الأبيض… المعركة التي قد تُغَيِّرُ خريطةَ السودان
لم تعد مدينة الأبيض مجرد ساحة مواجهة بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع”، بل تحوّلت إلى عقدةٍ استراتيجية قد يتوقّف عليها مستقبل السودان. فنتيجة المعركة المرتقبة لن تُحدِّدَ موازين القوى العسكرية فحسب، بل قد ترسُم أيضًا ملامح الدولة السودانية في المرحلة المقبلة.

محمد ود الساك*
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الأهلية في السودان، تتجه الأنظار إلى معركة قد تكون الأكثر حسمًا منذ بداية الصراع، لأنها لا تتعلق بالسيطرة على مدينة فحسب، بل قد تحدد مستقبل الدولة السودانية نفسها. ففي قلب هذا المشهد تقف مدينة الأبيض، كبرى مدن إقليم كردفان، التي تحولت من مركز اقتصادي حيوي إلى عقدة استراتيجية قد يرسم مصيرها ملامح المرحلة المقبلة، سواء لناحية وحدة السودان أو انزلاقه نحو واقع التقسيم.
فعلى مدى ثمانية عشر شهرًا، فرضت “قوات الدعم السريع”، التي تخوض حربًا مفتوحة ضد الجيش السوداني، حصارًا على المدينة، مستهدفةً أحد أهم مراكز الثقل الاقتصادي في البلاد، حيث تزدهر صناعات الثروة الحيوانية وتكرير النفط وإنتاج الصمغ العربي. غير أنَّ القيمة الحقيقية للأبيض تتجاوز بعدها الاقتصادي؛ فهي تقع عند مفترق طرق يربط الخرطوم بحقول النفط الجنوبية، وتضم قاعدة عسكرية رئيسية، وشبكة سكك حديدية، ومطارًا يستخدم في العمليات العسكرية واللوجستية، فضلًا عن احتضانها مقر القيادة العملياتية للقوات المسلحة السودانية في وسط البلاد.
ومن هنا، تكتسب المعركة حول الأبيض أهمية استثنائية. فإذا تمكنت “قوات الدعم السريع” من السيطرة عليها، فإنها لن تقطع أحد أهم خطوط الإمداد الغربية للجيش فحسب، بل ستوجه ضربة مباشرة إلى منظومته القيادية في وسط السودان، كما ستنجح في ربط مناطق نفوذها الممتدة من دارفور عبر كردفان وصولًا إلى نهر النيل. وعندها، لن يكون التغيير عسكريًا فقط، بل سياسيًا وجغرافيًا أيضًا، إذ ستصبح قدرة الجيش على الاحتفاظ بمناطق نفوذه في قلب السودان موضع تساؤل، بينما يقترب سيناريو الانقسام الفعلي للبلاد من التحوُّل إلى واقع.
ولا تقل التداعيات الإنسانية خطورة عن الأبعاد العسكرية. فنتيجة هذه المعركة ستحدّد مستقبل وصول المساعدات إلى مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين، كما سترسم ملامح السيطرة على القسم الأكبر من الموارد الطبيعية السودانية. ولهذا، فإنَّ سقوط الأبيض، إذا حدث، لن يمثل مجرد تقدم ميداني جديد، بل نقطة تحوُّل قد تعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للسودان.
ورغم استمرار سيطرة القوات المسلحة السودانية على المدينة، فإنَّ الأبيض تعيش عمليًا تحت الحصار منذ أيار (مايو) 2023، ولم تعرف سوى هدنة قصيرة بعدما تمكن الجيش من فك الحصار الأول في شباط (فبراير) 2025. إلّا أنَّ سقوط مدينة الفاشر في دارفور بيد “قوات الدعم السريع” في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه أعاد الأبيض إلى صدارة العمليات العسكرية، إذ كثفت “قوات الدعم السريع” هجماتها بالطائرات المسيّرة، بالتزامن مع اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة شملت الاختطاف والتعذيب والعنف الجنسي والإعدامات الميدانية بحق المدنيين الذين حاولوا الفرار.
وتعكس التحذيرات الدولية حجم القلق من اقتراب المدينة من كارثة إنسانية. فقد أكد الأمين العام للمجلس النروجي للاجئين، يان إيغلاند، أنَّ عائلات الأبيض “تعاني الجوع بينما تحاول النجاة بحياتها وسط هجمات عشوائية”. كما حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، من أنَّ أيَّ تصعيدٍ إضافي سيكون “عنيفًا وممتدًا”، مؤكدة أن الفرصة المتبقية لتجنُّب كارثة إنسانية تضيق يومًا بعد يوم.
لماذا كردفان… ولماذا الآن؟
اندلعت الحرب في السودان في نيسان (أبريل) 2023، بعدما انفجر الصراع بين الجيش السوداني وشريكته السابقة “قوات الدعم السريع” في العاصمة الخرطوم، قبل أن يمتد سريعًا إلى مختلف أنحاء البلاد. وفي الأسابيع الأولى، نجحت “قوات الدعم السريع” في فرض سيطرتها على الخرطوم ومعظم مناطق غرب السودان عبر هجوم خاطف، إلّا أنَّ القوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة لاحقًا، مدعومة بتفوُّقها الجوي، وتمكنت من استعادة العاصمة في آذار (مارس) 2025. ومنذ ذلك الحين، دخلت الحرب مرحلة اتسمت بجمود ميداني استنزف الطرفين من دون أن يحسم الصراع لمصلحة أيٍّ منهما.
غير أنَّ هذا الجمود لم يدم طويلًا. فقد شكّل سقوط مدينة الفاشر في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، آخر معاقل الجيش في غرب السودان، نقطة تحوُّل مهمة في مسار الحرب. فبعد إحكام سيطرتها على المدينة، أعادت “قوات الدعم السريع” توزيع قواتها باتجاه الشرق، وفرضت مجددًا حصارًا جزئيًا على مدينة الأبيض من جهاتها الشمالية والجنوبية والغربية، في خطوة تعكس انتقال مركز الثقل العسكري من دارفور إلى كردفان.
ولا يقتصر هذا التحوُّل على تغيير جبهة القتال، بل يرتبط بأهمية الأبيض نفسها. فبحسب مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها (ACLED)، فإنَّ السيطرة على المدينة ستتيح لـ”قوات الدعم السريع” استعادة السيطرة على الممر الأوسط في السودان وتعزيز نفوذها في غرب البلاد، حيث تدير هياكل حكم موازية. وتكتسب الأبيض هذه الأهمية لأنها لا تُعد ثاني أهم مدينة استراتيجية في السودان بعد الخرطوم فحسب، بل تمثّل أيضًا آخر مركز قيادة رئيسي للقوات المسلحة السودانية في وسط البلاد، وحجر الزاوية في ممرِّ الإمداد الغربي التابع لها. وفي المقابل، فإنَّ احتفاظ الجيش بالمدينة قد يمنحه قاعدة متقدّمة لشنِّ هجوم مضاد باتجاه دارفور، وهو ما قد يعيد خلط الأوراق ويغيّر مسار الحرب مجدّدًا.
ولا تنحصر أهمية الأبيض في الحسابات السودانية الداخلية، بل تمتد إلى البُعد الإقليمي أيضًا. فالمدينة تحظى بأهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي أفادت تقارير بأنها أنشأت فيها غرفة عمليات مشتركة مع القوات المسلحة السودانية لتنسيق المعلومات الاستخباراتية وإدارة ممرات الإمداد، في مؤشر إلى أنَّ المعركة حول الأبيض تجاوزت حدودها المحلية وأصبحت جزءًا من توازنات إقليمية أوسع.
ويضاف إلى ذلك البُعد الاقتصادي، الذي يجعل من كردفان محورًا حيويًا في معادلة الصراع. فمدينة الأبيض تضم مصفاة نفط تبلغ طاقتها الإنتاجية ما بين 10 آلاف و15 ألف برميل يوميًا، تؤمّن الوقود اللازم للاستهلاك المحلي وتشغيل المنشآت الصناعية. كما يمر إلى الشمال الغربي منها “خط أنابيب النيل الكبير” (Greater Nile Pipeline)، الممتد لمسافة 1510 كيلومترات، والذي يربط حقول النفط في ولاية الوحدة بجنوب السودان وحقول هجليج داخل السودان بمحطة “بشاير” البحرية على البحر الأحمر، ما يمنحه أهمية تتجاوز الاقتصاد السوداني إلى اقتصاد جنوب السودان أيضًا.
وقد برزت هشاشة هذا الشريان النفطي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، عندما أدى هجوم بطائرة مسيرة استهدف منشأة المعالجة في هجليج إلى توقف العمليات لفترة وجيزة، متسبِّبًا في خسارة جنوب السودان أكثر من مليون دولار من الإيرادات اليومية. ومن هنا، فإنَّ أيَّ اضطراب في “ممر كردفان” لا يهدد إمدادات الوقود داخل السودان فحسب، بل ينعكس أيضًا على عائدات عبور النفط التي يعتمد عليها اقتصادا السودان وجنوب السودان بدرجات متفاوتة.
وفي هذا السياق، كشف لي ضابط في القوات المسلحة السودانية، فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أنَّ الضربات الأخيرة التي استهدفت المستشفيات والأسواق ومنشآت الوقود والبنية التحتية في مدينة الأبيض لا تمثّل هجمات معزولة، بل تندرج ضمن استراتيجية أوسع تتبعها “قوات الدعم السريع”، تقوم على استنزاف خصمها عسكريًا ونفسيًا، عبر استهداف مقومات الحياة اليومية وإضعاف قدرة المدينة على الصمود قبل حسم المعركة ميدانيًا.
وأوضح الضابط أنَّ استهداف مصادر الوقود وخطوط الإمداد بصورة متكررة لا يهدف إلى إحداث دمار مادي فحسب، بل يندرج ضمن استراتيجية ترمي إلى إنهاك المدينة اقتصاديًا ونفسيًا في آن واحد. وقال: “عندما يتم استهداف مصادر الوقود وخطوط الإمداد بشكل متكرر، فإنَّ الهدف -إلى جانب التدمير المباشر- هو خلق ضغط اقتصادي ونفسي يؤثر في حركة القوات والمدنيين في آن واحد”.
وتتقاطع هذه القراءة مع تقييم الميدان لدى “القوات المشتركة السودانية”، وهي مجموعة من الفصائل المسلحة تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية. فقد وصف أحد عناصرها المرحلة الحالية بأنها “مرحلة ترقب واستعداد”، مشيرًا إلى أنَّ القوات تستعد لمختلف السيناريوهات المحتملة، سواء تمثّلت في حصار طويل الأمد، أو تصعيد في هجمات الطائرات المسيّرة، أو شن هجوم بري واسع، بما يعكس قناعة متزايدة بأنَّ المعركة المقبلة قد تكون مختلفة في طبيعتها وحجمها عن المواجهات السابقة.
المعادلة الإنسانية
وفي موازاة الحسابات العسكرية، تتفاقم المأساة الإنسانية بوتيرة متسارعة، حتى باتت تشكل أحد أبرز أوجه الصراع في مدينة الأبيض. فالتصعيد العسكري لا يدفع المدنيين وحدهم ثمنه، بل يزيد الضغوط على مدينة استنفدت قدراتها منذ وقت طويل، الأمر الذي يجعل الوضع الإنساني عاملًا مؤثرًا في مسار الحرب، وليس مجرّد نتيجة لها.
وتؤوي الأبيض اليوم أكثر من مليون نازح، إضافة إلى سكانها الأصليين الذين يزيد عددهم على 750 ألف نسمة، ما يضع المدينة أمام أعباء تفوق إمكاناتها بكثير. وفي هذا السياق، حذرت حنان سليمان، نائبة المدير التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، أمام مجلس الأمن الشهر الماضي، من أنَّ تصاعد أعمال العنف في الأبيض يعرّض أكثر من نصف مليون مدني للخطر، مؤكّدة أنَّ “الأطفال يواجهون خطرًا وشيكًا ومتزايدًا بالقتل أو الإصابة أو النزوح أو التعرّض لانتهاكات جسيمة أخرى”.
وتعكس المؤشرات الميدانية حجم العزلة التي تعيشها المدينة. فبحسب تحذيرات الأمم المتحدة الصادرة في أيار (مايو)، تكاد حركة الدخول إلى الأبيض والخروج منها تكون مشلولة بالكامل. ولا يزال المحور الجنوبي يشهد مواجهات مستمرة بين القوات المسلحة السودانية و”قوات الدعم السريع” والفصائل المتحالفة مع كلٍّ منهما، فيما أصبحت الطرق الشمالية والغربية شبه مقطوعة نتيجة التوسع الميداني لـ”قوات الدعم السريع”، الذي بدأ بالسيطرة على مركز النقل في بابنوسة وحقل هجليج النفطي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وبذلك، لم يبق أمام المدينة سوى الممر الشرقي، الذي لا يزال يعمل بصورة جزئية، ما يزيد من صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية.
ولم يقتصر تأثير الحصار على حركة المدنيين والسلع، بل امتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه خطر الانهيار الكامل. فقد أكد ممرض في مستشفى الأبيض التعليمي، فضل عدم الكشف عن هويته، أنَّ المنظومة الصحية تشهد تدهورًا متواصلًا منذ اندلاع الحرب، موضِّحًا أنَّ مراكز غسيل الكلى توقفت عن العمل، فيما أُغلقت أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات بسبب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي. وأضاف أنَّ هذا الواقع يترك النظام الصحي في مواجهة أي هجوم محتمل من دون الحد الأدنى من الموارد أو الكوادر الطبية اللازمة للاستجابة، الأمر الذي ينذر بتفاقم الكارثة الإنسانية إذا اتسعت رقعة القتال في المدينة.
نقطة اللاعودة
يضيق هامش الوقت أمام أطراف الصراع مع اقتراب موسم الأمطار في تموز (يوليو) وآب (أغسطس)، إذ تتحول الأراضي الطينية في كردفان إلى عائق طبيعي يحدُّ من قدرة القوات على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق. ولهذا، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضًا في تحديد اتجاه الحرب خلال المرحلة التالية. فإما أن تُحسم المعركة قبل أن تفرض الطبيعة إيقاعها، أو يدخل الصراع مرحلة جديدة من الجمود والاستنزاف.
وفي ظل هذا الواقع، يتجاوز مصير مدينة الأبيض حدودها الجغرافية. فالمعركة الدائرة حولها لم تعد مجرد سباق للسيطرة على مدينة استراتيجية، بل أصبحت اختبارًا لمستقبل السودان نفسه. والسؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الأبيض ستبقى الجسر الذي يربط شرق البلاد بغربها، أم ستتحوّل إلى نقطة الانقسام التي تكرس واقعًا جديدًا في بلد أنهكته الحرب، ولم ينجُ أي جانب من جوانب الحياة فيه من تداعياتها.
وتختصر زينب الضو، وهي معلمة في الخامسة والأربعين من عمرها نزحت من مدينة النهود، التي تبعد نحو 150 ميلًا إلى الغرب، هذا الواقع بمرارة. وتقول: “ظننا أنَّ الأبيض ستكون أكثر أمانًا، لكننا نعيش اليوم المخاوف والقلق ذاتهما من تكرار التجربة”. ويُذكر أنَّ عددًا كبيرًا من تلاميذها ينتمون إلى عائلات نزحت بدورها من مناطق مختلفة في كردفان ودارفور، في مشهد يعكس اتساع دائرة النزوح داخل البلاد.
وتضيف: “في كلِّ مرة، نبدأ من جديد… وفي كل مرة، نفقد شيئًا من حياتنا السابقة”.
وتلخّص كلماتها، أكثر من أيِّ تقدير عسكري أو سياسي، حجم المأساة التي يعيشها السودانيون. فبينما تتنافس الأطراف المتحاربة على المدن وخطوط الإمداد والموارد، يبقى المدنيون الخاسر الأكبر في حرب لا تزال تحصد الأرواح، وتهدد، مع كل جولة جديدة، ما تبقى من وحدة السودان ومستقبل شعبه.
- محمد ود الساك هو صحافي سوداني ومنتج وسائط متعددة وسارد قصص بصري، يعيش كلاجئ في كمبالا بأوغندا.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.