“فيلوكاليَّا” تحتفل بزكي ناصيف

هنري زغيب*

في ذكرى ولادةِ مبدعٍ أَو غيابه، ليس أَغلى عليه من تشكيل المناسبة بآثاره ذاتها عوَضَ عقد ندواتٍ ومحاضراتٍ للحديثِ عنه وعنها. وهو هذا ما شكَّلَتْه مساءَ أَمس السبت جوقة وأُوركسترا “فيلوكاليَّا” الموسيقية والغنائية، تَعَاوُنًا مع برنامج زكي ناصيف للموسيقى لدى الجامعة الأَميركية – بيروت، في الذكرى العاشرة بعد المئة لولادة الرائد زكي ناصيف في مشْغرة سنة 1916.

هكذا، في كتابة أُوركستراليَّة جديدة للمؤَلف الموسيقيّ إِيَاد كنعان، رفعَت يدَها رئيسةُ “فيلوكاليَّا” الأُخت مارانا سعد لتقودَ الأُوركسترا والجوقة في أُمسية غنائية، عنوانُها “زكي ناصيف صوت الوطن الجميل”، طربَ لها جمهورُ مدرج زوق مكايل ليلة أَمس السبت، وهو يتابع كوكبةً من أُغنيات زكي ناصيف، تأَلَّقَت لها في غنائها المنفرد رفقا فارس، وطرَّزَتْها في لوحاتٍ فولكلوريةٍ فرقة برجا للرقص الشعبي، وعرفت ضيفة السهرة الكاتبة اللبنانية زينة صالح كيالي كيف تستلُّ، من كتابها الصادر قبل أَيامٍ عن زكي ناصيف، ملامحَ تكرِّسُهُ رائدًا أَوَّل في مسيرة الفن الغنائي اللبناني.

وكان لافتًا تَجاوُبُ الجمهورِ الكثيفِ مع المقاطع الموسيقية (“بوليرو شرقي”)، ومشاركتُهُ الجَمَاعية في معظم الأَغاني: النوستالجية القديمة منها (“ليلتْنا من ليالي العمر”، “طلُّوا حبابنا طلُّوا”، “يا بو الميجانا”، “هلا يا ريم الفلا”، “رمشة عينِك”، “اشتَقْنا كتير يا حبايب”، دبكة المواسم: “سْهِرنا سْهِرنا”،… ) أَو الرومانسية العاطفية (“طلِّي طلِّي قْبالنا”، “أَهواكَ بلا أَملِ”، “عَ دروب الهوى”، “بْناديلَك يا حبيبي”، “يا عاشقة الوردِ”، “سحرَتْنا البسَمات”،…)، أَو الوطنية الدائمة النضارة (“بلَدي حبيبي”، “اشتقْنا عَ لبنان”، “مهْما يتجرَّح بلَدنا”، “يا بني أُمي” لِــجبران، والأُغنية التي باتت أَيقونةً وطنيةً: “راجع يتعمَّر لبنان”).

في غياب المهرجانات الغنائية الكبرى هذا الصيف، جاءَت ليلةُ زكي ناصيف في زوق مكايل نجمةَ مهرجانات الصيف، افْتَتَحَتْها “فيلوكاليَّا” عبرةً لِمَن يشُكُّ بأَنَّ الإِبداع في لبنان مستمِدٌّ رمزيتَه من أَرز لبنان: الضالعِ في الزمان فَلا تُغيِّر مسارَه تيارات، والعميقِ في المكان فَلا تَقْتَلِعُهُ صواعق. هكذا يمضي إِلى سُمُوِّه الخلَّاق، من أَجل لبنان الوطنِ الخلَّاق، فَتَتَبَدَّدُ غيومه السوداء مهما طالت في فضائه أَمطارُها السامًّة، وتَتَفَتَّتُ مآسيه مهما تراخت دَولتُه عن معالَجتها، وتبقى وحدَها سائرةً في الزمان فضاءَاتُهُ الإِبداعية، لا يوقفُها حدث ولا تعطِّلُها حوادث، لأَنها خالدة في يومها ولكلِّ يوم.

بهذه الروحية أَحيَت “فيلوكاليَّا” ذكرى زكي ناصيف، وبهذه الروحية يستاهلُ كلُّ مبدعٍ أَن تحتفي به مؤَسسات ثقافية تؤْمن بأَنَّ أَركانَ لبنان السُلطة والدولة مُوَقَّتون عابرون زائلون، والباقي أَبدًا على الزمان: لبنانُ الوطن بأَعلامه المبْدعين الخالدين.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى