عَصرُ الجريمة الذكيّة: كيف تُغيِّرُ التكنولوجيا وَجهَ الإرهاب؟
لم يَعد الإرهاب يحتاج إلى أرض أو جيوش كبيرة، بل بات يُدار بتقنيات ذكية عابرة للحدود. التقرير التالي يرصد كيف تعيد التكنولوجيا رسم خريطة العنف في عالم أكثر ترابطًا وتعقيدًا.

مازن عزّاوي*
على مدى العقدين المقبلين، اتجه عالم الجريمة المنظمة والإرهاب إلى تحوّلٍ جذري يُعيد تعريف مفاهيم القوة والنفوذ والسيطرة. لم تعد الجماعات المسلحة غير الحكومية تعتمد فقط على الأسلحة التقليدية أو السيطرة الجغرافية، بل بدأت بالفعل تبنّي التقنيات نفسها التي تستخدمها الجيوش الحديثة والمجتمعات المتقدمة. من الطائرات المسيّرة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية، تدخل هذه الأدوات اليوم في صميم العمليات الإجرامية، ما يجعل العنف أكثر انتشارًا وأقل ارتباطًا بالمكان، وأكثر قدرة على تجاوز الحدود القانونية والجغرافية. وقد برزت خلال السنوات الماضية أمثلة واضحة على هذا التحوُّل، من استخدام تنظيمات مسلحة للطائرات المسيّرة في الاستطلاع والهجمات، إلى اعتماد شبكات إجرامية على العملات الرقمية لإخفاء مسارات الأموال. في هذا السياق، لا يقتصر التحدي على مواجهة أدوات جديدة، بل يمتد إلى إعادة صياغة دور أجهزة الأمن التي تجد نفسها مضطرة لاستخدام التكنولوجيا ذاتها، مع الحفاظ على توازن حسّاس بين الفعالية الأمنية وحماية الحريات العامة.
لعقود طويلة، كانت السيطرة على الأرض تمثّل حجر الزاوية في بنية الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة. فامتلاك الأراضي لم يكن مجرد رمز للقوة، بل وسيلة عملية للوصول إلى الموارد، والتحكُّم في السكان، وفرض الضرائب، وإدارة الاقتصاديات القانونية وغير القانونية. تنظيمات مثل “داعش” و”طالبان” و”حركة الشباب” في الصومال، إضافة إلى كارتلات المخدرات في أميركا اللاتينية، بنت نفوذها على هذه القاعدة. الأرض كانت توفّر الممرات التجارية، ومصادر الدخل، والغطاء اللوجستي، ما يجعل فقدانها تهديدًا مباشرًا لبقاء هذه الجماعات. وقد أظهر تنظيم “داعش” خلال سيطرته على مساحات واسعة في العراق وسوريا كيف يمكن للأرض أن تتحوّل إلى مصدر تمويل من خلال الضرائب وإدارة الموارد، في حين اعتمدت كارتلات مثل “سينالوا” في المكسيك على السيطرة الجغرافية لتأمين طرق التهريب والأسواق.
المال بلا حدود: كيف أنهت التكنولوجيا ارتباط الجريمة بالأرض
غير أنَّ هذه المعادلة التقليدية بدأت تتآكل مع صعود اقتصاد رقمي موازٍ لا يحتاج إلى حدود جغرافية. فاليوم، يمكن لعمليات الاحتيال الإلكتروني المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهجمات برامج الفدية، وعمليات غسل الأموال عبر العملات المشفّرة، أن تحقّق عوائد مالية تفوق بكثير تلك التي كانت توفّرها السيطرة على الأراضي. وقد كشفت تقارير دولية عن اعتماد شبكات إجرامية، بل وحتى جهات مرتبطة بدول، على اختراقات إلكترونية وسرقة عملات رقمية بمليارات الدولارات سنويًا، في مؤشّرٍ إلى تحوّل الفضاء الرقمي إلى مصدر دخل استراتيجي. هذه الأنشطة، التي تدرُّ مئات المليارات سنويًا وقد تصل إلى تريليونات الدولارات عالميًا، تقدّم بديلًا مُغريًا أقل كلفة وأكثر أمانًا من حيث المخاطر المباشرة. كما طوّرت تنظيمات مثل “حزب الله” في لبنان شبكات مالية عابرة للحدود تعتمد على التحويلات المعقدة والأنشطة التجارية، ما يقلل من اعتمادها المباشر على الأرض كمصدر وحيد للتمويل.
وفي موازاة ذلك، أدى تطور تصنيع المخدرات الاصطناعية إلى تقليص الحاجة إلى الزراعة الواسعة التي كانت تتطلّب مساحات كبيرة من الأراضي والعمالة. لم يعد إنتاج المواد المخدرة يعتمد على حقول الكوكا أو الأفيون، بل يمكن إنجازه في مختبرات صغيرة داخل أحياء سكنية، قابلة للنقل السريع ومنخفضة التكلفة. وقد شهدت دول عدة تحوّلًا نحو إنتاج الميثامفيتامين والمواد الأفيونية الاصطناعية في مواقع مخفية داخل المدن، ما صعّب على السلطات تتبعها أو القضاء عليها. هذا التحوُّل لا يُغيّر فقط الجغرافيا الاقتصادية للجريمة، بل يحدُّ أيضًا من قدرة الحكومات على استهداف هذه الأنشطة عبر السيطرة على الأراضي.
ورُغمَ أنَّ الابتزاز وفرض الضرائب لا يزالان وسيلتين مهمتين للسيطرة النفسية والاجتماعية، فإنَّ الاعتماد المالي على الأرض يتراجع تدريجًا. لم تعد الجغرافيا المصدر الوحيد أو حتى الرئيس للقوة، بل أصبحت جُزءًا من منظومةٍ أوسع تتداخل فيها العوامل الرقمية والاقتصادية.
أسلحة من دون تهريب: التصنيع المحلي يعيد تشكيل ميزان القوة
في جانب آخر، تعيد التكنولوجيا تشكيل سلاسل الإمداد والتسليح لدى الجماعات المسلحة. فمع تطور تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد والتصنيع المضاف، أصبح بالإمكان إنتاج الأسلحة محليًا بدون الحاجة إلى الاعتماد على شبكات التهريب الدولية. وقد بدأت بالفعل عصابات عدة في البرازيل ودول أخرى تصنيع بنادق عالية القوة باستخدام هذه التقنيات، ما يمنحها استقلالية أكبر ويقلل من تعرّضها للملاحقة. إضافة إلى ذلك، فإنَّ ما يُعرف بـ”الأسلحة الشبحية” التي يصعب تتبعها، تُشكّل تحدّيًا متزايدًا أمام أجهزة إنفاذ القانون.
لكن التحوُّل الأعمق يظهر في طبيعة العنف نفسه. فالهجمات لم تعد تعتمد بالضرورة على المتفجرات التقليدية أو على وجود منفّذين في موقع الحدث. الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، سواء كانت عسكرية أو معدَّلة من نماذج تجارية، باتت تتيح تنفيذ عمليات اغتيال أو تخريب عن بُعد، خارج سياقات الحروب التقليدية. وقد استخدم تنظيم “داعش” طائرات مسيّرة معدلة لإلقاء متفجرات في العراق وسوريا، كما طوّرت جماعات مثل “حزب الله” قدرات في استخدام الطائرات المسيّرة لأغراض استطلاعية وعملياتية، في مؤشر إلى انتقال هذه التكنولوجيا إلى فاعلين غير حكوميين. وفي أميركا اللاتينية، لجأ بعض الكارتلات إلى استخدام طائرات مسيّرة في تهريب المخدرات وحتى في تنفيذ هجمات محدودة. كما إنَّ الفضاء الرقمي فتح جبهة جديدة، حيث يمكن تنفيذ هجمات خطيرة عبر اختراق البنية التحتية، أو تعطيل أنظمة حيوية، أو حتى التلاعب بالأجهزة المنزلية المُتَّصلة بالإنترنت.
هذا النوع من العنف يوسِّعُ نطاق التهديد بشكل غير مسبوق. لم يعد الهدف يقتصر على مواقع عسكرية أو منشآت حكومية، بل يمكن أن يمتدَّ إلى الحياة اليومية للأفراد. المنازل، السيارات، الأجهزة الذكية، كلها قد تتحوّل إلى أدوات أو أهداف في آن واحد. هذه القدرة على الوصول إلى الأفراد داخل مساحاتهم الخاصة تضاعف الأثر النفسي للإرهاب، وتجعل الشعور بالأمان أكثر هشاشة.
ومع تراجع الحاجة إلى الوجود الميداني المباشر، يتغيّر أيضًا دور العنصر البشري في هذه العمليات. في الماضي، كانت الجماعات المسلحة تعتمد على أعداد كبيرة من المقاتلين والعناصر لتنفيذ عملياتها والسيطرة على المناطق. اليوم، يمكن لفريق صغير يمتلك أدوات تكنولوجية متقدِّمة أن يحقّق تأثيرًا كان يتطلب سابقًا آلاف الأفراد. سربٌ من الطائرات المسيّرة، أو هجومٌ إلكتروني مُنَسَّق، قد يكون كافيًا لإحداث أضرار واسعة أو حتى السيطرة المؤقتة على مناطق معينة.
هذا التراجع في الاعتماد على الأفراد يمتدُّ أيضًا إلى الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالجريمة. فأنظمة الذكاء الاصطناعي تتيح تنفيذ عمليات احتيال تستهدف ملايين الضحايا بكلفة منخفضة، بينما تقل الحاجة إلى العمالة في إنتاج المخدرات أو التهريب مع استخدام الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية. النتيجة هي أنَّ الجريمة والإرهاب يصبحان أقل اعتمادًا على العمالة وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا.
غير أنَّ هذا التحوُّل يحمل مفارقة مهمة. فبينما تُقلِّصُ الجماعات المسلحة من توظيفها للأفراد، يشهد العالم في الوقت نفسه تحوّلات اقتصادية قد تؤدي إلى فقدان وظائف واسعة نتيجة الأتمتة. في الماضي، كانت هذه الجماعات تستفيد من استقطاب العاطلين من العمل، ما يمنحها نوعًا من الشرعية أو الدعم المحلي. أما اليوم، ومع تراجع هذا الدور، فقد تعتمد بشكل أكبر على الإكراه والسيطرة القسرية للحفاظ على نفوذها، ما قد يزيد من حدة الصراعات الاجتماعية.
ورُغمَ هذا التوجُّه نحو تقليل أهمية الجغرافيا، يبقى بعض المناطق ذات قيمة استراتيجية. فبعض الجماعات لا يزال يرى في السيطرة على الأرض هدفًا بحدِّ ذاته، خصوصًا تلك التي تسعى إلى إقامة كيانات سياسية أو “دول” موازية. كما إنَّ وجود ملاذات آمنة خارج نطاق القانون، أو تحت حماية دول معينة، يظل عاملًا مهمًا في استمرار نشاط بعض الفاعلين، خصوصًا في المجال السيبراني، كما هو الحال مع بعض مجموعات القرصنة التي تعمل في بيئات محمية سياسيًا.
إضافة إلى ذلك، تكتسب المناطق الساحلية أهمية متزايدة مع تطوُّر الطائرات البحرية المسيّرة المستخدمة في التهريب. كما إنَّ المواقع التي تحتوي على موارد حيوية، مثل المعادن النادرة والطاقة والبنية التحتية الرقمية، تصبح أهدافًا استراتيجية للسيطرة أو التخريب. في عالمٍ يعتمد بشكل متزايد على البيانات والطاقة، تتحوّل هذه الموارد إلى نقاط ارتكاز جديدة للقوة.
البيانات ساحة المعركة الجديدة: من يملك المعلومات يملك السيطرة
وفي قلب هذا التحوُّل، تبرز البيانات كأهمِّ موردٍ على الإطلاق. القدرة على جمع المعلومات، وتحليلها، وحمايتها، أو اختراق أنظمة الخصوم، أصبحت العامل الحاسم في تحديد ميزان القوة. ولم تعد هذه القدرات حكرًا على الدول، إذ باتت جماعات إجرامية تستخدم تقنيات متقدمة لتزوير الهويات الرقمية أو تنفيذ عمليات احتيال معقدة عبر “التزييف العميق”، ما يجعل التمييز بين الحقيقي والمزيَّف أكثر صعوبة. لم يعد الصراع يدور فقط حول مَن يسيطر على الأرض، بل حول مَن يسيطر على تدفّق المعلومات. في هذا السياق، تصبح جودة البيانات والقدرة على التمييز بين المعلومات الدقيقة والمُضلّلة ذات أهمية قصوى.
هذا الواقع يفرض تحديات معقدة على أجهزة إنفاذ القانون. فالمواجهة لم تعد تقتصر على تعقُّب الأفراد أو تفكيك الشبكات، بل أصبحت صراعًا في فضاءٍ رقمي واسع، حيث يمكن التلاعب بالبيانات، وانتحال الهويات، واختراق الأنظمة بسهولة نسبية. الجماعات التي تتمكن من تزوير البيانات أو استخدام هويات رقمية مزيفة ستحصل على ميزة كبيرة في هذا الصراع.
كما إنَّ اختراق المؤسسات من الداخل، سواء عبر الرشوة أو الابتزاز أو استخدام تقنيات مثل “التزييف العميق”، يمثّل تهديدًا متزايدًا. العامل البشري داخل المؤسسات قد يصبح نقطة ضعف رئيسة، ما يفرض الحاجة إلى تعزيز الأمن الداخلي بقدر تعزيز القدرات التقنية.
في ظلِّ هذه التحوُّلات، يبرز سؤال جوهري يتعلق بحدود الخصوصية. إلى أي مدى يمكن للمجتمعات أن تقبل بتوسيع نطاق المراقبة من أجل تعزيز الأمن؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية المواطنين ومنع التعدي على حقوقهم؟ هذه الأسئلة ستُشكّلُ محور نقاشات سياسية وتشريعية في السنوات المقبلة، خصوصًا مع تزايد قدرة التكنولوجيا على التغلغل في الحياة اليومية.
في المحصّلة، نحن أمام مشهد يتغيّر بسرعة، حيث تصبح الجريمة والإرهاب أكثر تعقيدًا وأقل ارتباطًا بالمكان وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والبيانات. ورُغمَ أنَّ هذه التحوّلات تطرح تحديات جديدة، فإنها تُعيدُ إنتاج صراعٍ قديم بصيغةٍ حديثة: سباقٌ دائم بين الدول والفاعلين غير الحكوميين على امتلاك أدوات القوة. في هذا السباق، لن يكون التفوُّق لمَن يملك الأرض فقط، بل لمَن يملك القدرة على فَهمِ التكنولوجيا، والسيطرة على المعلومات، والتكيُّف مع عالمٍ يتغير بوتيرةٍ غير مسبوقة.
- مازن عزّاوي هو مراسل “أسواق العرب” في واشنطن.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.