لبنان ودائرةُ الحربِ المُغلَقة: حين يُعيدُ العنفُ إنتاجَ ما يسعى إلى إنهائه
كابي طبراني*
لبنان لا يعيش حربًا جديدة، بل يَعيشُ اختبارًا جديدًا لفكرةٍ قديمة ثبت فشلها مرارًا: أنَّ القوة العسكرية قادرة على إعادة ترتيب هذا البلد أو فرضِ استقرارٍ عليه. منذ الحرب الأهلية (1975-1990) وحتى اليوم، تكشف التجربة اللبنانية نمطًا ثابتًا—كلُّ تدخُّلٍ خارجي لا يُنهي الأزمة، بل يُعيدُ تشكيلها في صورةٍ أكثر تعقيدًا، ويمنح قوى جديدة أسبابًا إضافية للبقاء.
في آذار (مارس) 1985، قدّم الكاتب السياسي والباحث الأميركي-اللبناني الراحل فؤاد عجمي (1945-2014) في مجلة “فورِن أفّيرز” الأميركية قراءةً مُبكِرة لنتائج الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. لم يرَ في تلك الحرب مجرّدَ مُواجهةٍ عسكرية وطرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، بل لحظة تحوُّلٍ عميقة داخل المجتمع اللبناني، وتحديدًا لدى الطائفة الشيعية. هذه الجماعة، التي كانت لعقودٍ مُهََمَّشة سياسيًا واجتماعيًا، خرجت من التجربة بشعورٍ جديد: أنها لم تَعُد على هامش التاريخ، بل في قلبه. الاحتلال لم يقضِ على التهديد، بل خلق “أسطورة مقاومة” أعادت تشكيل الهوية السياسية للشيعة، ومهّدت لظهور “حركة أمل” ثم “حزب الله” كقوّة صاعدة.
هذه ليست ملاحظة تاريخية، بل مفتاحٌ لفهم الحاضر. فإسرائيل اليوم تتحرّك وفق منطقٍ مألوف: الضغطُ العسكري لتقليص تهديد “حزب الله” وإبعاده عن الحدود. لكن ما يتشكّلُ على الأرض لا يقتصرُ على تراجُعٍ أو تقدُّمٍ عسكري، بل على إعادة صياغة البيئة التي يعمل فيها الحزب نفسه.
وهنا يكمنُ التحوُّل الأهم مُقارنةً بالماضي. “حزب الله” لا يدخل هذه المواجهة من موقع القوّة السياسية التي امتلكها في مراحل سابقة. فسنوات الانهيار الاقتصادي، وتآكل مؤسسات الدولة، وتزايد الاعتراض داخل لبنان على ربط مصير البلد بأجندةٍ إقليمية، كلُّها عوامل أضعفت موقعه الداخلي. للمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد الحزب يتمتّع بإجماعٍ ضمن بيئته، ولا بهامشٍ واسعٍ لتبرير خياراته.
لكن هذا التراجع السياسي هو بالضبط ما قد تُعيدُ الحربُ تعويضه.
حين تتحوّل المواجهة إلى تجربةٍ جماعية من النزوح والخسارة، يتغيّرُ ميزان النقاش الداخلي. الأسئلة حول السيادة، والدولة، ودور السلاح، تتراجع أمام سؤالٍ أبسط وأكثر إلحاحًا: مَن يحمي المجتمع؟ في هذه اللحظة، لا يعود “حزب الله” مجرّد فاعلٍ سياسي مُثيرٍ للجدل، بل يتحوّلُ في بيئته—بفعل السياق—إلى إطارٍ دفاعي، حتى بالنسبة إلى مَن كانوا يُشكّكون في دوره.
هنا تعود فكرة عجمي إلى الحياة: “المقاومة” لا تُولد فقط من الإيديولوجيا، بل من الإحساس الجماعي بالضغط والإهانة. وكلما توسّع هذا الإحساس، اتسعت القاعدة التي تغذّيها. ما يُفترض أن يكون عملية إضعاف عسكري، قد يتحوّل تدريجًا إلى إعادةِ إنتاجٍ للشرعية السياسية.
لكن الخطر اليوم أعمق من مجرّد تكرار هذا النمط. في الثمانينيات الفائتة، كان لبنان ساحةً لصراعاتٍ إقليمية، لكنه لم يكن مُندَمجًا بالكامل في منظومة صراع واحدة. أما اليوم، فقد أصبح “حزب الله” جُزءًا بُنيويًا من استراتيجيةٍ إقليمية تقودها إيران. وهذا يعني أنَّ الحرب في لبنان لم تَعُد محكومة فقط بحساباتٍ داخلية، بل باتت مُرتَبطة بمنطقِ رَدعٍ أوسع يتجاوز الحدود اللبنانية.
هذا الارتباط يُغيّرُ طبيعة المخاطر. فلبنان لم يَعُد فقط ضحية صراعات الآخرين، بل أصبح جُزءًا من بنيتها. قرارات التصعيد أو التهدئة لم تَعُد تعكس توازنات داخلية بقدر ما تعكس حسابات إقليمية. وهنا تفقد الدولة اللبنانية، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، قدرتها على التحكُّم بمصيرها.
في الوقت نفسه، تدخل البلاد هذه المرحلة وهي في وضعٍ داخلي غير مسبوق من الهشاشة. الانهيار المالي، تآكل مؤسسات الدولة، وتراجع الثقة العامة، كلُّها عوامل تجعل أيَّ حربٍ اليوم مختلفة نوعيًا عن حروب الماضي. في السابق، كان لبنان يخرج من الحرب مُثقلًا لكنه قادرٌ على إعادة البناء. أما اليوم، فهو يدخل الحرب وهو بالكاد قادر على الاستمرار.
في هذا السياق، لم تعد فكرة “إعادة الإعمار” في لبنان مسألة تقنية أو اقتصادية فحسب، بل أصبحت موضع شكٍّ حقيقي. فالحرب الجارية المرتبطة بإيران لا تُعيدُ رسمَ خرائط الصراع العسكري فقط، بل تُعيدُ أيضًا ترتيب أولويات القوى الإقليمية، وفي مقدمتها دول الخليج التي كانت تاريخيًا الركيزة الأساسية لتمويل إعادة الإعمار في لبنان.
اليوم، لم يعد هذا الدعم مضمونًا، بل بات أكثر تحفظًا وارتباطًا بحسابات سياسية واستراتيجية أوسع. وإلى جانب ذلك، لم يعد التمويل الخارجي تلقائيًا كما في السابق، بل أصبح مشروطًا بإصلاحات بنيوية لم تتحقّق، في ظل بيئة سياسية لا توحي بقدرة قريبة على إنجازها.
بذلك، تتحوّل كلُّ جولة عنف في لبنان من مجرد دمار إضافي إلى تقليصٍ فعلي لإمكانية التعافي، حيث لا تقتصر الخسارة على ما يُدمَّر، بل تمتد إلى ما لم يعد ممكنًا بناؤه أصلًا.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل ستنجح في إضعاف “حزب الله”، بل ما إذا كان هذا الإضعاف—إن تحقق—سيؤدي إلى استقرارٍ أم إلى فراغ. والتجربة اللبنانية تشير بوضوح إلى أنَّ الفراغ هو المرحلة الأكثر خطورة، لأنه لا يبقى فراغًا طويلًا، بل يتحوّل إلى مساحةٍ لإنتاجِ قوى جديدة، غالبًا أكثر تشدُّدًا وأقل قابلية للضبط.
وهنا يظهر التناقض المركزي في المقاربة الحالية: السعي إلى تقليص تهديدٍ قائم من دون وجود تصوُّرٍ واقعي لما سيحلُّ مكانه. في بلد مثل لبنان، لا يكفي إضعاف لاعب أساسي إذا لم تكن هناك بنية سياسية قادرة على استيعاب التغيير. وإلّا فإنَّ النتيجة لا تكون استقرارًا، بل إعادة توزيع للفوضى.
في المحصّلة، ما يتكشّف اليوم ليس فقط حدود القوة العسكرية، بل حدود التفكير الذي يفترض أنَّ هذه القوة يمكن أن تحلَّ مشاكل سياسية معقّدة. لبنان ليس ساحةً يُمكن إعادة تشكيلها من الخارج، ولا نظامًا يمكن فرضه بالقوة. كلُّ محاولة لفعل ذلك تنتهي بتقوية القوى التي يُراد إضعافها، وإضعاف الدولة التي يُفترض دعمها.
الدرس ليس جديدًا. الجديد هو أنَّ كلفته أصبحت أعلى بكثير.
لبنان لم يعد يملك رفاهية تكرار أخطائه، لكنه لا يزال عالقًا في تكرارها. وبينما تسعى الأطراف المختلفة إلى تحقيق مكاسب قصيرة المدى، يتآكل الأساس الذي يقوم عليه البلد نفسه.
وفي النهاية، في لبنان، لا تنتهي الحروب لأنها تفشل… بل لأنها تنجح في إعادة إنتاج نفسها.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



