التنسيقُ المالي في الخليج: من ضرورةٍ إقليميَّة إلى فرصةٍ عالميَّة
محمد العارضي*
يُعَدُّ مجلس التعاون الخليجي من أكثر الأقاليم المالية ديناميكية على مستوى العالم، مدفوعًا بوتيرة متسارعة من التنويع الاقتصادي وتبنّي الابتكار. وبفضل ما يتمتع به من استقرارٍ مؤسّسي وحَوكمة راسخة، إلى جانب انخراط متزايد في التحوُّل التكنولوجي، تملك دول المجلس مقومات تؤهلها لتعزيز موقعها كفاعلٍ رئيس في تطوير الأطر التنظيمية الحديثة. ومع مزيد من التنسيق وتبنّي مقاربة مرنة واستشرافية، يمكن للمنطقة أن توسّع آفاق الاستثمار العابر للحدود، وأن تُرسّخ دورها ليس فقط كحلقة وصل بين الشرق والغرب، بل كجهةٍ قادرة على التأثير في مسارات التطوُّر المالي عالميًا.
في المقابل، كشفت الحرب والتطورات الإقليمية الأخيرة بوضوح حجم الحاجة إلى هذا المسار. فالاضطرابات التي طالت طرق التجارة وأسواق الطاقة، وانعكست على تفاصيل الحياة اليومية لملايين السكان في الخليج، تشكّل تذكيرًا حادًا بأهمية بناء اقتصادات أكثر قدرة على التحمّل. وما تفرضه هذه الظروف لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يتطلب تعزيز أدوات المرونة خلال فترات الاستقرار أيضًا. من هنا، لا تبدو الحاجة إلى تنسيق تنظيمي أعمق خيارًا مؤجَّلًا، بل أولوية ملحّة تزداد إلحاحًا مع كل اختبارٍ جديد.
في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، باتت الأطر التنظيمية المصمّمة بعناية تلعب دورًا محوريًا في تسريع الابتكار المالي. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، طوّر كلٌّ من سوق أبوظبي العالمي ومركز دبي المالي العالمي أنظمة متخصصة لدعم صناديق الائتمان الخاصة، فيما كانت البحرين سبّاقة بإطلاق أول بيئة تجريبية تنظيمية في المنطقة عام 2017، ما أتاح لأكثر من 100 شركة اختبار منتجات مالية مبتكرة ضمن إطارٍ منظَّم وآمن. وفي السياق ذاته، يبرز مركز عُمان المالي الدولي، الذي أُنشئ حديثًا في مسقط ضمن رؤية 2040، كنموذجٍ يستهدف تعزيز التنويع الاقتصادي عبر تقديم بيئة قانونية متقدمة تستند إلى القانون العام الإنكليزي، إلى جانب حوافز ضريبية جاذبة لشركات الخدمات المالية والاستثمارية وإدارة الأصول.
هذا الزخم التنظيمي يواكبه نمو متسارع في قطاع التكنولوجيا المالية على مستوى المنطقة. إذ تحتضن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم أكثر من 1000 شركة ناشطة في هذا المجال، مع استثمارات بلغت نحو 1.9 مليار دولار عبر 237 صفقة خلال الفترة 2023-2024. وقد سجّلت المملكة العربية السعودية تقدمًا لافتًا، متجاوزة مستهدفاتها لعام 2025 في ترخيص شركات التكنولوجيا المالية، مع وجود 261 شركة عاملة حاليًا. وتشير التقديرات إلى أنَّ إيرادات القطاع مرشحة للارتفاع بشكل ملحوظ، من 1.5 مليار دولار في العام 2022 إلى ما بين 3.5 و4.5 مليارات دولار بنهاية العام الماضي، في انعكاسٍ واضح لاستراتيجية تقوم على استباق الابتكار واحتضانه بدل الاكتفاء بمواكبته.
ويُعزى جُزءٌ كبير من هذا النجاح إلى الشراكة الفاعلة بين القطاعَين العام والخاص، التي شكّلت ركيزةً أساسية في بناء بيئة مالية مرنة. فقد أثبتت البيئات التجريبية التنظيمية، كما في سنغافورة والإمارات، قدرتها على تعزيز التعاون بين الجهات الرقابية والفاعلين في السوق، ما يتيح للشركات تسريع تطوير منتجاتها والوصول إلى التمويل بكفاءةٍ أكبر. كما نجحت دول مجلس التعاون الخليجي في تحويل الدروس المستفادة من هذه التجارب إلى أُطُرٍ تنظيمية دائمة، تقوم على المرونة والاستجابة المستمرّة لتطوُّرات السوق.
إلى جانب ذلك، تُمثّلُ معايير حوكمة الشركات المرتفعة التي تعتمدها دول المجلس عنصر قوة إضافي، إذ تسهم في تعزيز ثقة المستثمرين وضمان فعالية الإشراف. وتشمل هذه المعايير متطلّبات واضحة مثل وجود أعضاءٍ مستقلين في مجالس الإدارة، وإجراء مراجعات دورية، وتعيين مسؤولين محليين للامتثال، بما يعكس التزامًا راسخًا بالشفافية والمساءلة. ومع ذلك، فإنَّ تطبيقَ هذه المعايير بصورةٍ موحَّدة على مختلف نماذج الأعمال، بما فيها مديري التوظيف الخاص، قد يفرض أحيانًا أعباء تنظيمية لا تنسجم دائمًا مع طبيعة المخاطر، ما يفتح الباب أمام الحاجة إلى مزيدٍ من التكيّف والمرونة في التطبيق.
بدلًا من النظر إلى هذه التحديات باعتبارها قيودًا، يملك مجلس التعاون الخليجي فرصة حقيقية لتحويلها إلى عناصر قوة. فمن خلال المراجعة المستمرة للأطر التنظيمية، وتكييف متطلبات الحوكمة بما يتناسب مع طبيعة مختلف الفاعلين في السوق، تستطيع دول المجلس تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على معايير عالية وتعزيز قدر أكبر من المرونة. وهذه القدرة على التكيّف تمثّل ميزة تنافسية واضحة، خصوصًا مقارنةً بالأسواق الأكثر رسوخًا التي غالبًا ما تتحرّك بوتيرة أبطأ في مواجهة التحولات.
وفي هذا السياق، تبرز أمام مجلس التعاون الخليجي فرصة للريادة عبر بناء أحد أكثر الأطر التنظيمية العابرة للحدود كفاءةً على مستوى العالم. فالتقدّم نحو توحيد معايير الإفصاح، وتبسيط فئات التراخيص، واعتماد نماذج امتثال قائمة على تقييم المخاطر، من شأنه أن يخفّض بشكل ملموس حواجز دخول السوق، ويعزّز جاذبية المنطقة لمديري الصناديق العالمية، ويسرّع تدفّق رؤوس الأموال. كما يُتوقع أن تزدهر مجالات مثل الائتمان الخاص، والاستثمارات البديلة، والتكنولوجيا المالية، والأدوات المرتبطة بالحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، ضمن بيئة تنظيمية تجمع بين أفضل الممارسات الدولية وخصوصية السياق الإقليمي.
وتؤكد التوترات الإقليمية الراهنة على أهمية هذا التوجه أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. ففي ظلِّ حالة عدم اليقين، يبحث المستثمرون والشركات عن الوضوح والاتساق والقدرة على التنبؤ. ومن شأن إطار تنظيمي موحّد على مستوى دول مجلس التعاون أن يبعث برسالة قوية مفادها أنَّ المنطقة ماضية في تنفيذ رؤيتها الاقتصادية طويلة الأمد، رغم التحديات الآنية، بل وبفضلها. فالمؤسسات المتينة والمعايير المتقاربة تظل العامل الحاسم في الحفاظ على الثقة الدولية، وفي تمكين الاقتصادات من تجاوز الأزمات والخروج منها أكثر صلابة.
ولتحقيق هذه الرؤية، تبدو الحاجة ملحّة لمواصلة تعزيز المرونة والاستجابة لدى الجهات التنظيمية، إلى جانب تفعيل نظام جوازات السفر المالية بشكل كامل وموحّد بين دول المجلس، مع العمل على تبسيط فئات التراخيص وتسريع الإجراءات. كما إنَّ اعتمادَ نهج متناسب في تطبيق معايير الحوكمة، قائم على تقييم المخاطر بدل التعميم، من شأنه أن يدعم النمو ويحفّز الابتكار، من دون المساس بمستويات حماية المستثمرين أو جودة الإشراف.
من شأنِ هذه الجهود أن تعكس جاهزية دول مجلس التعاون الخليجي للانتقال إلى المرحلة التالية من الابتكار المالي، وأن توجّه في الوقت ذاته رسالة واضحة إلى المستثمرين العالميين بأنَّ المنطقة لا تواكب التحوُّلات فحسب، بل تُسهِم في صياغتها. ففي ظل تسارع غير مسبوق في تطور القطاع المالي عالميًا، أثبتت المنطقة قدرتها على الجمع بين الابتكار والانضباط التنظيمي ضمن نموذج متوازن. ومن خلال تعزيز التعاون والتنسيق، تستطيع دول المجلس فتح آفاق نمو جديدة وترسيخ موقعها كمرجعية عالمية في تطوير الأطر التنظيمية المالية.
وفي المحصّلة، لم يعد التحدي يتمثل في ما إذا كانت التكنولوجيا ستُعيد تشكيل القطاع المالي، بل في مدى القدرة على مواكبة هذا التحوُّل عبر أطر تنظيمية مرنة وقابلة للتطور. وهنا تبرز دول مجلس التعاون الخليجي، بما تمتلكه من ديناميكية وسرعة استجابة، كمرشّح قوي لقيادة هذا المسار، لا كمستجيب له فقط.
- محمد العارضي هو الرئيس التنفيذي لشركة إنفستكورب، ورئيس بورصة مسقط للأوراق المالية، ورئيس مجلس إدارة شركة “رويال جيت”.



