شكسبير: إِكشِف لنا أَسرارَك العشرة (6 من 10)

إِدوارد دو ڤير: كاتب مسرحيات شسكبير؟

هنري زغيب*

فترةً بعد فترة، يتَّضح أَنَّ وليم شكسبير (1564-1616) لا شبيهَ له ولا مثيل: فهو أَشهرُ كاتب عالمي على الإِطلاق في جميع اللغات. ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. سوى أَنَّ مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة والشخصية. لذا أَنشأْتُ هذه السلسلة من 10 حلقات، لأَكشفَ صفحات مطويَّةً من سيرته الشخصية. 

في الحلقات السابقة سردتُ لمحة عن نشأَته، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وكارثة الإِفلاس التي وقَع فيها والده، ونحو سبع سنوات ضائعة من سيرته، وانكسار حياته الزوجية، ومآسٍ عائلية أَطلع منها روائع مسرحية.  

في هذه الحلقة جدل حول حقيقة أَن يكون هو كاتب مسرحيته.

“روميو وجولييت” منحولة ؟!؟

شكوك في بعض أَقواله

مع تعاقُب السنوات، وحيال غزارة شكسبير في التأْليف والتمثيل والتنفيذ، تنامى شكٌّ بأَن يكون هو واضعَ جميع هذه المسرحيات المتتالية.

في مسرحيته “هنري الثامن” جاء: “تصرُّفات الناس السيئة تُكتب بماء النحاس. أَما الصالحة فبالماء”. هذه العبارة يشكُّ الدارسون في أَن يكون شكسبير كاتبَها. ويضيفون أَنْ ربما استعان شكسبير ببعض العبارات أَو الأَقوال من سواه، لتغذية مشاهده أَو حواراته.

سوى أَن هذا الترجيح مُسيْءٌ له، إِزاء شكِّ بعض الأَوساط أَن يكون هو مؤَلف مسرحياته، وأَنه استعار (أَو استَرَقَ) أَيَّ مقطع من غيره كي يدعم نصَّه. فبعض أَعماله الكبرى كان ذا حقيقة تاريخية، وما كان في حاجة إِلى استعارات من سواه كي يدعم حواراته النابعة من الحقائق التاريخية التي يعرفها معظم جمهوره، كما، مثلًا، مسرحياته المستمدَّة من التاريخ: “ماكبث”، “روميو وجولييت”، “الملك لير”.

هل الاقتباس سرقة أَدبية؟

ظلَّ طويلًا جدلٌ في أَن يكون هو كاتبها جميعها كاملةً. من النقاد من يؤَكدون ذلك، من حيث نفَس الكتابة، ويتهمون الشكاكين بالتآمر على عبقريته. وعلى أَي حال، ليس الاقتباس سرقة أَدبية بل استعانة مشروعة. والدليل أَن هذه التهمة لم تصدر أَبدًا على حياة شكسبير، بل بدأَت بالظهور تباعًا بعد مئات السنوات على وفاته، ما يعني أَن ليس هو أَو أَحد معاصريه من قام يدافع عن هذه التهمة التي انسحبت لاحقًا على استعارات أَدبية وشعرية وفنية وعلمية في أَعمال وولت ويتمان وتشارلي تشابلن ومارك تواين وسيغموند فرويد.

“الملك لير”: استنطاق التاريخ

الشكوك تبدأ من مستواه المتواضع

من تلك التهم ما يعود مصدره إِلى حياة شكسبير الشخصية. فالبعض يشك في أَن يكون رجل من مستوى اجتماعي متواضع، وتحصيل مدرسي ضئيل، قادرًا على إِبداع أَعمال ذات تفاصيل دقيقة عن الحياة في البلاطات الملكية. ويدل خطه وتوقيعه في مخطوطاته على فقره في امتلاك الكتابة.

طبعًا، من يشكُّون في أَن شكسبير هو كاتب مسرحياته، يفترضون أَن يعطي حجة لإِثْبات العكس. هنا لا حجة ثابتة منطقية دامغة ومُقْنعة. مُعاصرو شكسبير (نحو 80) ومنهم كريستوفر مارلُو، أَحد أَبرز الكُـتَّاب المسرحيين في عصره، والفيلسوف فرنسيس بيكون، والكاتب المسرحي بن جونسون كانوا يشكون في أَمر تآليفه. وكان إِدوارد دو ڤير (شاعر هاوٍ لا أَهمية له، لكنه محمي الملكة إليزابيت الأُولى)، هو مَن كانت تُعزى إِليه كتابة بعض المسرحيات والقصائد القصيرة الشكسبيرية. ورد ذلك في كتاب المدرّس جون توماس لُوْنِي (1870-1944) صدر سنة 1920، وكان صاحب “النظرية الأُكسفوردية” بأَن دو ڤير هو واضع مسرحيات شكسبير. ومنذ 1920 اندلع الجدل الأكاديمي حول صوابية هذه النظرية المستَغْرَبَة. وكان هذا الجدل ابتدأَ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويرجح الدارسون بأَن أَصحاب تلك النظرية أَرادوا إِبراز أَسمائهم أَكثر مما يبرزون حججًا دامغة حول نظريتهم. ولذا كانت تلك النظرية مستغربة لكاتب بدأَت تندلع شهرته أَكثر فأَكثر منذ مطلع القرن التاسع عشر.

تأْثيره في قاموس الإِنكليزية

سوى أَن كثيرين، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لم يكونوا مقتنعين بأَن شكسبير هو “أَعظم كاتب عبر العصور”. بعدهما اتسعت شهرته وقيمته الأَدبية وما زالتا على هذا الوهج حتى اليوم.

الطريف أَن حملة التشكيك في أَنه كاتب مسرحياته، تعادلها تمامًا حملة مقابلة لإِثبات أَنه مؤلفها، وكلتاهما تتمحور حول النقص في تحصيله العلمي والثقافي، ما سبَّب له الوقوع في أَخطاء تاريخية ضمن مسرحياته الأُولى. صحيح أَنه تلقى في المدرسة مبادئ اليونانية واللاتينية، لكنه لم يكمل حتى الدراسة الجامعية، وهنا النقص في معلوماته الكلاسيكية التي سببت له اضطرابًا في حوارات شخصياته المستمَدَّة من التاريخ.

خلاصةً: أَن يكون هو مؤَلف مسرحياته أَو لا، يبقى لمسرحياته تأْثير كبير على اللغة الإِنكليزية. وتهمة النقص قد تكون لحقتْه في قاموسه الأَقل من قاموس سواه بين كتاب المسرح في زمانه. لكن ما لاقته مسرحياته من نجاح، يجعل قاموسه، ولو الضئيل، مهمًّا للغته الأُم حتى اليوم.

الحلقة المقبلة: إِنكليزيته المؤَثرة حتى في إِنكليزية اليوم.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى