“أرضُ الصومال” في قلبِ لُعبةِ الأُمم: لماذا اختارت إسرائيل البحر الأحمر؟ (2 من 2)
إذا كانت الحلقة الأولى قد كشفت الخلفيات الاستراتيجية لاعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال”، فإنَّ تداعيات هذه الخطوة سرعان ما تجاوزت الإطار الثنائي لتتحوّل إلى محفّز لصراعِ محاور إقليمي مفتوح. فمن هرجيسا إلى مقديشو، ومن أبوظبي إلى أنقرة والقاهرة والرياض، دخلت المنطقة مرحلة إعادة فرز جيوسياسي حاد على خطوط البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الدكتور سعود المولى*
ما كانَ يُمكِنُ لاعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال” أن يتحوّل إلى زلزال جيوسياسي بهذا الحجم، لولا دخوله سريعًا في شبكةٍ معقّدة من المصالح والتحالفات الإقليمية المتضاربة. فخلف الكواليس، لم تكن هرجيسا وحدها في غرفة التفاوض مع تل أبيب، بل برزت أبوظبي بوصفها الفاعل الخفي الأكثر تأثيرًا في تهيئة شروط هذا الاختراق الديبلوماسي، وربطه بحسابات أوسع تتصل بالموانئ، والقواعد، وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
في هذا السياق، برز الدور الإماراتي بوصفه أحد أكثر العناصر إثارة للجدل في مسار الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال”. فقد نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن أبوظبي لعبت دورًا مسهّلًا في تقريب وجهات النظر بين تل أبيب وهرجيسا، وساهمت عمليًا في تهيئة الظروف السياسية واللوجستية التي أفضت إلى إعلان الاعتراف، رغم حرصها العلني على إدانة الخطوة والتأكيد على دعمها لسيادة الصومال ووحدة أراضيه في بيان مشترك مع الاتحاد الأفريقي في السادس من كانون الثاني (يناير).
الموقف السعودي
في موازاة هذا الاستقطاب المتسارع، تتجه المملكة العربية السعودية بشكل متزايد إلى التموضع أقرب إلى محور مصر–تركيا في الملف الصومالي، مدفوعة بتصاعد تنافسها مع الإمارات العربية المتحدة، وبما تعتبره تأثيرًا إماراتيًا سلبيًا في توازنات الاستقرار الإقليمي. فبالنسبة إلى الرياض، لا يُنظَرُ إلى الصومال بوصفه ساحة نفوذ بعيدة، بل كامتداد مباشر لأمنها القومي البحري، بحكم امتلاكها واحدًا من أطول السواحل على البحر الأحمر، وبحكم ارتباط أمن هذا الممر الحيوي بأجندتها الاقتصادية الداخلية الطموحة.
ترى السعودية أنَّ أيَّ تدهور إضافي في استقرار القرن الأفريقي يحمل مخاطر متعددة الطبقات: تدفّقات محتملة للاجئين، توسُّع شبكات تهريب السلاح والبشر، وازدياد أنشطة الجريمة المنظمة على طول الضفة الغربية للبحر الأحمر، بما ينعكس مباشرة على أمنها الساحلي. والأهم من ذلك أنَّ هذا المشهد الأمني المضطرب يهدد بتقويض مرتكزات “رؤية 2030″، التي تمثّل المشروع الاستراتيجي الأهم للمملكة لإعادة هيكلة اقتصادها، وتقليل اعتمادها المفرط على النفط، والتحول إلى مركز إقليمي للصناعة والتكنولوجيا والسياحة والتجارة. ففي حسابات الرياض، لا يمكن فصل الأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي عن نجاح التحول الاقتصادي في الداخل السعودي.
ضمن هذا الإطار، نسّقت مصر والسعودية وتركيا مواقفها حيال الاعتراف الإسرائيلي بـ”صوماليلاند”، في مؤشّر واضح إلى تبلور جبهة إقليمية معارضة لهذه الخطوة. ففي السادس والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، أجرى وزير الخارجية المصري اتصالات هاتفية مع نظيريه الصومالي والتركي لتنسيق الردود الديبلوماسية. وبعد يوم واحد، وقّعت الدول الثلاث بيانًا مشتركًا مع 18 دولة أخرى يرفض الاعتراف ويؤكد دعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه.
وتعزّز هذا المسار السياسي بسلسلة لقاءات رفيعة المستوى. ففي الثلاثين من كانون الأول (ديسمبر)، استضاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في أنقرة، حيث ندّد بالاعتراف الإسرائيلي، واصفًا إياه بأنه غير قانوني ومزعزع للاستقرار في المنطقة. وبعد أيام، استضاف وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان نظيره الصومالي علي في الرابع من كانون الثاني (يناير)، مؤكدًا دعم الرياض الصريح لسيادة الصومال ووحدة أراضيه.
وفي الخامس من كانون الثاني (يناير)، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في القاهرة، حيث دَعَوَا إلى الحفاظ على وحدة أراضي الدول، بما فيها الصومال، واصفَين مواقف بلديهما من القضايا الإقليمية في الصومال والسودان واليمن بأنها “متطابقة”. وقد عكس هذا التوصيف مستوى غير مسبوق من التقارب السياسي بين القاهرة والرياض في ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما يتجاوز التنسيق الظرفي إلى شبه اصطفافٍ استراتيجي.
الموقف الأميركي الغامض
في المقابل، بدا الموقف الأميركي أكثر التباسًا. فقد جدّدت واشنطن رسميًا دعمها لوحدة أراضي الصومال، لكنها امتنعت عن إدانة الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال”، في وقت كانت تُعقد اجتماعات رفيعة المستوى بين مسؤولين أميركيين ومسؤولين من هرجيسا. وفي السادس والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنَّ الولايات المتحدة لن تعترف بـ”أرض الصومال” فورًا، لكنها ستدرس المقترح الإسرائيلي. وكان ترامب قد قال في آب (أغسطس) 2025 إنه “يدرس” الاعتراف بالإقليم إذا وافق على استقبال فلسطينيين، في إشارة أعادت إلى الواجهة مقايضات ديموغرافية–سياسية بالغة الحساسية.
وتشير تقارير متعددة إلى أنَّ “أرض الصومال” منفتحة على منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى موانئها، ما يضيف بُعدًا جيوسياسيًا جديدًا إلى حسابات واشنطن في البحر الأحمر وخليج عدن. ورُغم تأكيد وزارة الخارجية الأميركية أنَّ سياسة الولايات المتحدة طويلة الأمد لم تتغير، وأنَّ “أرض الصومال” لا تزال تُعَدُّ جُزءًا من الصومال، فإنَّ نبرة بعض المسؤولين الأميركيين عكست قدرًا من التململ من الإجماع الدولي الرافض للاعتراف.
فقد انتقد نائب السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، خلال اجتماع مجلس الأمن في التاسع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، رد فعل المجتمع الدولي على الخطوة الإسرائيلية، في موقفٍ فسّره ديبلوماسيون بأنه رسالة مُبطَّنة بوجود هامش مراجعة في الموقف الأميركي التقليدي. ويعزّز هذا الانطباع اللقاء الذي جمع قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داغفين أندرسون، برئيس “أرض الصومال” عبد الرحمن عبد الله (إيرو) في السادس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر)، بهدف تعزيز التعاون القائم في مجالي مكافحة الإرهاب والأمن البحري.
وزادت الشكوك في مقديشو مع تقارير إعلامية صومالية أفادت بأنَّ مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى التقوا بمسؤولين من “أرض الصومال” في أواخر كانون الأول (ديسمبر)، ما دفع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، على ما يبدو، إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء. وذهبت إحدى وسائل الإعلام الصومالية إلى حد الزعم بأنَّ الولايات المتحدة تدرس إعادة نشر جُزء من مواردها العسكرية من جنوب الصومال إلى بونتلاند و”أرض الصومال”، في خطوةٍ –إن صحّت– ستُفسَّر على نطاق واسع بأنها اعتراف أمر واقع بتبدّل موازين القوى على الأرض.
بهذا المعنى، لم يعد الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال” مجرد ملف ديبلوماسي خلافي، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز لإعادة فرز الاصطفافات الإقليمية والدولية في فضاء البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع حسابات الأمن القومي، وممرات التجارة والطاقة، ومشاريع النفوذ طويلة الأمد، في لحظة تتآكل فيها بسرعة الخطوط الفاصلة بين ما هو محلي وما هو جيوسياسي شامل.
الخلاف الصومالي-الإماراتي
في ذروة هذه التطورات المتلاحقة، ومع تصاعد التوتر السعودي–اليمني في جنوب اليمن، اتخذت الحكومة الفيدرالية الصومالية خطوة تصعيدية غير مسبوقة تجاه أبوظبي، بإعلانها إلغاء جميع الاتفاقيات الثنائية الموقعة مع الإمارات العربية المتحدة. ففي الثاني عشر من كانون الثاني (يناير)، أعلن مجلس الوزراء الصومالي أنَّ الإلغاء يشمل الاتفاقيات المبرمة مع الحكومة الفيدرالية وكذلك تلك التي أُبرمت مع الولايات الأعضاء في الاتحاد، مشيرًا بالاسم إلى اتفاقيات الموانئ في ولايات جوبالاند وبونتلاند و”أرض الصومال”. وبرّر المجلس قراره باتهام الإمارات بالقيام بـ”أعمال عدائية ومزعزعة للاستقرار تقوّض السيادة الوطنية”، في صيغة عكست انتقال الخلاف من مستوى التباين السياسي إلى مستوى القطيعة شبه السيادية.
جاء هذا القرار في سياق أزمة ديبلوماسية تفجّرت قبل أيام، حين سهّلت الإمارات، في الثامن من كانون الثاني (يناير)، عبور عيدروس الزبيدي، زعيم “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتيًا في اليمن، مرورًا بصوماليلاند ثم مقديشو، في طريقه إلى أبوظبي. وكان الزبيدي قد فرّ من اليمن بعد أن استعادت القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعوديًا المناطق التي سيطر عليها “المجلس الانتقالي الجنوبي” في هجومٍ مباغت مطلع كانون الأول (ديسمبر). واعتبرت الحكومة الصومالية هذه الرحلة استخدامًا غير مصرّح به للمجال الجوي الصومالي لتهريب “فارٍّ” سياسي، وفتحت تحقيقًا رسميًا في الحادثة.
وفي توصيف بالغ الدلالة، قال وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية إنَّ هذه الرحلة كانت “القشّة التي قصمت ظهر البعير”، ضمن سلسلة أوسع من نقاط الخلاف التي دفعت مقديشو إلى اتخاذ قرار الإلغاء. وبذلك، لم تَعُد الأزمة محصورة في ملف الموانئ أو النفوذ الاقتصادي، بل تحوّلت إلى مواجهة مباشرة حول احترام السيادة الصومالية وحدود الدور الإماراتي في المجالين الأمني والسياسي.
وإذا ما نُفِّذَ قرار الإلغاء فعليًا، فإنَّ تداعياته ستكون ثقيلة على العمق الاستراتيجي للإمارات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، رُغمَ رفض بعض الولايات الصومالية المعارضة للحكومة الفيدرالية الاعتراف بشرعية هذا القرار. فالإمارات ستفقد، في هذه الحالة، إمكانية الوصول إلى قواعد عسكرية على طول خليج عدن في بونتلاند و”أرض الصومال”، وهي قواعد استخدمتها خلال السنوات الماضية لدعم عملياتها ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، فضلًا عن مهام أمنية بحرية أخرى مرتبطة بحماية الملاحة والتجارة.
ويأتي هذا التراجع في لحظة إقليمية حرجة لأبوظبي، بعد فشل رهانها على “المجلس الانتقالي الجنوبي” في اليمن. فقد أعلن الأمين العام للمجلس عن حلّ المجموعة، قبل أن ينفي المتحدث باسمها ذلك لاحقًا، في مشهدٍ عكس تفككًا سياسيًا وعسكريًا داخليًا. وفي موازاة ذلك، ألغت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية اتفاقياتها العسكرية مع الإمارات، التي انسحبت بدورها من جزيرة سقطرى، ما مثّل ضربة إضافية لمشروع النفوذ الإماراتي في جنوب اليمن وبحر العرب.
على المستوى الاقتصادي–الاستراتيجي، سيؤدي تحرك الحكومة الفيدرالية الصومالية إلى تعريض الاستثمارات الإماراتية المشتركة، المقدّرة بنحو 800 مليون دولار، للخطر، ولا سيما في ميناء بربرة في “أرض الصومال” وميناء بوصاصو في بونتلاند. ويعني ذلك تقليص نفوذ أبوظبي في البنية التحتية والتجارة الإقليمية على أحد أهم خطوط الملاحة في خليج عدن، في لحظة تتصاعد فيها المنافسة الدولية على الموانئ الأفريقية.
لكن التداعيات الأبعد تتجاوز الصومال واليمن لتطال الملف السوداني. ففقدان الإمارات لإمكانية الوصول إلى قواعدها في بوصاصو وصوماليلاند من شأنه أن يعرقل قدرتها على دعم “قوات الدعم السريع” في الحرب الأهلية السودانية، حيث تُعَدُّ أبوظبي الداعم الخارجي الرئيس لهذه القوات. وقد أسهم هذا الدعم، وفق تقارير غربية، في وقف اندفاعة القوات المسلحة السودانية نحو غرب السودان مطلع العام 2025، وتعزيز سيطرة “قوات الدعم السريع” على الإقليم، ثم تمكينها من شن هجوم واسع في وسط السودان أواخر العام 2025.
وتعتمد الإمارات في هذا الدعم على شبكةٍ لوجستية إقليمية واسعة، تشمل قواعد في تشاد وليبيا، وإمدادات من الأسلحة والطائرات المسيّرة والمعدات العسكرية. وتسلك رحلات النقل الإماراتية مسارين رئيسيين: مسارًا شماليًا عبر الأجواء المصرية والسعودية، ومسارًا جنوبيًا عبر الأجواء الإثيوبية والصومالية وجنوب السودان، مع اعتبار بوصاصو نقطة عبور محورية.
غير أن هذا الترتيب اللوجستي بدأ يتآكل سريعًا. فبيانات تتبع الرحلات الجوية تشير إلى توقف الرحلات الإماراتية على المسار الشمالي منذ الخامس من كانون الثاني (يناير)، في مؤشر إلى أنَّ السعودية رفضت منح الإمارات تصاريح عبور فوق أراضيها، على خلفية تحركات إماراتية في اليمن، رغم تسجيل مرور طائرة إماراتية واحدة عبر الأجواء السعودية في الرابع عشر من كانون الثاني (يناير). وفي التاسع من كانون الثاني (يناير)، رفضت الحكومة الفيدرالية الصومالية منح تصاريح التحليق لجميع طائرات الشحن والطائرات العسكرية الإماراتية، بالتزامن مع إلغاء الاتفاقيات المتعلقة بالمنشآت في بوصاصو.
وتُظهر بيانات الملاحة الجوية أنَّ رحلات الشحن الإماراتية بدأت تتجنّب المجال الجوي الصومالي، باستثناء عمليات سحب القوات. وفي الوقت ذاته، يشير تحليل صور الأقمار الاصطناعية إلى استمرار النشاط في القاعدة العسكرية الإماراتية في بوصاصو، رغم أن موقع “ميدل إيست آي” نقل عن مصادر محلية أن الزيادة الأخيرة في حركة الطيران كانت في الواقع نتيجة عملية انسحاب تدريجي للقوات الإماراتية من القاعدة.
بهذا المعنى، لا يبدو قرار مقديشو مجرّد رد فعل ديبلوماسي على حادثة عبور الزبيدي، بل جُزءًا من إعادة ترتيب أوسع لموازين النفوذ في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع الأزمة الصومالية–الإماراتية مع إخفاقات أبوظبي في اليمن، ومع تحوّلات الحرب في السودان، ومع إعادة فرز الاصطفافات الإقليمية في البحر الأحمر. وفي قلب هذا المشهد، تتحوّل “أرض الصومال” من ملف اعتراف خلافي إلى عقدة استراتيجية تهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ العسكري والاقتصادي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
في الخلاصة، قد يفتح الانسحاب الإماراتي المحتمل من الصومال نافذة استراتيجية أمام السعودية لتعزيز موقعها الإقليمي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في سياق تنافُسٍ أوسع بينها وبين أبوظبي على النفوذ. فالمملكة، التي دعمت القوات المسلحة السودانية في حربها ضد “قوات الدعم السريع”، تشير تقارير حديثة إلى أنها قد تموّل حصول هذه القوات على أسلحة باكستانية متطورة، في خطوة تعكس انتقال الرياض من دور المموّل غير المباشر إلى لاعب أكثر حضورًا في معادلات الصراع الإقليمي. وعلى الجبهة اليمنية، أدانت السعودية هجوم “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتيًا، ولعبت دورًا محوريًا في استعادة القوات الحكومية اليمنية للأراضي التي خسرَتها، عبر الدعم اللوجستي والغارات الجوية، في رسالةٍ واضحة بأنَّ مشروع النفوذ الإماراتي في جنوب اليمن لم يعد يحظى بغطاء سعودي كما في السابق.
في هذا السياق، اتهمت الرياض أبوظبي بتسهيل إجلاء زعيم “المجلس الانتقالي الجنوبي” عيدروس الزبيدي عبر الأراضي الصومالية، وهي الواقعة التي اعتبرتها مقديشو “القشة التي قصمت ظهر البعير”. ونقلت وكالة “بلومبيرغ” أنَّ السعودية دعت الصومال صراحة إلى فك الارتباط مع الإمارات، رُغمَ نفي الحكومة الصومالية أن يكون الضغط السعودي هو الدافع المباشر وراء قرار إلغاء الاتفاقيات الثنائية. غير أنَّ تزامن الخطوتين عزّز الانطباع بأنَّ الرياض لعبت دورًا تحريضيًا –أو على الأقل تشجيعيًا– في دفع مقديشو نحو هذا الخيار التصعيدي.
قرار مقديشو حبر على ورق
مع ذلك، تبقى قدرة الحكومة الفيدرالية الصومالية على فرض هذا الإلغاء موضع شك كبير. فالإمارات ما زالت تحتفظ بعلاقات وثيقة مع حكومات الولايات المعارضة لمقديشو، بل تعمل على تعزيزها، ولا سيما في جوبالاند وبونتلاند و”أرض الصومال”. وقد سارعت هذه الكيانات الثلاثة إلى إصدار بيانات منفصلة تُبطِل قرار الإلغاء، وتؤكد حقها في إبرام اتفاقيات مستقلة عن الحكومة الفيدرالية. ووفق تقارير إعلامية، كان من المقرر أن يسافر رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دِني إلى الإمارات بعد إعلان الإلغاء مباشرة، في إشارةٍ إلى تحدٍّ سياسي علني لسلطة مقديشو. وفي الاتجاه نفسه، أعلنت شركة موانئ دبي العالمية، المشغّلة لميناء بربرة، أن القرار الصومالي لن يؤثر في عملياتها، ما يعكس ثقة إماراتية بأن نفوذها الميداني والاقتصادي أعمق من أن تُلغيه قرارات مركزية.
هذا الواقع يسلّط الضوء على المعضلة البنيوية التي تواجهها الدولة الصومالية: سلطة فيدرالية محدودة النفوذ، تقابلها أقاليم تتمتّع بحُكم ذاتي فعلي، وترتبط مباشرة بقوى إقليمية منافسة. وهو ما يفسّر استمرار العلاقات الوثيقة بين الإمارات وكلٍّ من “أرض الصومال” وجوبالاند وبونتلاند، كما يتبدّى في دورها في تسهيل الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال”، وفي شراكاتها العسكرية والأمنية مع هذه الكيانات الثلاثة.
غير أنَّ الثمن المحتمل لهذا الاشتباك السياسي قد يكون أمنيًا بامتياز. فقرار إلغاء الاتفاقيات لا يطال الموانئ والاستثمارات فقط، بل يشمل أيضًا التفاهمات الأمنية التي شكّلت العمود الفقري للتعاون الإماراتي–الصومالي في مجال مكافحة الإرهاب. وكانت أبوظبي لاعبًا رئيسًا في دعم جهود مقديشو ضد حركة “الشباب”، إذ نفذت غارات جوية على مواقع الحركة في جوبالاند، معقلها التقليدي، وأسهمت في تدريب وتجهيز ودفع رواتب وحدات من القوات الاتحادية وقوات الولايات خلال فترات متقطعة من حكم الرئيس حسن شيخ محمود. كما ساعدت على إنشاء وحدة للشرطة الاتحادية، ودعمت الجيش الوطني الصومالي في مركز تدريب مقديشو، في وقت عانى هذا الجيش تاريخيًا من ضعف التدريب وانخفاض الرواتب.
وبالمثل، استخدمت الإمارات قواعدها في جوبالاند وبونتلاند لدعم قوات الولايات، بما في ذلك “قوة شرطة بونتلاند البحرية”، وكانت تدفع رواتب لما لا يقل عن 3400 جندي في مطلع العام 2026. وشاركت أيضًا في الحملة العسكرية التي شنّتها بونتلاند ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في الصومال، وهي حملة أضعفت التنظيم بشكل كبير منذ العام 2024، وإن لم تنجح في القضاء عليه نهائيًا. وقد أشادت سلطات بونتلاند بالدعم الجوي الإماراتي، الذي شمل غارات دقيقة، لدوره الحاسم في هذه الحملة، كما نفذت القوة البحرية البونتلاندية المدعومة إماراتيًا عمليات نوعية ضد التنظيم على الساحل.
ورُغمَ هذه النجاحات النسبية، تشير التقارير إلى أنَّ تنظيم “الدولة الإسلامية” عاد للظهور في مناطق سبق تطهيرها، ولا يزال قادته الرئيسيون طلقاء. فقد تمكّنت بونتلاند من حصر مقاتلي التنظيم في وديان محددة في جبال كال مسكاد، ما أجبرهم على التحرُّك في مجموعات صغيرة لتفادي الملاحقة، لكن غياب ضربة قاضية سمح للتنظيم بإعادة التموضع والاختباء في الفراغات الأمنية.
بهذا المعنى، لا يقتصر الصراع الحالي على كونه مواجهة نفوذ بين أبوظبي والرياض، أو بين مقديشو والأقاليم، بل يحمل في طياته مخاطر تفكيك أحد أكثر أطر مكافحة الإرهاب فاعلية في الصومال خلال العقد الأخير. وإذا ما تآكل هذا الإطار من دون بديل دولي أو إقليمي متماسك، فإنَّ الفراغ الذي سيخلّفه قد تستثمره حركة “الشباب” وتنظيم “الدولة الإسلامية” لإعادة بناء قدراتهما، في لحظة تشهد فيها المنطقة أصلًا تصاعدًا غير مسبوق في التنافس الجيوسياسي.
في النهاية، يتجاوز ملف “أرض الصومال” وقرار إلغاء الاتفاقيات مع الإمارات حدود الخلاف الثنائي، ليغدو مرآةً لاختلالات أعمق في النظام الإقليمي للبحر الأحمر والقرن الأفريقي. فهنا تتقاطع مشاريع النفوذ، وممرات التجارة والطاقة، وصراعات الوكلاء، وحسابات مكافحة الإرهاب، في مشهد واحد شديد التعقيد. وبينما تسعى كل قوة إقليمية إلى توسيع عمقها الاستراتيجي، يبدو الصومال مرة أخرى ساحة اختبار قاسية لسؤال قديم متجدد: هل يمكن لدولة هشّة أن تحافظ على سيادتها في قلب صراع محاور، من دون أن تتحوَّل إلى ساحة تصفية حسابات بالنيابة؟
- الدكتور سعود المولى هو باحث، محلّل سياسي، مترجم، وأستاذ جامعي متقاعد. وهو زميل أول زائر في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في قطر.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.