في ظلِّ الحَرب على إيران… هل يُصبِحُ العراق ساحةَ الاختبار لرهان أنقرة؟
كابي طبراني*
منذ صباح اليوم (السبت 28 شباط/فبراير 2026)، دخلت المنطقة فصلًا جديدًا من التصعيد العنيف، مع شنِّ هجوم عسكري بحري وجوّي مشترك من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران، في تطوُّر خطير يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي بأسره. هذا الهجوم، الذي يبدو كأنه شرارة فتحت الباب أمام احتمال مواجهة إقليمية أوسع، لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكة العلاقات المتداخلة بين القوى الإقليمية، وفي مقدّمها المعادلة التي بدأت تركيا ترسم ملامحها في العراق خلال السنوات الأخيرة.
في خضمِّ هذا التصعيد، لم تعد العلاقات التركية–العراقية مجرّد شراكة ثنائية، بل أصبحت جزءًا من مشهدٍ إقليمي يتشكّل تحت ضغط المواجهة بين محورين متنافسين. حالة عدم اليقين التي تدفع المنطقة نحو مرحلة مفتوحة من الهيجان العسكري تجعل من العراق، بلا مبالغة، ساحة مركزية للتنافس الاستراتيجي، خصوصًا بالنسبة إلى أنقرة التي ربطت أمنها الوطني واقتصادها ومستقبلها الإقليمي بمكانة هذا البلد.
من منظور أنقرة، لا يزال العراق جبهة محورية في مواجهة حزب العمال الكردستاني، الذي تتهمه بأنه تنظيمٌ مسلح يهدد أمنها القومي. وجود قيادات الحزب وشبكاته في شمال العراق جعل من الأراضي العراقية نقطة تماس مباشرة مع التحديات الأمنية التركية. وقد تطوّر هذا التحدي من عمليات عابرة للحدود إلى استراتيجية انتشار أمني أكثر انتظامًا، في محاولة لتحويل العراق من مصدر تهديد جيوسياسي إلى شريك أمني منظم.
لكن الأمن ليس المحرّك الوحيد. فالعراق يُعدّ أحد أهم الأسواق التجارية لتركيا، وقد نما التبادل بين البلدين بشكل مطّرد رغم التقلبات السياسية. ومع الحاجة العراقية المتزايدة إلى إعادة الإعمار، أصبحت الفرص التي يوفرها الاقتصاد العراقي عنصر جذب استراتيجي لأنقرة. هنا يتداخل الأمن بالاقتصاد ضمن رؤية ترى أن الاستقرار المشترك يمكن أن يتأسس على التكامل الاقتصادي بقدر ما يقوم على الإجراءات العسكرية.
في هذا السياق، برز مشروع “طريق التنمية” بوصفه أحد أبرز تجليات هذه الرؤية. المشروع يهدف إلى إنشاء ممر لوجستي يربط ميناء الفاو في جنوب العراق بالحدود التركية ومن ثم بأوروبا عبر شبكة حديثة من السكك الحديدية والطرق السريعة. بالنسبة إلى أنقرة، يشكّل هذا المشروع فرصة لترسيخ دورها كممر رئيسي للتجارة بين الخليج وأوروبا، وفي ظل التصعيد الراهن يمكن اعتباره أيضًا محاولة لضمان موقع مؤثر في أي ترتيبات إقليمية ما بعد المواجهة، سواء كانت اقتصادية أم سياسية.
غير أن هذا الطموح مشروط بعوامل دقيقة: استقرار سياسي في بغداد، قدرة تمويلية مستدامة، وبيئة أمنية قابلة للاحتواء. ومع احتمالات توسّع الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تصبح هذه الشروط أكثر هشاشة.
على صعيد الطاقة، يشكّل خط أنابيب كركوك–جيهان نموذجًا آخر لمحاولة تحويل بؤر التوتر إلى مساحات تعاون. فبعد سنوات من الخلافات بين بغداد وأربيل حول إدارة الصادرات وتقاسم العائدات، عاد التنسيق الثلاثي إلى الواجهة بدافع الحاجة المشتركة إلى الاستقرار المالي. وفي ظل أجواء إقليمية متفجّرة، تكتسب هذه الترتيبات أهمية مضاعفة.
كما يندرج اتفاق “النفط مقابل المياه” ضمن هذا المسار، إذ يخصّص جُزءًا من عائدات النفط العراقي المصدّر عبر تركيا لتمويل مشاريع إدارة الموارد المائية داخل العراق. في بلد يعاني من شح المياه وتداعيات التغير المناخي، يحمل هذا التعاون بعدًا تنمويًا واستراتيجيًا يتجاوز الحسابات الآنية.
أمنيًا، تسعى أنقرة إلى تثبيت أطر مؤسسية للتعاون مع بغداد، تشمل آليات تنسيق حدودي ومراكز عمليات مشتركة، بما يضمن استدامة العلاقة بعيدًا عن ردود الفعل الظرفية. اللقاءات المتكررة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عكست رغبة مشتركة في بناء شراكة متوازنة تحترم سيادة العراق وتستجيب في الوقت ذاته لمخاوف تركيا الأمنية.
إلّا أنَّ الواقع السياسي العراقي المعقّد، وتأثير الفصائل المسلحة المدعومة من الخارج، وتداخل الحسابات بين إيران والولايات المتحدة، كلها عوامل تجعل أي تحوّل استراتيجي عرضة للاهتزاز. ومع الهجوم العسكري الأخير على إيران، يزداد احتمال أن يتحول العراق إلى ساحة ضغط متبادل بين القوى المتصارعة، بما قد يربك المشاريع الاقتصادية ويعيد الأولوية إلى الحسابات الأمنية البحتة.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الترابط المتزايد بين الداخل التركي والخارج العراقي والسوري، حيث باتت السياسة التركية تجاه الأكراد مرتبطة مباشرة بتطورات ما وراء الحدود، في معادلة إقليمية متشابكة تتأثر أيضًا بمستوى التوتر بين طهران وتل أبيب وواشنطن.
في النهاية، يبدو أنَّ الرهان التركي في العراق ليس مجرد تحرّك تكتيكي، بل جُزءٌ من رؤية أوسع لبناء نفوذ مستدام عبر أدوات اقتصادية ومؤسّسية، لا عبر القوة العسكرية وحدها. غير أنَّ صمود هذه الرؤية سيتوقف على قدرة أنقرة وبغداد على تحييد العراق عن تداعيات الحرب الدائرة، ومنع تحوّله إلى ساحة تصفية حسابات.
وهنا يعود السؤال الجوهري: في ظل الحرب على إيران، هل يستطيع العراق أن يبقى منصة لمشروع تكامل تقوده أنقرة، أم أنه سيتحوّل مجددًا إلى مسرح اختبار قاسٍ لحدود هذا الرهان؟
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani



