شكسبير: إِكشِف لنا أَسرارَك العشرة (7 من 10)

هنري زغيب*
فترةً بعد فترة، يتَّضح أَنَّ وليم شكسبير (1564-1616) لا شبيهَ له ولا مثيل: فهو أَشهرُ كاتب عالمي على الإِطلاق في جميع اللغات. ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. سوى أَنَّ مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة والشخصية. لذا أَنشأْتُ هذه السلسلة من 10 حلقات، لأَكشفَ صفحات مطويَّةً من سيرته الشخصية.
في الحلقات السابقة سردتُ لمحة عن نشأَته، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وكارثة الإِفلاس التي وقَع فيها والده، ونحو سبع سنوات ضائعة من سيرته، وانكسار حياته الزوجية، ومآسٍ عائلية أَطلع منها روائع مسرحية، والشك في كونه هو كاتب مسرحياته.
في هذه الحلقة ما كان لنصوصه من تأْثير على اللغة الإِنكليزية.

لم ينحبس في مأْلوف اللغة
من فرادات شكسبير أَنه أَغنى اللغة الإِنكليزية بمفرداتٍ أَكثر مما أَغناها أَيُّ كاتب آخر. فها جولييت، في مسرحية “روميو وجولييت” تقول: “ماذا في الاسم؟ فيه أَن مهما سمَّينا الوردة بِاسْمٍ آخرَ، ستظل تعبَق بعطرٍ يذكِّر بالوردة”.
هذه الاستعارة الجميلة من كاتبٍ لم يتخرَّج من مؤَسسة تعليمية كبرى في زمانه، تدل على أَنه لم يندرج في السياق العامّ للُّغة الدارجة في عصره كما أَقرانُهُ ومعاصروه، ولا انحبس في مأْلوف اللغة وقواعدها السائدة، وما فيها من تكرارٍ جافٍّ مضمونًا وطريقةَ لفْظٍ وشكلَ كتابة.
والحاصل أَن وليام شكسبير هو الاسم الذي اصطُلح عبر السنين أَنْ هكذا يسمَّى، وربما هو كان يستعمله بشكل آخَر، بكتابة أُخرى، بتهجئةٍ أُخرى، أَو ربما لم يكن في زمانه يستعمل لِمسرحياته وقصائده اسم “شكسبير”. سوى أَن هذه الأَخيرة وصلَتْنا باسم شكسبير على أَنه مؤلِّفُها.
هذا التفصيل – وقد لا يكون تفصيلًا ثانويًّا – يشير إِلى ما كان من خشونة في إِنكليزية “Tudor” تلك الفترة (امتدت في إِنكلترا ومنطقة ويلز بين 1485 و1603، وسْط المرحلة الإِليزابيتية). عهدئذٍ لم تكن متداوَلَةً كتابةٌ واحدة أَو تهجئةٌ واحدةٌ، فيضيع الناس في لفظها ويستصعبونها، وطبعًا لا في قراءتها لأَن الكتب المطبوعة لم تكن ميسَّرةً للعامة من الناس بل مقتصرةً على المقتدرين ماديًّا أَن يشتروها.

بدايات طباعة أَعماله
عميقًا كان تأْثيرُ لغة مسرحياته على إِنكليزية عصره، وترجيحًا أَنَّ نحو 2000 كلمة جديدة دخلت على اللغة الإنكليزية بفضل نصوصه، ولا تزال كلماتٌ كثيرةٌ منها رائجةً في الإِنكليزية. وهو ما زال يبدو حتى اليوم عند ذكْر بعض المواقف الإِنسانية الْكانت واردة في مسرحياته، وبذلك يكون شكسبير تفرَّدَ بإِغناء اللغة الإِنكليزية كما لم يُغْنِها أَيُّ كاتبٍ إِنكليزيٍّ آخَر.
وكان شكسبير في المنزلة الملائمة لإِمكانه اجتراحَ ذلك في اللغة. ففي أَيامه بدأَ انتشار الكتب المطبوعة. وأَكثر: راحت مسرحياته تحتل مرتبة الكتب الأَكثر مبيعًا وانتشارًا. وأَخذَت “لغته” الخاصة تنتشر عبر مسرحياته المطبوعة بين القراء، فكانوا يشاهدونها ويقرأُونها وتدخل كلماته في تداوُلهم كتابيًّا أَو شفويًّا، وأَخذ الجمهور يشاهدها ويقرأُها ويقتبس مفرداتها الجديدة. وحتى لو لم يكن الجمهور يفهم بعض الكلمات – قد يكون شكسبير اقتبسها من لغات أُخرى، فحوَّل الاسم إِلى فعلٍ، مثلًا، وتصرَّف بعبارات غير مأْلوفة سائدًا – كان الجمهور يسعى إِلى فهمها من سياق العبارة أَو الجملة أَو المقطع. وحين كان الجمهور يفهمُها، كان يعتمدُها، فتروح الكلمة تَرُوج بين الناس، ومثيلاتها من الكلمات التي يفهمها الناس، فتتَّسع بها اللغة.
إِدخاله مفردات جديدة
الكلمات الجديدة التي أَدخلها (نحو 2000) تدين له بأَنه أَول مَن استخدمها وأَصدرها مطبوعة في نصوصه المسرحية أَو الشعرية. وقد تكون معروفةً، منه أَو من سواه، قبل الفترة “التودورية”، لذا ربما بلغَت نحو 3200 إِن ظهرت مصادرها.
فضله في تأْثيره على اللغة الإِنكليزية يعود أَيضًا إِلى نجاحه وانتشار مسرحياته شعبيًّا. وهذه كانت تروج مطبوعة أَكثر من نصوص مطبوعة لأَيِّ كاتب آخَر في عصره. وأخذ الجمهور يعتاد مسرحياته ولغته، وأَول ما ظهرت القواميس كانت مفردات شكسبير فيها هي الأَكثر انتشارًا، فشاعت “لغته” بمفرداتها أَكثر فأَكثر.
هذا الرواج، بتأْثيره على اللغة الإِنكليزية، بدأَ يظهر بعد وفاته بنحو 200 سنة، حين صموئيل جونسون، وضع “قاموس اللغة الإنكليزية” (1755)، ذكرَ فيه أَن مجموع قاموس شكسبير يبلغ نحو 17،000 كلمة، أَي أَكثر مما لدى أَيِّ كاتب آخر. وكانت كتبُه الأَكثر قراءة في عصره، حتى أَكثر من “الكتاب المقدس” ورائعة جون ملتون “الفردوس المفقود” (1674) أَحد أَطول الأَعمال الشعرية المعاصرة على الإِطلاق.
بيئته شبه الأُمِّيَّة
كانت بيئته عصرئذ في معظمها شبه أُمِّيَّة ولا تقرأ. وحين اندلعت الحرب الأَهلية الإِنكليزية بعد نحو 20 سنة من وفاته، فقط 30% من الميسورين كانوا في مجلس الشعب قادرين على توقيع أَسمائهم. وكانت بيئته في مطالع انفتاحها، فأَخذ الشعب يقرأُ بعد وفاته بنحو 200 سنة، واكتشفوا أَن شكسبير كان الكاتب الأَكثر شعبية في عصره. فبين انتشار الكتب المطبوعة، وموجة الإِصلاح البروتستانتي الْكان يشجِّع الناس على قراءة الكتاب المقدس لأَهداف دينية) وتَوَسُّع حركة التبادل التجاري، جميعها عناصر دفعت الناس إلى القراءة أَكثر مما في العصور السابقة.
سوى أَن هذا الأَمر لا يقتصر على الكتابة وحدها، لأَن شكسبير كان يكتب للتمثيل على المسرح لا للقراءة في الكتاب. من هنا إِدخاله المحكية الإِنكليزية في نصوصه، ما جعل اللغة الإِنكليزية تغنى كثيرًا بمفرداته.
الحلقة المقبلة: اختلاف لهجات الحوار تمثيلًا بين مسرحية وأُخرى.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.