الإذاعة في زَمَنِ الذكاءِ الاصطناعي: جسرُ المَعرِفة في عالمٍ غير مُتكافئ
مع اقترابِ اليوم العالمي للإذاعة في 13 شباط (فبراير)، يعودُ السؤال حول دور هذا الوسيط التقليدي في عصر التقنيات المُتقدّمة. فبين الوعود الواسعة للذكاء الاصطناعي وواقع الفجوات الرقمية، تبرزُ الإذاعة كمساحةٍ إنسانية قادرة على ربط التكنولوجيا بالناس، لا العكس.

غولدا الخوري*
في العام الماضي، وبمناسبة اليوم العالمي للإذاعة، سَلّطنا الضوءَ على الدور المُتواصِل والمستمرّ الذي تُؤدّيه الإذاعة، ولا سيما الإذاعات المجتمعية والجمعوية، في تعزيزِ التنوُّع الثقافي، وتَوسيعِ المُشارَكة العامة، وضمانِ الوصول إلى المعلومة في العالم العربي. بَعدَ عامٍ واحد، لم يَعُد النقاشُ يدورُ حولَ ما إذا كانت الإذاعة ما تزالُ تحتفظُ بأهمّيتها، بل حولَ كيفيّةِ تفاعُلها اليوم مع التقنيات الحديثة، وفي مقدّمتها الذكاء الاصطناعي، داخل مجتمعاتٍ لا يزالُ الوصولُ إلى المعرفة فيها غير مُتكافئ.
شعارُ هذا العام، “الإذاعة والذكاء الاصطناعي”، يدفعُ إلى تجاوُزِ الخطاب المتفائل حول التكنولوجيا، وطَرحِ تساؤلٍ أكثر بساطة وواقعية: مَن يمتلكُ فعليًا القدرة على الوصول إلى أدواتِ الذكاء الاصطناعي، ومَن يُحدِّدُ القنوات التي تمرُّ عبرها هذه التكنولوجيا إلى الجمهور؟
الإذاعة، الذكاء الاصطناعي، وإتاحة الوصول إلى المعلومات
شهدَ الوصولُ إلى الإنترنت في المنطقة العربية توسُّعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، لكنه ظلَّ توسُّعًا غير متكافئ. فبحسب بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات، يُسجّلُ بعضُ دول الخليج نسبَ اتصالٍ مرتفعة للغاية، فيما لا تزال دولٌ أخرى— ولا سيما تلك المتأثّرة بالنزاعات أو بالهشاشة الاقتصادية— تُعاني فجواتٍ واسعة في الوصول. وحتى داخل البيئات المُتَّصلة، تُشكّلُ كلفة الإنترنت، وتفاوت المهارات الرقمية، وحواجز اللغة عوائقَ فعلية أمامَ الاستخدامِ المُتكافئ للمعلومة.
غير أنَّ الاتصالَ بالإنترنت لا يعني بالضرورة الوصولَ إلى الذكاء الاصطناعي. فهذه التقنيات تفترضُ، في الغالب، امتلاكَ مهاراتٍ إضافية، وأجهزةٍ مناسبة، وقدراتٍ لغوية محددة، لا سيما في ظلِّ هيمنة لغات عالمية على أدوات الذكاء الاصطناعي الأكثر انتشارًا.
على المستوى العالمي، ما يزالُ أكثر من مليارَي شخص خارج نطاق الإنترنت. لكن ما هو أقل وضوحًا —وأضعف توثيقًا في السياق العربي— هو حجم الفئة التي تُستَبعَدُ عمليًا من الذكاء الاصطناعي، وتظلُّ مُعتمدةً على أنماطِ تواصُلٍ شفهي، ولهجات محلية، أو على الوصول الجماعي إلى وسائل الإعلام، بدل التفاعُل الفردي مع المنصّات الرقمية.
لطالما شكّلت الإذاعة استجابةً عملية لهذا الواقع. فهي قادرة على تبسيط المعلومات المُعَقَّدة وتحويلها إلى لغةٍ يومية مفهومة، وتصلُ إلى جمهورٍ واسعٍ بشكلٍ جماعي، من دون اشتراط القدرة على القراءة والكتابة، أو الحاجة إلى اتصالٍ دائم بالإنترنت، أو امتلاك أجهزة شخصية. ومع دعمها بتطبيقاتٍ بسيطة للذكاء الاصطناعي —مثل تلخيص المحتوى، أو ترجمته، أو تنظيم تفاعل الجمهور— يمكن أن تتحوَّلَ الإذاعة إلى جسرٍ عملي يربطُ فئاتٍ واسعة بهذه التقنيات، حتى من دون التعامُلِ المباشر معها.
ومع ذلك، لا تتوافر حتى اليوم بياناتٌ إقليمية شاملة توضحُ كيف يُستخدَمُ الذكاء الاصطناعي داخل المنظومات الإذاعية في العالم العربي، ولا ما هي الإمكانات الفعلية لتوظيفه فيها. وهو نقصٌ معرفي يطرحُ بدوره سؤالًا حول جاهزية السياسات الإعلامية والتكنولوجية لمُواكَبة هذا التحوُّل، بدل الاكتفاء بالاحتفاءِ بهِ كشعار.
النساء، الذكاء الاصطناعي، واستمرار الفجوة الرقمية
وتبقى الفَجوَةُ الرقمية بين الجنسين من السمات البُنيويّة البارزة في المنطقة العربية. فالنساءُ أقل استخدامًا للإنترنت مُقارنةً بالرجال، وتُشيرُ التقديرات العالمية إلى أنَّ نساء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقلُّ احتمالاتُ اتصالهن بالإنترنت بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المئة. ولا يقتصرُ أثرُ هذه الفجوة على محدودية الوصول إلى المعلومات فحسب، بل يمتدُّ ليشمل التقنيات الناشئة، وفي مقدّمتها الذكاء الاصطناعي.
وعلى الرُغمِ من تصاعُدِ النقاشات العالمية حول علاقة النساء بالذكاء الاصطناعي، لا تزالُ المعطيات المتوافرة عن السياق العربي شحيحة. فالمعلومات المُتعلّقة بكيفية تفاعل النساء مع هذه التكنولوجيا في حياتهن اليومية —أو حتى بمدى وصولهن الفعلي إليها— تبقى محدودة للغاية، ما يعكسُ فجوةً معرفية إضافية إلى جانبِ الفجوة الرقمية نفسها.
في هذا السياق، تُواصِلُ الإذاعة أداءَ دورٍ تعويضي مُهِمّ. فمنذ عقود، شكّلت مصدرًا موثوقًا للمعلومة بالنسبة إلى شرائح واسعة من النساء، لا سيما في البيئات المنزلية، والريفية، وقطاعات العمل غير المُنَظَّم. وعبر برامج تناولت قضايا الصحة والتعليم وسُبُل العيش والحقوق، أسهمت الإذاعة في إتاحة المعرفة قبل وقتٍ طويل من انتشار المنصّات الرقمية.
ويُمكِنُ للذكاء الاصطناعي، عندما يُدمَجُ عبر الإذاعة بدل الاعتماد على الشاشات الفردية، أن يُعزّزَ هذا الدور بدل أن ينافسه. غير أنَّ تحقيقَ ذلك يظلُّ مشروطًا بفَهمٍ أعمق لواقع النساء واحتياجاتهن، وببناءِ قاعدةِ بياناتٍ ومعرفة أكثر دقّة تُتيحُ توظيفَ هذه التقنيات بطريقةٍ عادلة ومُلائمة للسياق الاجتماعي.
الشبابُ بين الاتصال الرقمي والمشاركة الفعلية
غالبًا ما يُنظَرُ إلى الشباب في العالم العربي بوصفهم الفئة الأكثر اتصالًا رقميًا، وهم بالفعل الأكثر استخدامًا للإنترنت مُقارنةً بالفئات العمرية الأكبر سنًّا. غير أنَّ هذا الاتصال لا يُترجَمُ بالضرورة إلى مشاركة فاعلة، أو تأثير حقيقي، أو وصول مُستدام إلى معلوماتٍ موثوقة. فالظروفُ الاقتصادية، والسياقاتُ السياسية، وتفاوت المهارات الرقمية لا تزالُ عواملَ حاسمة في تحديدِ مستوى انخراطِ الشباب في الشأن العام.
في هذا الإطار، تُقدِّمُ الإذاعة نموذجًا مُغايرًا: مساحةٌ عامة مُشتَرَكة ومُنَظَّمة، تُتيحُ التفاعُلَ الجماعي بدل العزلة الفردية. فقد وفّرت الإذاعات المجتمعية والجمعوية، على نحوٍ متكرّر، منصّاتٍ للشباب للتعبير عن آرائهم، والمُشاركة في النقاشات العامة، والمُساهمة في إنتاج المحتوى بشكلٍ جماعي، بما في ذلك خلال فترات الأزمات والتحوُّلات الاجتماعية. هذا الدورُ لم يكن طارئًا، بل تَراكَمَ عبر سنواتٍ من العمل الإعلامي المحلّي المُرتَبِط بالسياقِ الاجتماعي.
ويُمكِنُ لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تُعزّزَ هذا النموذج، لا أن تحلَّ محله. فبالنسبة إلى الإذاعات الصغيرة، تُتيحُ هذه الأدوات إمكاناتٍ عملية لتحليل تفاعل الجمهور، وتنظيم المحتوى، ورصد القضايا الناشئة، من دون الحاجة إلى بُنى رقمية معقَّدة أو موارد كبيرة.
ومع ذلك، تبقى القاعدة المعرفية محدودة. فما تزالُ الأبحاث التي تتناولُ كيفية تفاعُل الشباب مع الذكاء الاصطناعي عبر الإذاعة، أو من خلال قنواتٍ غير رقمية مباشرة، نادرة في العالم العربي، على الرُغم من الدور المستمر الذي تؤدّيه هذه المساحات الجماعية في تشكيل النقاش العام المحلي.
الإذاعة كمساحةٍ آمنة في عصر الذكاء الاصطناعي
إلى جانب الشباب والنساء، يُمكنُ للإذاعة، عندما تُدعََمُ بتطبيقاتٍ بسيطة للذكاء الاصطناعي، أن تلعبَ دورًا مهمًّا في مرافقة كبار السن، ولا سيما أولئك الذين يُعانون من العزلة أو من بدايات التراجُع المعرفي. فالأصواتُ المألوفة، والبرامج المُنتَظِمة، والرسائل الواضحة تُساهِمُ في الحفاظ على الإحساس بالتواصُل، وتخفيف القلق، وتعزيز الشعور بالأمان، خصوصًا لدى فئاتٍ لا تشعر بالارتياح تجاه التقنيات الرقمية أو التعامل الفردي مع الشاشات.
ولا يسعى هذا الطرح إلى تمجيد الذكاء الاصطناعي أو التحذير منه، بل إلى نزعِ الغموض المُحيط به، وإظهار كيف يمكن توظيفه خارج الأُطُرِ التقنية المُغلَقة، وبعيدًا من الشاشات، لخدمةِ مجتمعاتٍ وفئاتٍ غالبًا ما تُستَبعَدُ من النقاشات الرقمية. ومن خلال الإذاعة، يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للفهم، وأقرب إلى الاستخدام اليومي، وأكثر ارتباطًا بحاجات الناس الفعلية.
وفي زمنٍ يُبالَغ فيه أحيانًا في تقدير مدى انتشار الذكاء الاصطناعي وإمكانية الوصول إليه، تظل الإذاعة —كما كانت على الدوام— وسيلةً إنسانية، محلّية، مَرِنة، وحاضرة بهدوء، تؤدّي دورًا أساسيًا في سدِّ فجواتٍ لا تزال التكنولوجيا وحدها عاجزة عن ردمها.
- غولدا الخوري هي مُؤسِّسة ورئيسة شركة “Higher Ground“، وأستاذة زائرة في كلية باريس للشؤون الدولية (PSIA) التابعة لمعهد العلوم السياسية (Sciences Po)، ومديرة سابقة في الأمم المتحدة. تمتلك خبرةً تمتدُّ إلى 30 عامًا في مجال التنمية الدولية. وتُركّزُ جهودها على استكشاف العلاقة بين الديبلوماسية والتعدُّدية وتأثيرها في القيادات النسائية ومشاركة الشباب. عملها يدمجُ بشكلٍ منهجي أبعاد حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، مع التركيز على دور الشباب في إحداث التغيير ومساءلة الجهات المعنية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.