الفن التشكيلي قسمان حيال بيكاسو (1881-1973): قسمٌ يُحبّ في فنِّه تعدُّدَ الأَنواع وغناها، والقسم الآخر يَجده شَوَّهَ الوُجوه والأَجساد بأَشكاله الغريبة الصادمة. سوى أَنه، بين المعجبين والمنتقدين، ما زال يسير شُهرةً في الزمان، حاضرًا بثباتٍ من جيلٍ إِلى جيل.

في الحلقات الست السابقة من هذه السُباعية، مهَّدتُ بنبْذةٍ عن نشأَة بيكاسو ومطالعه، ومجيئه من إِسبانيا إِلى باريس التي غيَّرَت في نهجه وأُسلوبه وكان لها تأْثير عليه، كتأْثير المسرح والموسيقى على مسيرته، وسردتُ علاقاته الشخصية الخاصة مع 7 نساء، وعلاقاته المهنية التي ساعدت على اتساع شهرته، وأَحداثًا تاريخية عاشَها وطبعَت أَعماله.

في هذه الحلقة السابعة والأَخيرة أَختم السُباعية بالكشف عن مواد استعملها بيكاسو في لوحاته ومنحوتاته وبرع رائدًا فيها.

امرأَة باكية (1939)

الرسم على الورق

صحيح أَن بيكاسو معروف بلوحات ومنحوتات غزيرة، لكنَّ له أَعمالًا متفرقة أُخرى، منها رسوم على الورق وملصقات (كولَّاج) وتَصاوير متفرقة على مساحات متعددة كالورق والقماش والمعدن والخشب وسواها.

أَقدمُ ما وصَلَنا، زمنيًّا، يرقى إِلى سنة 1899 وكان في مطلع شبابه. وظلَّ يزاول تلك الأَعمال حتى وهو في التسعين، بالغًا ما مجموعه نحو 2400 رسم أَو تصوير على مواد مختلفة وبتقْنيات متعددة، منها النقْش والطباعة الحجرية (الليتوغرافيا) والطباعة على اللينوليوم (الـمُشَمَّع). ورسم أَحيانًا على مواد وأَدوات وأَغراض لم يكن الرسم عليها مأْلوفًا (صحون أَو فخاريات مختلفة أَو أَيّ ما يقع بين يديه) متنقِّلًا بين تقنية وأُخرى في بساطة وسرعة مذهلتَيْن.

أَشهر تلك الأَعمال: “امرأَة تبكي” (1937): زيتية على قماش، تمثل عشيقته دورا مار. واللوحة شاهدةٌ على عنفه حيال النساء اللواتي عشقهنَّ في حياته، رسمهنَّ بتشويه ساخر في عدد من اللوحات بالسخرية القاسية ذاتها بين 1937 و1939.

وكذلك المحفورة على معدن “الوليمة الفقيرة” (1904). لم ينجح بيكاسو في بيعها لا في باريس ولا في إسبانيا، حتى بيعت بعد وفاته لدى مؤَسسة “كريستيز” للمزادات في لندن بمبلغ 6 ملايين و14 أَلف ليرة سترلينية سنة 2022.

وزاول بيكاسو رسومًا كثيرة على الورق، بعدد كبير منوَّع من الأَقلام والريشات والحبر والطبشور والفحم وأَقلام الشمع، حتى أَنه صنع بالورق أَشكال تماثيل ومنحوتات. وفي معرض “بيكاسو على الورق” 2024 – 2025 في “متحف كليفلند للفنون” (تأَسَّس في ولاية أُوهايو الأَميركية سنة 1913) عدد كبير من الأَعمال التي تدلُّ على عبقريته ورؤْيته الخلَّاقَتَين الفريدَتَين.

الوليمة الفقيرة (1904)

الرسم على الخزَف

سنة 1946 تعرّف بيكاسو بــجورج وسوزان رامييه صاحبَي محترف وفُرن “مادورا” للفخاريات في مدينة فالوريس الفرنسية (أَسَّساه سنة 1938). وأَنتج في محترفهما نحو 633 عملًا بين 1947 و1971، وهي أَعمال مشكَّلة فريدة ذات نسخة وحيدة لكل عمل. وفيما كان بيكاسو يصمِّم تشكيلَ كل قطعة بين الرسم والنحت، كان الزوجان يدرِّبانه على عدد من التقنيات في الرسم على الفخار. وظلَّ على علاقة بهما إِلى آخر حياته، حتى أَن محترف “مادورا” أَصبح جزءًا عضويًّا من مسيرة بيكاسو. وفي محترفهما تعرَّف صيفَ 1952 بالمرأَة التي أَصبحت زوجته الأَخيرة وحبَّه الكبير: جاكلين.

فخارية من تصميمه (1963)

ديمومة إِرث بيكاسو

توفي بيكاسو نهار 8 نيسان/أبريل 1973 في مدينة موجان الفرنسية، تاركًا إِرثًا فنيًّا غزيرًا جدًّا. فهو احترف، عبر مسيرته، أَساليبَ فنيةً كثيرةً متعدِّدةً متنوعة، منذ المرحلة الزرقاء فالزهرية فالتكعيبية فالنيوكلاسيكية فالسوريالية فالواقعية فالتجريدية. وكان رائدًا في تغيير أَنماط عمله، ما جعله يغيِّر وجه الفن التشكيلي بوجه عام. وهنا خلوده.

في مقدمة كتاب الناقد الإِنكليزي دافيد سيلفستِر (1924-2001 “حول الفن المعاصر” (1996) جاء: “بيكاسو هو الأَسرع والأَغزر إِنتاجًا في الغرب… يحاول فنانون كثيرون بلوغَ سرعته وغزارته ولا يُفلحون”. وكتب الرسام الأَميركي رُوْيْ ليتْشْتِنْشْتاين (1923-1997): “بات بيكاسو شعبيًّا حتى يكاد يكون في كل بيت عملٌ من نتاجه الغزير”.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى