الخليجُ تحت النار… والاقتصادُ العالمي في مرمى النيران

لم يَعُد الصراعُ الدائر في الخليج مجرد مواجهة عسكرية إقليمية، بل تحوّل إلى تهديد مباشر لشبكات التجارة والطاقة والتمويل التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. فمع استهداف الموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة وحتى مراكز البيانات، باتت الحرب تطالُ شرايين العولمة نفسها.

الشيخ محمد بن زايد يجول في “مول دبي”: محاولة لطمأنة الرأي العام.

إسفنديار باتمانغليج*

اندَلَعَ حريقٌ يوم الأحد الماضي (1 آذار/مارس) في مركز بيانات تابع لشركة “أمازون لخدمات الويب” في دبي، بعد إصابته بجسمٍ يُرجَّح أنه شظايا طائرة إيرانية مُسيَّرة اعترضتها الدفاعات الجوية الإماراتية. وقد يبدو الحادث تقنيًا في ظاهره، لكنه يحملُ دلالةً أعمق: إذ قد يكون المرة الأولى التي يتعرّض فيها مركز بيانات سحابي تابع لشركة تكنولوجية كبرى لأضرارٍ مباشرة في سياق حرب. وهذه الواقعة تعكس بوضوح الطابع غير المسبوق للصراع الجاري في الشرق الأوسط، الذي لم يعد يقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل بات يطال بنى تحتية رقمية تُمثّل أعصاب الاقتصاد العالمي.

فالصراعُ الدائر اليوم لا يشبه الحروب التي شهدها الخليج في العقود الماضية. بل يمكن اعتباره أول مواجهة منذ الحرب العالمية الثانية تمتد تداعياتها بشكل مباشر إلى مدن ومنشآت تُشكّلُ عقدًا أساسية في شبكة الاقتصاد العالمي، من مراكز البيانات إلى الموانئ ومرافق الطاقة. ومع اتساع رقعة الاستهداف، باتت البنية التحتية الاقتصادية والتكنولوجية جُزءًا من مسرح العمليات، وليس مجرد ضحية جانبية للصراع.

عندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران الأسبوع الماضي، كان متوقعًا أن يأتي الرد الإيراني قويًا ومباشرًا. غير أنَّ طهران سرعان ما وسّعت نطاق ردها، مُتجاوزةً استهداف القوات الأميركية والإسرائيلية، لتسعى إلى نقل كلفة الحرب إلى خارج مسرح المواجهة المباشر، عبر ضرب أهداف مدنية واقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي الست.

وخلال الأيام القليلة الماضية، استهدفت طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية إيرانية سلسلةً من المنشآت الحيوية في المنطقة، شملت منصات نفطية ومصافي تكرير ومطارات وموانئ وفنادق، إضافةً إلى سفن تجارية في الممرات البحرية. وباختيارها هذه الأهداف، أقدمت إيران على خطوةٍ تنطوي على قدرٍ كبير من المجازفة. فقد اعتمدت على أدواتها غير المتكافئة —الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والصواريخ الباليستية المتوافرة بكثرة— لمهاجمة دول كانت، حتى وقت قريب، من أبرز الداعمين للمسار الديبلوماسي مع طهران منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

فعلى مدى الأشهر الماضية، حاول قادة دول الخليج مرارًا توظيف علاقاتهم ونفوذهم في واشنطن لدفع الإدارة الأميركية بعيدًا من خيار الحرب مع إيران، وتشجيعها على العودة إلى طاولة المفاوضات سعيًا إلى اتفاق نووي جديد. لكن التطورات العسكرية الأخيرة توحي بأنَّ مسار الأحداث يتجه في اتجاهٍ مُغاير تمامًا لما كانت تأمله العواصم الخليجية.

الحرب تصل إلى البنية التحتية للاقتصاد العالمي

أدانت قيادات دول الخليج الهجمات الإيرانية بشدة، مُحذّرةً من تداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها. وفي هذا السياق، قال أنور قرقاش، أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية لدولة الإمارات، إنَّ استهداف دول الخليج يعزز “الرواية التي ترى في إيران المصدر الرئيس للخطر في المنطقة، وفي برنامجها الصاروخي عاملًا دائمًا لعدم الاستقرار”. ودعا طهران إلى مراجعة حساباتها والعودة إلى مسارٍ أكثر عقلانية قبل أن تنزلق المنطقة إلى أزمة أعمق يصعب احتواؤها.

وتفتح هذه الهجمات الباب أمام احتمال انخراط دول الخليج بصورة مباشرة في الصراع. فمع تصاعد التهديدات الأمنية وتزايد الضغوط الاقتصادية، قد تجد هذه الدول نفسها مضطرة إلى السماح للقوات الأميركية باستخدام مجالها الجوي بشكلٍ أوسع، وربما حتى المشاركة في عمليات عسكرية ضد أهداف داخل إيران. غير أنَّ المؤشّرات الحالية تُفيدُ بأنَّ العواصم الخليجية تسعى في الاتجاه المعاكس؛ إذ تشير تقارير إلى أنَّ قادتها يضغطون على إدارة الرئيس دونالد ترامب للدفع نحو وقف إطلاق النار، في ظلِّ تزايد كلفة الاضطرابات الاقتصادية التي لا تستطيع اقتصادات المنطقة تحمّلها لفترة طويلة.

فعلى مدى ربع القرن الماضي، نجحت دول الخليج في ترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية رئيسة في الشرق الأوسط وفاعل مؤثر في الاقتصاد العالمي. وقد تحقق ذلك إلى حد كبير بفضل معادلة الاستقرار والأمن التي وعد بها حكام المنطقة، واستندت إلى مظلة الحماية الأميركية، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بقواعد عسكرية في جميع دول الخليج تقريبًا، باستثناء سلطنة عُمان. لكن اختراق أولى الطائرات المسيّرة الإيرانية للدفاعات الجوية الخليجية شكّل لحظة كاشفة؛ إذ بدا وكأنه كسر صورة الأمن الإقليمي التي طالما رُوِّج لها. فالحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة قوّضت أمن شركائها في المنطقة، فيما تبدو واشنطن حتى الآن عاجزة عن حماية دول الخليج من تداعياتها.

وفي محاولة لطمأنة الرأي العام، قام الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يوم الاثنين الماضي بجولة في “دبي مول”، أحد أكبر مراكز التسوُّق في العالم، في إشارةٍ رمزية إلى استمرار الحياة الطبيعية في الإمارة، وتهدئة مخاوف السكان والسياح العالقين. غير أنَّ مثل هذه الرسائل الرمزية قد لا تكون كافية؛ إذ سيحتاج قادة الخليج إلى بذل جهود أكبر لطمأنة الشركات العالمية والمستثمرين بأنَّ النموذج الاقتصادي الذي قامت عليه نهضة المنطقة لا يزال قابلًا للاستمرار.

لقد أصبحت صور ناطحات السحاب اللامعة في دبي والدوحة والرياض رمزًا معروفًا للطفرة الاقتصادية في الخليج. لكن هذه الأبراج ليست سوى الواجهة الأكثر وضوحًا لتحوُّلات أعمق بكثير. فلفهم الوزن الحقيقي لدول الخليج في الاقتصاد العالمي، لا بد من النظر إلى شبكة التدفقات التي تمر عبرها: السلع والخدمات، ورؤوس الأموال، وحركة الأفراد. وعندما تتعرّض هذه التدفقات للاهتزاز بفعل الحرب، يتحوّل الصراع من أزمةٍ إقليمية إلى حدثٍ ذي تداعيات عالمية حقيقية.

الخليج… عقدة مركزية في شبكة الاقتصاد العالمي

يُعَدُّ احتمالُ تَعَطُّلِ صادرات الطاقة والبتروكيماويات التأثير الأكثر خطورة في حال استمرار الصراع. فالحرب الروسية على أوكرانيا منحت أسواق الطاقة العالمية خبرةً متزايدة في تسعير المخاطر الجيوسياسية، إلّا أنَّ اندلاعَ حربٍ طويلة الأمد في الخليج العربي كفيلٌ بإرباك معظم النماذج التي يعتمد عليها التجار والمحللون. ووفقًا لتحليل أجرته شركة البيانات “كيبلر”، يمرُّ عبر مضيق هرمز نحو ثلث إمدادات العالم من النفط الخام والميثانول والأسمدة، إضافةً إلى قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال ومشتقاته، مثل البيوتان والبروبان. أيُّ اضطرابٍ طويل في هذا الممر البحري الحيوي سيعني عمليًا هزّة عميقة في شرايين الطاقة العالمية.

ومن المرجح أن تكون الصدمة السعرية الناتجة عن تعطّل هذه التدفّقات كبيرة. حتى الآن، ظلَّ ارتفاع أسعار الطاقة محدودًا نسبيًا، وهو ما يعكس على الأرجح رهانات الأسواق على أنَّ الصراع سيكون قصير الأمد. لكن في حال استمرت الحرب لفترة أطول، فإنَّ ارتفاعَ الأسعار قد يتحوّل إلى عاملٍ يُعيدُ تشكيل موازين سوق الطاقة. وفي مثل هذا السيناريو، قد تكون روسيا أحد أبرز المُستفيدين؛ إذ ستجني مكاسب من ارتفاع الأسعار، كما قد تتمكن من اقتناص حصة أكبر من موردي الخليج في أسواق رئيسة مثل الصين.

ومع ذلك، فإنَّ أهمّية مضيق هرمز لا تقتصر على ناقلات النفط والغاز. فمعظم السفن التي تعبر هذا الممر ليست ناقلات طاقة، بل سفن حاويات تُشكّل العمود الفقري لارتباط اقتصادات الخليج بسلاسل التوريد العالمية. وعندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، كان ميناء جبل علي في دبي يتعامل مع نحو خمسة ملايين حاوية سنويًا. ومنذ ذلك الحين تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات، ليصبح الميناء اليوم واحدًا من بين أكثر عشرة موانئ حاويات نشاطًا في العالم، متجاوزًا في حجم المناولة أي ميناء منفرد في الولايات المتحدة أو أوروبا، ومرتبطًا بأكثر من 150 ميناءً حول العالم.

لقد تحوّل ميناء جبل علي إلى عقدة رئيسة في شبكة العولمة، خصوصًا مع التوسع المتسارع للصادرات الصينية. فاليوم تستضيف المنطقة الحرة في جبل علي أكثر من 500 شركة صينية، وهو رقمٌ تضاعف خلال السنوات الخمس الماضية. وبالنسبة إلى العديد من الشركات في الأسواق الناشئة، أصبح هذا الميناء محطةً أساسية في حركة التجارة العالمية؛ فإذا استورد مُصنِّعٌ أفريقي معدات من مورِّد صيني، فمن المرجح أن تمرَّ تلك الشحنة عبر جبل علي قبل أن تصل إلى وجهتها النهائية. وفي ظل هذا التشابك العميق، فإنَّ أيَّ اضطرابٍ طويل الأمد في الخليج لن يظلَّ مشكلة إقليمية، بل سيتردّد صداه عبر شبكات التجارة العالمية بأكملها.

إلى جانب دورها المحوري في التجارة البحرية، رسّخت دول الخليج مكانتها أيضًا كمركزٍ رئيسي للطيران العالمي. فمطارات المنطقة، ولا سيما في دبي والدوحة، أصبحت من بين الأكثر ازدحامًا وترابطًا في العالم. ويعيش نحو ثلثي سكان العالم ضمن نطاق رحلة جوية لا تتجاوز ثماني ساعات من هذه المطارات، ما جعلها عقدًا أساسية في شبكة النقل الجوي الدولية. ولا يقتصر دورها على حركة المسافرين؛ إذ تؤدي مطارات الخليج كذلك وظيفة حيوية في الشحن الجوي، حيث تمر عبرها نحو 10% من إجمالي حجم الشحن الجوي العالمي.

وقد أدى اتساع تدفقات الطاقة والسلع عبر اقتصادات الخليج إلى دفع عملية تطوير واسعة لقطاع الخدمات في المنطقة، الذي بات يضم اليوم قطاعًا مصرفيًا يتمتّع بقدرةٍ تنافسية عالمية وأهمية نظامية متزايدة. ففي العام الماضي، بلغ إجمالي ودائع البنوك التجارية في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 2.3 تريليوني دولار، وهو رقم يقارب إجمالي الودائع المصرفية في إيطاليا. غير أنَّ هذه المقارنة تخفي فارقًا مهمًا: إذ إنَّ نسبة كبيرة من هذه الودائع في الخليج تعود لغير المقيمين. ففي قطر مثلًا يمتلك غير المقيمين نحو خُمس الودائع المصرفية، فيما تبلغ هذه النسبة قرابة عُشر الودائع في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وفي هذا السياق، تبرز دبي كمركزٍ رئيس للمؤسسات المالية غير المصرفية وشركات الصرافة التي تدير التحويلات المالية. ولا تقتصر هذه الشبكة على العمالة الوافدة في الخليج، بل تمتد لتخدم ملايين العمال المهاجرين الذين يحوّلون الأموال عبر الحدود بين أفريقيا وآسيا. كما تلعب دبي دورًا محوريًا في تجارة المعادن الثمينة؛ إذ تمرُّ عبرها نحو 15% من تجارة الذهب العالمية، ما يمنحها أهمية نظامية لاقتصادات عديدة في جنوب آسيا وأفريقيا تعاني من ضعف البنية المصرفية.

كما أسهم تطوُّرُ البنوك التجارية في دول مجلس التعاون الخليجي في تسهيل تدفق رؤوس الأموال الدولية عبر المنطقة. ورُغمَ أنَّ أسواق رأس المال المحلية لا تزال صغيرة نسبيًا مُقارنةً بالمراكز المالية الكبرى، فإنَّ مدنًا مثل دبي وأبوظبي والدوحة أصبحت وجهات بارزة للاستثمارات الخاصة، خصوصًا للأفراد ذوي الثروات الكبيرة الآتين من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطى وأفريقيا.

ولعلَّ أحد أكثر المؤشرات دلالة إلى هذا الدور الفريد يتمثّل في تشابك المصالح الاقتصادية العالمية مع أسواق الخليج. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه يمتلك مصالح مباشرة في سوق العقارات بدبي. ويجري حاليًا بناء فندق وبرج “ترامب الدولي”، وهو أول مشروع ضمن سلسلة من الاستثمارات التي تخطط لها مؤسسة ترامب في المنطقة، ما يعكس مدى جاذبية السوق الخليجية حتى بالنسبة إلى شخصيات سياسية واقتصادية على أعلى المستويات.

وفي سياق سعيها المستمر لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، استخدمت دول الخليج الاستثمار الخارجي المباشر أداةً لتعزيز حضورها الجيوسياسي والاقتصادي في آنٍ واحد. فقد لعبت صناديق الثروة السيادية دورًا متزايد التأثير في الأسواق العالمية، حيث استحوذت الصناديق السبعة الكبرى في المنطقة على نحو 43% من إجمالي رؤوس الأموال التي ضخّتها الجهات الحكومية حول العالم في العام 2025، مُسَجِّلةً تدفُّقات استثمارية خارجية بلغت 126 مليار دولار. ومن بين أبرز صفقات العام الماضي استثمار كبير قامت به هيئة قطر للاستثمار في شركة الاستثمار التابعة لجاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مؤشّرٍ إلى التشابك المتزايد بين رأس المال الخليجي والدوائر الاقتصادية والسياسية في الغرب.

عندما تصبح العولمة نفسها في مرمى الحرب

غير أنَّ اندلاع الحرب يُهدّدُ بإرباكِ هذه التدفّقات الاستثمارية التي تُشكّلُ أحد أعمدة النمو في المنطقة. فقد تعطّل الإنتاج في عدد من منشآت الطاقة الرئيسة، فيما تراجعت حركة السفن عبر مضيق هرمز يوم الأحد الماضي إلى نحو خُمس مستوياتها المعتادة. وعلى صعيد النقل الجوي، لا تزال أكثر من 80% من الرحلات المتجهة إلى الإمارات وقطر والبحرين ملغاة. كما انعكست حالة عدم اليقين سريعًا على الأسواق المالية؛ إذ تراجعت أسعار الأسهم في قطر والسعودية، بينما علّقت البورصات في الإمارات والكويت التداول مؤقتًا، في وقتٍ تشهد سوق الذهب في دبي حالةً من الركود.

وفي مواجهة هذه التطورات، تبدو استجابة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب محدودة حتى الآن. فباستثناء سلسلة من الإعلانات المتفرّقة حول إجراءاتٍ جُزئية، لا تظهر مؤشّرات واضحة إلى وجود خطة متكاملة للتعامل مع الصدمات الاقتصادية المتوقَّعة، فضلًا عن غيابِ تصوُّرٍ واضح لكيفية تضاعف هذه الصدمات إذا استمرت الحرب خلال الأسابيع المقبلة. وقد أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الصحافيين أنَّ الإدارة تعتزم اتخاذ خطوات “للتخفيف” من ارتفاع أسعار الطاقة، مؤكدًا أنَّ هذا السيناريو كان “متوقَّعًا”.

ومن بين الإجراءات التي أعلنتها واشنطن توفير تأمين ضد المخاطر السياسية لشركات تأجير السفن ومالكيها ومزوّدي خدمات التأمين البحري الرئيسيين، عبر مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية. ويعكس هذا القرار حجم المخاطر التي باتت تهدد حركة التجارة في المنطقة؛ إذ إنَّ آخر مرة لجأت فيها الحكومة الأميركية إلى تعبئة أدوات التأمين لدعم الشحن على نطاقٍ عالمي تعود إلى برنامج نفذته إدارة الشحن الحربي خلال الحرب العالمية الثانية.

قبل أكثر من قرن، وفي خضمّ نقاشه حول ازدهار التجارة والتمويل الدوليين، حذّر الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون من أنَّ “آثار الحرب لم تَعُد محصورة في ساحات القتال”. وكان يرى أنَّ أيَّ خطوة من شأنها زعزعة استقرار العالم ينبغي أن تُعرَض أوّلًا على الرأي العام الدولي قبل الإقدام عليها. فقد نشأت الأسواق والشبكات التي دعمت العولمة الحديثة في بيئة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الصراعات العسكرية —على شدّتها— تدور غالبًا بعيدًا من المراكز الرئيسة للاقتصاد العالمي. وحتى الحروب الكبرى التي خاضتها الولايات المتحدة في كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان لم تضع البنية الأساسية للاقتصاد العالمي على المحك.

اليوم يبدو أنَّ هذا التحذير التاريخي قد تلاشى من حسابات صانعي القرار في واشنطن. فبإطلاقه هذه الحرب، لم يُعرّض الرئيس دونالد ترامب خصومه فحسب، بل وضع أيضًا شركاءه في الخليج في مرمى هجماتٍ غير مسبوقة. والنتيجة أنَّ إحدى أكثر المناطق حيوية في شبكة الاقتصاد العالمي باتت ساحة صراع مفتوحة، بما يحمله ذلك من خطر مباشر على التدفقات التجارية والمالية التي تُشكّلُ شريان الحياة للاقتصاد العالمي.

  • إسفنديار باتمانغليج هو مؤسس مؤسسة بورصة وبازار. يمكن متابعته عبر حسابه على منصة “إكس”: @yarbatman

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى