لبنان بين الحَربِ وحدودِ الخلاصِ النقدي
كابي طبراني*
في اللحظة التي كانت فيها الطائرات تقصف بيروت ومناطق واسعة شمال الليطاني، لم يكن لبنان يواجه حربًا جديدة فحسب، بل كان يكتشف مرة أخرى حدود دولته وحدود اقتصاده معًا. فالدخان المُتصاعِد من الأحياء المُستَهدَفة لم يكن مُنفصِلًا عن انهيار العملة، ولا عن عجز النظام المالي، ولا عن عطب القرار السياسي. في لبنان، لا تنفصل الحروب عن الأزمات، بل تتغذّى منها وتُعيدُ إنتاجها.
وسط هذا المشهد القاتم، يعود الحديث عن “الحلول النقدية” وكأنها طوقُ نجاة. يبرز اقتراحُ اعتماد نظامٍ صارم لتثبيت سعر الصرف، مدعوم باحتياطات لبنان من الذهب التي تُقدَّر بنحو 286.8 طنًا، وتفوق قيمتها اليوم 45 مليار دولار، وهو أحد أكبر الاحتياطات قياسًا بحجم الاقتصاد اللبناني. الفكرة تبدو مغرية: ربط الليرة بعملةٍ صلبة، تقييد سلطة المصرف المركزي، وفرض انضباط مالي قسري يُعيدُ الثقة ويوقف الانهيار.
لكن هذه المقاربة تنطلق من افتراضٍ خاطئ: أنَّ الأزمة نقدية في جوهرها.
في الواقع، ما انهار في لبنان منذ العام 2019 لم يكن مجرد سعر صرف، بل نظام كامل قائم على تأجيل الخسائر وتوزيعها بشكل غير مُعلن. ومع الانهيار، لم تُحسَم حتى الآن المسألة الأكثر حساسية: مَن يدفع الثمن؟ الدولة؟ المصارف؟ المودعون؟ أم المجتمع بأكمله عبر التضخُّم والانكماش؟ بدل الإجابة، جرى تمرير الخسائر بصمت، عبر تعدّد أسعار الصرف، وتقييد الودائع، واستنزاف القدرة الشرائية.
هنا تحديدًا تَظهَرُ حدودُ أيّ حل نقدي. لأنَّ تثبيتَ العملة لا يُوزِّع الخسائر، بل يفترض أنَّ توزيعها قد حصل. وأيُّ نظامٍ صارم، كـ”مجلس النقد”، لا يُنهي الأزمة، بل يُقيّد طرق التعامل معها. إنه لا يخلق الثقة، بل يفترض وجودها مُسبَقًا.
الحرب الأخيرة جعلت هذا التناقض أكثر وضوحًا. فلبنان الذي لم يُنجِز بعد تسوية داخلية حول خسائره، يجد نفسه مُجدَّدًا في قلب صراع إقليمي، يتلقّى ضرباته من دون أن يمتلكَ قرار احتوائها. تضرّرت البنية التحتية، وتراجعت الحركة الاقتصادية، وتزايدت هشاشة الدولة، فيما بقيت السلطة موزّعة، والقرار السيادي مُلتبسًا. في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن “نظام نقدي مستقر” من دون استقرارٍ سياسي أقرب إلى المفارقة.
ذلك أنَّ الأنظمة النقدية ليست أدوات تقنية معزولة، بل هي، في جوهرها، تعبير عن توازنات سياسية قائمة. تثبيت سعر الصرف هو، في النهاية، قرار بشأن مَن يتحمّل كلفة التكيُّف، ومَن يُمنَح الحماية، ومَن يُترَك لمواجهة الخسارة. وحين تغيب هذه التسوية، تتحوّل القواعد النقدية الصارمة من مصدر استقرار إلى مصدر ضغط.
أما الذهب، الذي يُقدََّمُ كركيزةٍ للخلاص، فيُجسّد هذه المفارقة بوضوح. صحيح أنّه يشكّل أحد الأصول القليلة التي ما زالت تحتفظ بقيمتها ومصداقيتها، خصوصًا في ظلِّ فقدان الثقة بالاحتياطات الأخرى، لكنه في الوقت نفسه أصل سياسي بامتياز. فقيمته لا تكمن فقط في حجمه، بل في كونه موردًا نادرًا في بلد خسر معظم موارده.
وهنا تكمن المُعضِلة: هل يُستَخدَم الذهب لحماية نظامٍ نقدي مستقبلي، أم لتعويض خسائر الماضي؟
هذا السؤال ليس تقنيًا، بل سياسي بامتياز. لأنَّ أيَّ محاولة لعزل الذهب كضمانة نقدية ستُواجَه حتمًا بمطالب لاستخدامه في تخفيف الأعباء عن المودعين. وكلما زادت أهميته كركيزةٍ للاستقرار، زادت احتمالات تحوّله إلى محور صراع داخلي. ما يبدو أصلًا ثابتًا، قد يصبح في لحظة الضغط موضوع نزاع.
التجاربُ الدولية تُظهِرُ أنََّ الأنظمة النقدية الصارمة لا تنجح لأنها مُصمَّمة جيدًا فقط، بل لأنها محمية بإرادة سياسية واضحة. في هونغ كونغ، صمد الربط النقدي لأنه جُزءٌ من نموذجٍ اقتصادي كامل لا يمكن التفريط به. وفي دول البلطيق وبلغاريا، ارتبط الانضباط النقدي بمسارٍ سياسي واضح نحو الاندماج الأوروبي. في المقابل، انهار النموذج في الأرجنتين حين عجزت السياسة عن تحمّل كلفة الاستمرار فيه. القاعدة هنا بسيطة: لا نظامَ نقديًا أقوى من السياسة التي تحميه.
لبنان اليوم لا يملك هذه الحماية. لا تَوافُق على توزيع الخسائر، ولا ثقة بالمؤسسات، ولا احتكارًا للقرار السيادي. في ظلِّ هذا الواقع، يصبح أي نظام نقدي -مهما بدا مُحكمًا- معلّقًا على توازنات هشّة، لا على قواعد ثابتة.
المشكلة، إذًا، ليست في غياب الأدوات، بل في غياب القرار.
قبل تثبيت سعر الصرف، يجب تثبيت حقيقة الخسائر. قبل حماية العملة، يجب إعادة هيكلة المصارف. وقبل بناء نظام نقدي جديد، يجب إعادة بناء الثقة بالدولة نفسها. هذه ليست خطوات تقنية، بل خيارات سياسية صعبة، تتطلّب وضوحًا في توزيع الأعباء، واستعدادًا لتحمّل الكلفة.
الحرب تجعل هذا المسار أكثر تعقيدًا، لكنها تكشف أيضًا استحالته من دون تسوية أعمق. لأنَّ استمرار الانهيار في ظلِّ التصعيد لا يعني فقط تدهور الاقتصاد، بل تثبيت نموذج هشّ، تتداخل فيه الأزمات المالية مع النزاعات السياسية والأمنية.
في النهاية، لا يمكن للبنان أن يفرض الاستقرار النقدي من فوق، ولا أن يستورده من الخارج، ولا أن يشتريه باحتياطاته من الذهب. الاستقرار ليس قاعدة تُفرض، بل نتيجة تُبنى.
لبنان لا يحتاج إلى نظام نقدي جديد بقدر ما يحتاج إلى اتفاق سياسي جديد. ومن دون هذا الاتفاق، سيبقى الذهب -مهما بلغ وزنه وقيمته- أصلًا بلا مرجعية… في دولة تبحث عن قرار.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



