Per Capita

هنري زغيب*

في حديثي قبل يومين مع الصديق رمزي الريحاني حول مجموعته الشعرية الجديدة الصادرة بالإِنكليزية في أَميركا “مَشَاهد من حلم”، وحلُولها الأُولى بين مبيعات مؤَسسة “آمازون” الأَميركية (مقالي عنها في “أسواق العرب” 24 نيسان/أبريل 2026)، أَخَذَنَا الحديث إِلى الصعوبة في بلوغ المراتب الأُولى وسْط بلاد كبيرة كما الولايات المتحدة، وكيف لبنان، في هذا البحر الدُوَلي الهائل، يَبرز أَحيانًا بأَسماء لبنانيين مبدعين في أَكثر من حقل وقطاع ودُربة.

عند ذكْر “البحر الدُوَليّ الهائل” علَّق رمزي بأَن لبنان، حين يقاس بنسبة مساحته وسكانه على الفرد الواحد (Per capita)، يكون هؤُلاء المبدعون آلافًا في بلاد كبيرة كالولايات المتحدة. وهذا ما عبَّرَ عنه شاعر الهوية اللبنانية شارل قرم (1894-1963) في رائعته الفرنسية “الجبل الملهَم” (1934) بقوله عن لبنان: “لم نَرَ مثلَه في العالم. إِنه بلدٌ ضئيل ذو قَدَرٍ جليل”. وهذا يأْخذنا أَيضًا إِلى ما أُردِّدُه في محاضراتي العامة وجلساتي الخاصة أَنَّ لبنان لا يقاس بالجغرافيا ولا بالديموغرافيا بل بالإِبداعوغرافيا.

أَترك الجغرافيا والديموغرافيا لمسؤُولية الدولة محدودةً بحجمها، وأَبقى في إِقليم الوطن.. الدولة أَرضٌ ذاتُ حدودٍ ولا سلطةَ لها على شبر واحد خارجَها. والدولة شعب ذو عدَد معروف ولا سلطة لها على نفَر واحد خارجها.. والدولة مؤَسسات دستورية تتولَّى السلطةُ بها إِدارة الأَرض والشعب.. إِذًا كلُّ ما في الدولة محدود ومُحدَّدٌ بالعناصر التي ذكرتُ.. بينما الوطن هو مجموعُها وخُلاصَتُها وخَلاصُها، إِنما هو غيرُ محدودٍ بجغرافيا (لأَنه يشمل كلَّ أَرضٍ تضمُّ لبنانيًّا على أَرض لبنان كما في الـمَهَاجر)، ولا بديموغرافيا (لأَنه يشمل كلَّ لبناني على أَرض لبنان وفي الـمَهَاجر).. إِذًا الدولة محدودة ومحدَّدة، بينما الوطن خارجَ كلِّ حدود وتحديد.

أُبَسِّط الموضوع: جبران بشُهرته أَوسع من حدود الدولة (دولة لبنان لا سُلْطَةَ لها عليه). وهو ملْء وَسَاعة الوطن اللبناني على أَرض لبنان وفي الـمَهاجر اللبنانية، كما في سائر العالم الذي يَعرف أَنه من لبنان الوطن الممتدِّ على خارطة العالم.. من هنا أَنَّ جبران، قياسًا على الجغرافيا والديموغرافيا في لبنان الدولة المحدودة، هو رقمٌ صغيرٌ بين أَرقام محدودة. لكنه، قياسًا على الإِبداعوغرافيا في لبنان الوطن اللامحدود (Per capita)، يصبح هو وأَمثالُه بالآلاف.

إِن شئْتُ أَن أَكون سلبيًّا، أَرى أَن السياسيَّ الفاسد في لبنان، يُصبحُ وفق مبدإِ Per capita هو وأَشباهه آلاف الفاسدين.. لكني أَخلع عني سلبيَّتي السياسية، وأُشيح عنها لأَبقى في إِيجابيَّتي الثقافية والتراثية وأَنتمي إِلى الأَبقى والأَرقى والأَنقى: لبنان الوطن الخالد السائر في الزمان بأَعلامه وعلاماته ومعالِمهِ، وأُباهي بالانتماء إِليه، وأَعمل له بشغَف هذا الانتماء، والإِيمان بهوية لبنان اللبناني.

أَحسب أَنني أَوضحتُ الفرق بين الدولة والوطن. فلْيتوقَّف “بيت بُو سياسة” عن لفْظهم عبارة “لبنان هذا الوطن الصغير” ولْيقولوا “لبنان هذه الدولة الصغيرة”. وهذا صحيح، ولا ضير فيه. فالفاتيكان أَصغر دولة في العالم (أَقلُّ من نصف كلم مربع، ونحو 850 نسمة)، ومع ذلك تمتدُّ طقسيًّا إِلى نحو مليار ونصف مليار كاثوليكي في العالم.

إِذًا لبنان “دولة صغيرة”، ولا ضير في محدوديتها، لكنه “وطنٌ كبير” لا حدودَ لـمدى إِشعاعه في العالم. من هنا، عند لقاء اثنين بعد غياب أَو بُعاد، لا تقولوا: “شو العالم زْغِير” بل قولوا “شو لبنان كبير”، وردِّدوا مع فيروز من شعر عاصي ومنصور: “يا زغَيَّر وْوِسع الدني يا وطني”.

وفكِّروا دائمًا بنسبة Per Capita، تَعُوا عظمة لبنان الوطن العالَميّ.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى